منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ويتخذ منكم شهداء

0
اشترك في النشرة البريدية

أكتب هذه الكلمات عن الشهيد في الوقت الذي يعدم فيه خيرة شباب مصر. ويسجن رافعو لواء نصرة المظلوم، ويحارب فيه كل صادق صاحب قضية عادلة.وفي الوقت الذي ارتقى فيه ما يفوق الخمسين شهيدا في هجوم إرهابي إجرامي متطرف، في قلب مسجد النور في نيوزيلاندا، لا لشيء إلا لقولهم ربي الله. وليدخلوا في قول الله سبحانه وتعالى: (( ويتخذ منكم شهداء ))[1].

إذن هو اصطفاء وأنتقاء من الخالق سبحانه لثلة من عباده الصادقين المخلصين، ليكونوا أحياء عند ربهم يرزقون، يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله: ” تعبير عجيب عن معنى عميق – إن الشهداء لمختارون. يختارهم الله من بين المجاهدين، ويتخذهم لنفسه – سبحانه – فما هي رزية إذن ولا خسارة أن يستشهد في سبيل الله من يستشهد. إنما هو اختيار وأنتقاء، وتكريم واختصاص… إن هؤلاء هم الذين اختصهم الله ورزقهم الشهادة، ليستخلصهم لنفسه – سبحانه – ويخصهم بقربه”[2].

ويقول صاحب محاسن التفسير:” أي وليكرم ناسا منكم بالشهادة ليكونوا مثالا لغيرهم في تضحية النفس شهادة للحق، واستماتة دونه، وإعلاء لكلمته، وهو تعالى يحب الشهداء من عباده، وقد أعدّ لهم أعلى المنازل وأفضلها، وقد اتخذهم لنفسه، فلا بد أن ينيلهم درجة الشهادة. وفي لفظ (الاتخاذ) المنبئ عن الاصطفاء والتقريب، من تشريفهم وتفخيم شأنهم ما لا يخفى”[3].

 فئة مؤمنة من الرجال والنساء اختاروا أن يصطفوا مع الحق، وأن يبذلوا الغالي والنفيس في سبيل إعلاء كلمة الله في الأرض، ومن أجل الاستخلاف المنشود فيها، وإحلال الأمن والسلام بين بني البشر.

المزيد من المشاركات
1 من 30

رجال ونساء ربطوا مصيرهم بمصير العزة لأمتهم وعلموا علم يقين أن الله تعالى إنما وعد الشهيد بالحياة الخالدة في النعيم لأنه سعى بجهاده وبذل حياته في سبيل إحياء الأمة جمعاء. إحياء الأمة يبدأ بإقامة الصلاة باعتبارها عماد الدين، وإقامة شرع الله لإدراكهم أن لا أس ولا بنيان دون إقامة هذا الركن، فيـصبح المنهج الذي أراده االله للناس، والذي بلغه عنه رسول الله عليه الصلاة والسلام هو المنهج السائد والغالب والمطاع، وهو المنهاج الذي يحكم حياة الناس كلها بلا استثناء .

رجال ونساء صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وأقاموا الحجة على أنفسهم وعلى الناس، بعد أن أيقنوا أن الشهادة تتطلب هما وفهما وإرادة، يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: ” من أصبح وهمه الدنيا فليس من الله في شيء، ومن لم يهتم بالمسلمين فليس منهم، ومن أعطى الذل من نفسه طائعا غير مكره فليس منا[4] التهمم بأمر المسلمين أمر واجب مطلوب، وهذا يتطلب وعيا وفهما وعزما لإدراك أن الطريق ليس مفروشا بالورود، وأن العقبة كؤود، وأن سنة الله في الكون فيها غالب ومغلوب، وأن الدنيا دار غرور، وأن الآخرة هي دار السعادة والخلود، وأن للإنسان ما سعى وأن سعيه سوف يرى، وأن لا بد من قومة فردية وجماعية من أجل القيام على بصيرة نصرة للمظلوم، ودفاعا عن المستضعف، قياما لإحلال العدل محل الجوْر. والحق مكان الباطل.

يقول جل وعلى: (( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ))[5]

فطوبى لمن نال هذه الدرجة ووصل إلى هذه المنزلة عند الله تعالى، وحق للشهيد أن يتمنى أن يعود للدنيا فيجاهد مرة أخرى فيقتل في سبيل الله، امتثالا لقول الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة وازكى السلام: ((ما من نفسٍ تموت، لها عند الله خيرٌ، يَسُرها أنها ترجع إلى الدنيا وأن لها الدنيا وما فيها، إلاَّ الشهيد؛ فإنَّه يتمنَّى أنْ يرجِعَ، فيُقْتل مرة أخرى))[6].


[1] – آل عمران: 140

[2] – في ظلال القرآن: سيد قطب 1/ 569.

[3] – محاسن التاويل، محمد جمال الدين القاسمي، 2/419

مقالات أخرى للكاتب
1 من 4

[4] – المعجم الأوسط والصغير لطبراني من حديث يزيد ابن ربيعة.

[5] – آل عمران : 169.

[6] – مسند أحمد 19/292 – صحيح مسلم 3/1498.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.