﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾

تفسير الآية:﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾

الآية جاءت في سياق تعداد نِعم الله على عباده، فهو الذي جعل لهم السماء سقفا محفوظا، وجعل الأرض فراشا، ومستقرا لهم، وأنزل لهم من السماء ماء لينتفعوا به وليُخرج لهم به من الأرض ما يأكلون، وسخر لهم الفلك تجري طافية فوق البحار؛ فيسافرون من بلد الى بلد بسببها، وسخر لهم الأنهار زينة في الأرض ومنفعة لهم، اذ بسببها تنتفع الأرض والنبات والحيوان والإنسان من مائها، ويستغل الإنسان جريانها، وسخر لهم الشمس والقمر كل يدور في فلكه، وجعل الأرض تدور حول نفسها، فينتج عن ذلك تعاقب الليل والنهار، وتدور حول الشمس فينتج عن ذلك تعاقب الفصول الأربعة. كل هذا لكي يستطيع هذا الإنسان أن يعيش ويستمر نسله.

فبعد أن ذكر الله تعالى هذه النعم قال:﴿وآتاكم من كل ما سألتموهأي وآتاكم من كل شيء سألتموه، ورغبتم إليه شيئا، كما قال تعالى عن النعم التي أسبغها على بلقيس، ومثله قوله تعالى: ﴿وأوتيت من كلّ شيء يعني به: وأوتيت من كل شيء في زمانها شيئا، وقال آخرون: بل معنى ذلك: وآتاكم من كل الذي سألتموه والذي لم تسألوه.

وذلك أن العباد لم يسألوه الشمس والقمر والليل والنهار. وخلق ذلك لهم من غير أن يسألوه. وقد قال الضحاك: فكم من شيء أعطانا الله ما سألناه ولا طلبناه. قال القشيري:”ما سمت إليه هممكم، وتعلّق به سؤالكم، وخطر تحقيق ذلك ببالكم، أنلناكم فوق ما تؤمّلون، وأعطيناكم أكثر مما ترجون”[1].

ثم قال تعالى بعد تعداد نعمه عليهم وإعطائهم ما سألوا وما لم يسألوا:﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها . لا تحصوها: أي لا تطيقوا عدّها، ولا حصرها لكثرتها، كالسّمع والبصر ودوام العافية والرّزق وصلاح الأبناء والزوجة…قال الزمخشري: “هذا إذا أرادوا أن يعدوها على الإجمال. وأمّا التفصيل فلا يقدر عليه ولا يعلمه إلا الله”[2]. وقال الثعلبي:”﴿وإن تعدّوا نعمة اللّه لا تحصوها﴾ لا تطيقوا ذكرها ولا القيام بشكرها لا بالجنان ولا باللسان ولا بالبيان”[3]. هذا عن النعم الظاهرة التي يراها الانسان اما النعم الباطنة كالعلم والهداية والتدبر والتفكر والإلهام لفعل الخير وحفظ الله تعالى من شر الإنس والجن فلا يعلمها كثير من الناس، فضلا عن عدها أو حصرها.

﴿إنّ الإنسان لظلوم كفّار﴾ . يقول الطبري: إن الإنسان الذي بدل نعمة الله كفرا لظلوم: يقول: لشاكر غير من أنعم عليه، فهو بذلك من فعله واضع الشكر في غير موضعه، وذلك أن الله هو الذي أنعم عليه بما أنعم واستحق عليه إخلاص العبادة له، فعبد غيره وجعل له أندادا ليضلّ عن سبيله، وذلك هو ظلمه، وقوله: “كفّار” يقول: هو جحود نعمة الله التي أنعم بها عليه لصرفه العبادة إلى غير من أنعم عليه، وتركه طاعة من أنعم عليه”[4].

وقد يكون الظلم في الآية، أيظلم نفسه لمّا عرضها للحرمان بارتكاب المعاصي، فإن النعم تزول بعدم الشكر وبالمعاصي.

والإشارة الموجهة إلينا من خلال الآية: ألا نقابل فضل الله علينا بنعمه التي لا تحصى بالكفر والمعصية وأن نستعين بها على الطاعة وأن نكثر من شكر المنعِم.

وفي صحيح البخاريّ: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقول إذا فرغ من طعامه: “اللّهمّ، لك الحمد غير مكفيّ ولا مودع، ولا مستغنى عنه ربّنا”[5]

غير مكفي: أي ما أكلناه ليس كافيا عما بعده بل نعمك مستمرة علينا غير منقطعة طول أعمارنا. ولا مودع: من الوداع أي ليس آخر طعامنا.

ويوجهنا طلق بن حبيب فيقول: “إن حقّ الله أثقل من أن تقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر من أن تحصيها العباد، ولكن أصبِحوا توّابين وأمسوا توّابين”[6].

وقد روي في الأثر: أنّ داود، عليه السلام، قال: يارب، كيف أشكرك وشكري لك نعمة منك عليّ؟ فقال اللّه تعالى: الآن شكرتني يا داود، أي: حين اعترفت بالتّقصير عن أداء شكر النّعم[7].

وروي عن داود عليه السلام أيضا أنه قال: إلهي، ابن آدم ليس فيه شعرة إلا وتحتها نعمة، وفوقها نعمة، فمن أين يكافئها؟ فأوحى الله تعالى إليه: يا داود، إني أعطي الكثير وأرضى باليسير، وإنّ شكر ذلك أن تعلم أن ما بك من نعمة فمنى[8].


[1]– لطائف الإشارات للقشيري، 2/253.

[2]– الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل للزمخشري، 2/257.

[3]– الكشف والبيان عن تفسير القرآن للثعلبي، 5/320

[4]– جامع البيان في تأويل القرآن للطبري، 17/ 16.

[5]– صحيح البخاري، كتاب الأطعمة، باب ما يقول إذا فرغ من طعامه، 5458.

[6]– جامع البيان في تأويل القرآن للطبري. 17/16.

[7]– تفسير القرآن العظيم لابن كثير، 4/511

[8]– البحر المديد في تفسير القرآن المجيد لابن عجيبة، 3/64

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: