وقفة متأنية مع نداء المطالبة بإلغاء التعصيب في الإرث

إن الدين الإسلامي هو دين الحق والعدل، ولذلك كان من أهدافه السامية توحيد الله، ومنع التظالم بين الناس، وقد جاء في أكثر من آية من آي الذكر الحكيم أن “اللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ[1]، وعن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: ” يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا…[2]“. ونبي الإسلام صلى الله عليه وسلم جُبل على رفض الظلم حتى قبل بعثته، وقد كان عليه السلام عضوا مؤسسا في حلف الفضول، الذي هدف لنصرة المظلوم، وقال عنه بعد أن أكرمه الله بالرسالة: “لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت[3]. فكيف ينسب الظلم لدين هذه خصائصه وتلك مميزاته، فعندما أشرقت الأرض بنور السماء، وبعث سيدنا محمدا رحمة للعالمين، كان المجتمع الجاهلي يغرق في الظلمة، ويئن تحت الظلم، ظلم لم يكن يميز بين رجل وامرأة، ولا بين حر وعبد، ولا بين صغير وكبير، وكان من مظاهر هذا الظلم حرمان كل من لا قدرة له على حمل السلاح من الإرث، وكانت المرأة في مقدمة المحرومين، فرد لها الإسلام اعتبارها وصان لها حقها، فعن جابر بن عبد الله قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جئنا امرأة من الأنصار في الأسواق، فجاءت المرأة بابنتين لها، فقالت: يا رسول الله، إن سعدا هلك وترك ابنتين، وقد استفاء عمهما مالهما وميراثهما كله، فلم يدع لهما مالا إلا أخذه، فما ترى يا رسول الله؟ فو الله لا تنكحان أبدا إلا ولهما مال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يقضي الله في ذلك“، قال: ونزلت سورة النساء: يوصيكم الله في أولادكم الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ادعوا لي المرأة وصاحبها” فقال لعمهما: “أعطهما الثلثين وأعط أمهما الثمن، وما بقي فلك[4]“.

ولعل الموقعين على النداء الذي صدر هذه الأيام – مطالبا بإلغاء نظام التعصيب من الإرث – أو بعضهم يعرفون هذه الحقائق، ولذلك صدّروا النداء بتوجيه النقد لقانون المواريث المضمن في مدونة الأسرة.

وقد صيغ النداء بنفس حقوقي يدافع عن المرأة المستضعفة التي تضطر بسبب نظام التعصيب في الإرث لقسمة مال أبيها “مع الذكور الأقربين…وفي حالة عدم وجودهم تقتسم مع أبناء عمومة أبعدين قد لا تربطهم بالأسرة آصرة أو قربى سوى الدم المشترك[5]“. ثم عرج النداء على نقض الأسس التي بني عليها نظام التعصيب في الإرث “بأن الإرث بالتعصيب كان يجد ما يبرره في السياق التاريخي الذي نشأ فيه حيث كان النظام الاجتماعي نظاما قبليا يفرض على الذكور رعاية الإناث…هذا النظام الاجتماعي لم يعد بالتأكيد هو السائد في عصرنا الحالي…[6]“. فهذا النداء له أسباب ودوافع، وله وسائل، وغايات ومقاصد.

أولا: الدوافع والأسباب 

يزعم صائغوا هذا النداء أن دوافعهم هي رفضهم للحيف الذي تعاني منه المرأة بسبب نظام التعصيب في الإرث، فلنفترض حسن النية، ولنسأل، هل هذا هو الحيف الوحيد الذي تعاني منه المرأة؟ وهل إزالة نظام التعصيب في الإرث سيحقق للمرأة الرخاء والكرامة؟ قطعا لا أحد يستطيع إنكار تعدد مظاهر الظلم الذي تعاني منه المرأة، كما لا يوجد عاقل يزعم أن إلغاء نظام التعصيب سيحقق العزة والكرامة للنساء.

