منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ِ..ولادة.. حي

ِ..ولادة.. حي/ صفاء الطريبق

0

ِ..ولادة.. حي

بقلم: صفاء الطريبق

قابضا على قلبه طيلة الثلث الأخير من الليل.. كمن يمسك بقية عمره من التفلت.. كجمرة محرقة تقلقه.. ينتظر بزوغ الفجر لعل حالته هاته تنفرج مع ضوء الصباح.. ويا للأماني المخيبة لنفس بعيدة في تفكيرها..لم تحدثه نفسه بالصلاة ولا بذكر الله.. لم يصغ للأذان فهو صوت لديه مألوف غير محسوس..كيف تشرق شمس على من لم تشرق فيه نوازع طلب مولاه.؟!. نهض متثاقلا وخرج.. لا يقوى على تكلف التبسم في وجه بواب العمارة وحارسها.. انطلق بسيارته الفخمة التي كانت تبدو له كقطعة خردة لا فائدة منها سوى أنها تساعده على تيهه.. تجوب به شوارع المدينة لعل قلبه يهدأ.. أو يصادف من يخلصه من شرارته الناقمة.. تذكر أنه لم يذق طعاما منذ صباح البارحة.. فتوقف ليشتري ما يشبع نهمه.. كانت عيناه تجولان كالمجنون.. ليس جائعا بالتأكيد..بل إنه يتألم بما يشبه كل الآلام.. كأن روحه أصيبت برصاصات عديدة لم تترك مكانا إلا نخرته.. لتحوله كله إلى ثقوب وبعض روح.. كان يغطي جسده بمعطف كمن يواري سوءاته.. هكذا فعلا كان يشعر.. بالخزي رغم ظاهر “الغنى”و”العز”..
وقف ينتظر في طابور ليشتري خبزا وأشياء أخرى هو أيضا لا يعلم ما هي.. فقط ينتظر حيث قادته قدماه مع المنتظرين هنالك.. في ذلك المحل الذي يبدو دافئا وبه حركة.. يحتاج هو لمن يؤنسه.. يبحث عن رسالة مفقودة تضمها عينا شخص أو يداه.. أو حركاته.. أغمض عينيه وهو ينتظر.. دخل رجل بلحية بيضاء.. ونادى عامل المخبزة باسمه.. يبدو أنه زبون دائم.. هكذا خمن.. وسرعان ما أخرج شاب من داخل المخبزة سلة كبيرة مليئة بالخبز.. والشيخ يبتسم.. تحلقت حوله نسوة كن ينتظرنه بالخارج.. لتأخذ كل واحدة حقها..وهو في انبساط وتبسم عجيب..
انبهر بهذا المشهد في ذهول عاجز.. تذكر محفظته المملوءة نقودا ونفسه المحشوة عجزا.. كأنه مسجون في هذا الجسد.. ” لم لا أستطيع أن أكون مثل هذا الشيخ؟! “..كان السؤال يحفر بداخله ما هو أعمق منه..وصار انتظاره هناك محببا إليه.. ليعطي دوره لكل المنتظرين ويظل هو الأخير.. أراد فقط مساحة من هذا التفكير النقي.. من الانتظام..من الاطمئنان..
اليوم.. جمعة..هكذا طرأ بباله.. كأنه أفاق.. فكل أيامه السابقة كانت متشابهة..” سأذهب لأغتسل وأقصد المسجد” .. دمعت عيناه.. “آه كم اشتقت للمسجد.. لا أتذكر متى آخر مرة صليت فيها.. ركبتاي لم تتعودا الركوع والجلوس.. وجبهتي لم تسجد لسنوات” .. لمسها بيده كمن يتفقد صورة غائب.. ليتني أتخلص من كل هذا المال وتضمني أسرة طيبة لأجوائها الدافئة وسأقنع حتما بغرفة صغيرة وكثير من المحبة.. سأبني إن شاء الله مسجدا.. وأحضر شيخا ليعلم الأطفال القرآن…. كان يردد بصوت داخلي أعلى.. كصوته حين كان طفلا ممزوجا بضحكة صافية متحفزة.. ” نعم وسأجلس لأتعلم القرآن رفقة أولئك الأطفال.. وإن سمح لي الشيخ سأتدرب على الأذان حتى أتقنه..