قفص بلا باب (قصة قصيرة)
بقلم: شعيب البطار
كان الوقت عشاء، تردد في الخروج، وضع نظاراته السوداء، لبس قفازاته، امتطى دراجته النارية التي طفقت كالبرق الخاطف تطوي المسافات وتلتهم الطريق التهاما وقد صار متجها صوب اصدقائه ولقائه المعهود .
وهو يسير على دراجته ظل صوت الأذان يرن في أذنه وفجأة وبعد ان قطع بضعة كيلومترات تغير لون وجهه وطال محياه حزن غريب، أَدار المقود راجعا الى البيت نزل من دراجته وصار مهرولا يكاد قلبه يتوقف من شدة الحسرة وكأن شيئا ضاع منه.
لقد تذكر باب القفص مفتوحا عندما كان يضع الطعام للعصفور الذي كان المؤنس الوحيد له. وفي كل خطوة يخطوها كان يقول:
يا للحسرة، هل هناك امل في ان اجد العصفور في قفصه ، ام بعد كل هذا الالفة سأحرم من النظر الى هذا الطائر البديع ؟ وهل سينقطع استمتاعي بهذا العصفور المنمق ذو الالوان الزاهية، والشكل الأخاذ والصوت الشجي.
فكان الرجل يجري ويجري ويهدي وكأن لوثة جنون قد عصفت بعقله، ووجدانه يتمزق بين الحسرة والامل.
وصل الى البيت وقبل ان يفتح الباب كاد يسقط ارضا من شدة خفقان قلبه .
فتح الباب بسرعة ، وقعت منه النظارات دون أن يكثرت اليها
دخل البيت واخيرا صار واقفا امام القفص، اطال النظر فيه بعينين شاخصتين وقف وكأنه صعق لاينبس ببنت شفة اختلط ماء العرق بدموعه المتناثرة من مقلتيه صامتا يكاد الدم يتجمد في عروقه .
لقد كان باب القفص مفتوحا كما توقع سعيد وخاليا من الطائر .
لم يذهب الطائر بعيدا، قد خرج من القفص الى حديقة المنزل
… وضع سعيد رأسه بين ذراعيه وقد علاه الكمد وملأه الوجوم والأسف ثم بعد هنيهة رفع رأسه لينظر الى القفص ثانية، وكم كانت دهشته كبيرة عندما رأى الطائر وقد عاد الى القفص. ارتمى سعيد على باب القفص ليغلقه ولكنه قبل ان يلمس القفص شعر وكان شيئا ما أوقفه، انتزع يده بسرعة ثم قال في نفسه :
لماذا اغلق باب القفص ؟
اليس عودة العصفور الى القفص يعني انه يحبني ويثق في ؟
أليست عودته تعني انني انسان طيب!!!!؟
أليس هذا اعتراف من كائن بريء ؟
.
رن الهاتف في جيبه، استله، فتح الخط وضع المحمول على أذنه بيده متثاقلة مترددة:
أينك أيها الزعيم حاول ان تسرع اكثر فالفرصة جد سانحة لمباشرة العملية، هكذا قال أحد أفراد عصابة اللصوص .
.
أقفل سعيد الهاتف ونحاه جانبا دون ان بنبس بلفظة، ثم عاد الى طائره وقد ابتعد هذه المرة خطوتين ليستمتع بالمشهد النوراني ثم صار يردد :
“والان وانا استمع الى غنائك وكاني أفهم ما تقول” .
اصبح الطائر يخرج ويعود الى القفص .
انهمك الطائر في غنائه دون انقطاع، فامتلأ البيت سرورا وفرحا أما سعيد فظل ينظر الى العصفور بلا حركة وكأن على رأسه الطير مستمعا ومستمتعا بصوته الأخاذ وكأنه يقطر وحيا.
استرسل الطائر في غنائه وقد بدا لسعيد حينها وكأنه خطيب يرتقي منبرا يلقي موعظة، ثم قال متنهدا:
الله الله، حقا لم أسمع قط أجمل ولا أصدق من هذه الموعظة .