إذا فلماذا السكوت عن كل مظاهر الظلم، وأشكال الحيف التي تتعرض لها المرأة والرجل معا بسبب الفقر الممنهج؟ والجهل والقتل في كثير من بقاع العالم؟ لماذا السكوت عن هتك الأعراض وانتهاك الحرمات التي تتعرض له هنا وهناك؟ لماذا عن كل هذه القبائح وغيرها، التي أزكمت رائحتها الأنوف وخنقت الأنفاس؟ لماذا السكوت عن كل أشكال الظلم ومظاهر الانتهاك المهين للكرامة الإنسانية؟ لماذا السكوت عما وقع ويقع من انتهاك لكرامتها الإنسانية وهي تعاني بحثا عما يسد الرمق ويقيم الأود؟

أم أن هؤلاء لا تحمر أعينهم، وتنتفخ أوداجهم إلا إذا كان النقد موجها لحكم شرعي. إن كان الأمر كذلك فهم يفكرونني بنكتة لطيفة وقعت لطالب مجاز في اللغة العربية، فلما طلب منه إعراب جملة فيها كان اعتذر بأنه متخصص في إن وأخواتها فقط ففيها أنجز بحث التخرج. فلا يفوتني هنا أن أذكرهم بقولة لشخص كان أشد الناس عداوة لرسالة الإسلام، وللنبي عليه السلام، فلما خاب سعيه، وبار تدبيره، نطق مقرا بالحقيقة المرة:” من يغالب الله يغلب[7]“.

إن الحق واحد غير متعدد، فالذي يرفض الظلم تجده حاضرا كلما وجد ظلم، يواسي المظلوم، ويواجه الظالم كائنا من كان، وعلى جميع المستويات – السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية – ناقدا ومدافعا، أما الذي يحضر فقط عندما يتعلق الأمر بمظالم للمرأة سببها “الفقه الإسلامي” فإنه لا يستطيع دفع الشكوك التي تراود الناس في أهدافه ومنطلقاته.

ثانيا: الوسائل

يزعم صائغوا النداء بمفهوم المخالفة أن إلغاء نظام التعصيب في الإرث سيزيل “ظلما كبيرا لا يتماشى مع مقاصد الإسلام[8]“. قطعا الظلم لا تقبله شريعة الإسلام، ولكن رفع الظلم ينبغي أن يكون شاملا، فالمجتمع الذي ننشده ينبغي ألا يظلم فيه رجل ولا امرأة، وهذا لن يحصل بمجرد إلغاء نظام التعصيب في الإرث، فكيف لمن لا يجد ما يسد رمقه أن يورث شيئا لأبنائه وبناته؟ من السبب في هذه الفوارق الطبقية الهائلة بين الناس؟ وكيف نتخلص منها؟ لماذا لا تتحدثون عن غياب العدل في انتاج الثروة وتوزيعها؟ لماذا يغيب الحديث عن الأمور التي شرعها الإسلام بقصد إغناء الفقير وتطهير نفس الغني من الشح، كالزكاة والصدقات؟

الذي ينتمي للنخبة ويسعى للقيادة ينبغي أن تكون وسائله متعددة، وأفقه واسعا، ومطلبه سامقا، وإصلاحه شاملا، وقلبه صافيا، وإلا كان متهما.

يزعم صائغوا النداء المطالب بإلغاء نظام التعصيب في الإرث أنه ” مجرد اجتهاد فقهي لا يجد له أي سند في القرآن الكريم، فضلا عن أنه لا يتناسب مع مقاصد الشريعة الإسلامية في تحقيق العدل بين الناس[9]“. وهنا جملة من المغالطات التي ينبغي الوقوف عليها منها:

1- قولهم بأن نظام التعصيب في الإرث مجرد اجتهاد فقهي لا يجد له أي سند في القرآن الكريم، زعم باطل وادعاء كاذب، يدلل على أن أصحاب النداء لا علاقة لهم بالقرآن، لا تلاوة، ولا فهما، إذ القرآن نفسه يفند هذه الدعوى، ويكذب هذا الزعم، ففي قوله تعالى: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ[10]). ذكرت الآية الكريمة نصيب الوالدين عند وجود الفرع الوارث، وهو السدس، وعند عدم وجود الفرع الوارث نصت الآية على نصيب الأم، وهو الثلث وسكتت عن نصيب الأب، فعلمنا أنه يرث الثلثين الباقيين تعصيبا.