نعم بإمكاني ذلك وأضم القطعة الارضية المجاورة للمسجد لتكون مدرسة نموذجية لأطفال سأختارهم بعناية من أسر فقيرة وأعتني بهم.. سيكونون هم أبنائي الذين لم أنجبهم… تدفقت الافكار كالشلال.. وبدأت ملامحه شيئا فشيئا في الاستبشار.. وأرخى قبضته من المعطف.. ليبدو بعد حين شخصا ألطف وأطول..
..( لطالما رأيت الصالحين كالجبال.. كالنخل..)
.. انصرف من المحل وقد وجد ما هو أثمن وأغلى من الأكل.. وجد قلبه.. حين كان يعزم على تحريك السيارة توقف لبرهة.. ليتأمل ويتساءل ممتنا..” هل ما كنت أعانيه فعلا كان بهذا الحجم الضئيل جدا من التفاهة.. جعلني أبتعد عن الله.. أفقد قلبي.. أبذر عمري.؟! حمد الله ثم استسلم هذا الدكتور الجامعي المرموق.. إلى عجزه.. استسلم أن الرؤية والذوق والتنعم والحياة حق الحياة مفتاحها بيد الله..
لا تغني عنه مشاريعه وأمواله.. وليست تغنيه أفكاره واستنتاجاته.. هذا القلب شتات إن لم يبعث الله فيه الحياة..
.. لقد كان من قبل يدرك بعقله.. لكن نفسه لم تطاوعه.. وكذلك.. جسده.. روحه.. قلبه .. إرادة الفعل.. الشعور بلذة الاحتياج.. لم تكن من قبل.. وهذه والله نعمة عظيمة جدا.. أن يغمر الايمان قلب العبد.. فيعرف أن له ربا.. فيشتاق للقائه ويجعل عمره تجارة رابحة.. يبيعه لمولاه.. فيسعد سعادة لا مثيل لها..نعمة مغبون من لم يشكرها
..
لم تغادره ابتسامة ذلك الشيخ الذي كانت نورانية حضوره كافية لينفتح باب قلبه بإذن ربه..
العطاء جنة.. لا يذوقها البخلاء..
..
حين يولد قلب جديد.. تغمر الفرحة كل الكائنات.. تتهامس وريقات الاشجار وتطرب فرحا.. تصفو السماء وتمطر حينا رذاذا لطيفا.. وتنتعش العصافير من أعشاشها لتصدح بزقزقات هي أجمل من سابقاتها.. لو كان بالامكان سماع نشيدها العذب.. لسمع كل إنسان نداءها.. “اليوم ولد قلب حي..تبارك الحي”
..
لعلك تصادفه في إحدى الأزقة يطرق باب جارته يطمئن عليها.. أو يدلف الى دار أحد أبنائه الذين حفظوا القرآن في ذلك المسجد.. عنوان توبة.. لديه الآن أبناء كثر.. منهم من أكمل دراسته وحفظ كتاب الله ليكون هو أيضا.. معلما في المسجد الى جانب عمله الاخر.. غرس طيب.. لم يعد دكتور الأمس وحيدا.. وذاك لقب تخلى عنه منذ أن استفاق.. فبيته عامر وقلبه عامر..وهمه اسمه عند مولاه.. يمر ليلا يطرق أبواب الارامل واليتامى.. يضع اكياسا ويمشي بسرعة دون أن يراه أحد..يملؤها بما يلزم ولا ينسى حصة الاطفال من الحلوى واللُّعب..
ستلتقيه بالمسجد.. أو فقط بالشارع يمضي وبشره في وجهه.. طويل كالنخل.. خفيف المشية كمن لا يحمل ثقلا.. سيبتسم حتما.. وستشرق في قلبك.. فكرة.. بذرة

.. إن الصالحين.. كالزارعين..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.