وفي قوله تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ)[11]، نصت الآية على نصيب الأخت التي ترث أخاها إذا لم يكن له فرع ولا أصل وارث، وهو النصف، وأعطت المال كله للأخ إذا لم يكن لأخته فرع ولا أصل وارث، فإنه يرث مالها كله، وهذا هو معنى التعصيب.

2- سكت النداء عن السنة ولم يذكرها، مما يفهم منه أن هؤلاء لا تعتبر السنة عندهم حجة ولا دليلا، رغم أن التكذيب بالسنة هو تكذيب بالقرآن، ومن يريد أن يتخذ بين ذلك سبيلا فإنه لا يستطيع أن يواري سوء قصده، أو رغبته التلبيس على الناس. لقد أخذ الصحابة والعلماء من بعدهم نظام التعصيب في الإرث من القرآن أولا، ومن السنة ثانيا، وقد جاء الخبر عن ذلك في أعلى درجات الصحة، وهو ما اتفق عليه البخاري ومسلم، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر [12]“. وقبل هذا النداء كان الهجوم ضاريا على صحيح البخاري، مما يطرح جملة من التساؤلات منها: هل الهجوم على ثوابت الإسلام منسق؟ وهل الموجه واحد؟ وما هو القصد الحقيقي من كل هذا؟

3- كما أن هؤلاء لبعدهم عن الشريعة يغفلون دليلا ثالثا احتج به العلماء على أن التعصيب في الإرث حكم شرعي ثبت بأدلة قطعية، منها الإجماع، والإجماع من أدلة الأحكام، وهو دليل قطعي لا يجوز الخروج عليه، أو مخالفته، وقد أجمعت الأمة على الإرث بالتعصيب، ونص على هذا الإجماع الإمام القرطبي رحمه الله  في تفسيره بقوله: “وأجمع العلماء على أن الأولاد إذا كان معهم من له فرض مسمى أعطيه، وكان ما بقي من المال للذكر مثل حظ الأنثيين[13]“.

4- الذين نادوا بإلغاء التعصيب في الإرث لم يقدموا بديلا آخر، لأن نظام الإرث في الإسلام نظام متكامل، وإلغاء بعضه دون بعض عبث لا يصدر عن عقلاء، وأفعال العقلاء تصان عن العبث!!!

5- إن أحكام الشرع تعتبر بمثابة نظام شامل، النظر إليه نظرة تجزيئية يؤدي إلى انحراف في الفهم، وجرائم في التنزيل، ولذلك، ينبغي أن يؤخذ كاملا أو يترك كاملا، فعندما أعطى الإسلام للمرأة نصف الميراث، أعطاها مع ذلك الصداق، وأوجب لها النفقة، زوجا وأما وبنتا، فهل يريد أصحاب النداء إسقاط النفقة والصداق وكل الحقوق التي منحها الشرع للمرأة، مع إسقاط التعصيب؟

6- لقد ذم الله تعالى ما يفعله بعض الحكام بدين الله تعالى عندما يُعرضون عن الكليات، ويأخذون من أحكام الإسلام بعض الجزئيات للتدليل على أننا نحكم بالإسلام، فقال مهددا ومتوعدا: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ[14])، نعم هكذا يفعلون، بل يتم تشويه تلك الأحكام الجزئية أثناء تنزيلها، مما يعطي لبعض المثقفين الفرصة ليحتجوا على “ظلم الإسلام”، وعلى عدم صلاحيته لكل زمان ومكان، وهكذا تتحد جهود هؤلاء وأولئك في طمس معالم الدين، والسعي للقضاء على مصدر قوة العرب والمسلمين، (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون[15]).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة آل عمران، الآية 57.

[2] صحيح مسلم.

[3] صفي الرحمن المباركفوري، الرحيق المختوم، ص 60.

[4] سنن أبي داود.

[5] أنظر النداء.

[6] نفس المرجع.

[7] كلمة قالها حيي بن أخطب، الرحيق المختوم، ص 291.

[8] أنظر النداء.

[9] أنظر النداء.

[10] سورة النساء الآية 11.

[11] سورة النساء الآية 176.

[12] رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما.

[13] محمد بن أحمد القرطبي، الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي، ج 6، ص 101.

[14] سورة البقرة، الآية 85.

[15] سورة يوسف، الآية 21.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: