وجهة نظر في معالجة غلاء الأسعار

أقر الإسلام بالملكية الفردية مادامت وسائل التملك مشروعة، وأقر حرية التصرف في الأموال ما دام ذلك التصرف منضبطا مع روح الشريعة، لكن إن حصل ظلم أو طغيان من قبل الفرد أو مؤسسة مالية، أو هيئة، أو بدأت مؤشرات ظلم العباد والتضييق عليهم فإن النظام الإسلامي له من التدابير ما يكفل إيقاف الظلم الجشع.
لذا فقد وضع الإسلام القواعد الضرورية لحفظ التوازن بين الفرد والمجتمع، والحاكم والمحكوم، والغلاء يحتاج إلى معالجة قوية يحفظ على الناس ضرورياتهم الأساسية التي لا غنى لهم عنها، ولا يكون ذلك إلا بالنظر السديد في وضع مشكلة الغلاء وأسبابها، وكيفية معالجتها بالطرق الشرعية الحكيمة، والتي ليس فيها ظلم ولا إجحاف لأي جهة، ولأي طرف من أطراف المعاملة.
وأقف هنا عند بعض الطرق الشرعية لمعالجة غلاء الأسعار، وهي:
– الالتزام بالضوابط الشرعية في المعاملات المالية، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: ( أن يهوديا قدم -زمن النبي صلى الله عليه وسلم- بثلاثين حمل شعير وتمر فَسَعَّر مُدًّا بمد النبي صلى الله عليه وسلم وليس في الناس يومئذ طعامٌ غَيْرُهُ وكان قد أصاب الناس قبل ذلك جوع لا يجدون فيه طعاماً فأتى النَّـبيَ صلى الله عليه وسلم الناسُ يشكون إليه غلاء السعر فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: “لا أَلْقَيَنَّ الله من قبلِ أن أُعْطِيَ أحداً من مال أحدٍ من غير طيب نفس إنما البيع عن تراضٍ ولكن في بيوعكم خصالاً أَذْكُرُها لكم: لا تَضَاغَنُوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا يسوم الرجل على سوم أخيه ولا يبيعن حاضر لباد والبيع عن تراض وكونوا عباد الله إخواناً” .
– احترام قوانين المنافسة، خاصة تلك المرتبطة بمكافحة الممارسات المنافية للمنافسة بين الشركات والمقاولات، والاستغلال التعسفي للهيمنة الاقتصادية، وعمليات التركيز الاقتصادية التي تخلق بنيات سوق غير تنافسية، ومراعاة القدرة الشرائية للمواطنين، والطرق المقيدة للمنافسة لضمان الشفافية في المعاملات بين الفاعلين الاقتصاديين عن طريق إشهار الأسعار وشروط البيع، والفوترة ومحاربة الممارسات التمييزية .
– الاستغناء عن السلع ما أمكن، فعن أحمد بن أبي الحواري حدثني بعض أصحابنا قال: (قيل لإبراهيم بن أدهم إن اللحم قد غلا فقال أرخصوه أي؛ لا تشتروه) .
ويُروى أنه؛ وفد إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ناس يطلبون منه التدخل لتخفيض الأسعار، فقالوا له: غلا اللحم فسعّره لنا، فقال لهم: أرخصوه أنتم، فقالوا: وكيف نرخصه وليس في أيدينا يا أمير المؤمنين؟ قال: “اتركوه لهم”. فترك الناس شراء اللحم أياماً.
فقد رسم سيدنا عمر رضي الله عنه نظرية اقتصادية بسيطة ولكنها عظيمة الأثر، وهي؛ “الموازنة بين العرض والطلب”، فمن المعلوم أنه عندما تحدث زيادة في الطلب على سلعة ما؛ فإن الأسعار ترتفع تبعاً لذلك مما يؤدي إلى تراجع الناس عن الشراء فيحدث توازن بين الطلب والعرض، فزيادة الأسعار أدت إلى خفض زيادة الطلب. وبالعكس إذا كان الطلب أدنى من العرض.
ولله در من قال:
وإذا غلا شيء عليَّ تركته *** فيكون أرخص ما يكون إذا غلا
– تعويض السلع بغيرها مما هو أرخص ثمنا وأوفر وجودا، فعن رزين بن الأعرج مولى آل العباس قال: “غلا علينا الزبيب بمكة فكتبنا إلى علي بن أبى طالب بالكوفة أن الزبيب قد غلا علينا فكتب أن أرخصوه بالتمر” .
– مراجعة التسعير للسلع بأن تضع الجهات المسؤولة أسعارا للسلع بما يتناسب مع القدرة الشرائية، وضروريات حياة المواطن، فالقول بالتسعير فيه لطف بالمستهلك، وهو رواية عن الإمام مالك وبه قال بعض أصحابه، رحم الله الجميع . وفيه أيضـا سد للذرائع ومعلوم أن سد الذرائع هو المنع من بعض المباحات لإفضائها إلى مفسدة، ومن المسَلَّـم به أن ما يؤدي إلى الحرام يكون حراماً، كالاستغلال والجشع والتحكم في ضروريات الناس وأقواتهم، فيقضي هذا الأصل الشرعي بسد هذا الباب بتقييد التعامل بأسعار محددة.
وجوابا على من يقول بمنع التسعير مطلقـا، يقول ابن تيمية رحمه الله: (ومن منع التسعير مطلقاً محتجاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله هو المسعر…” الحديث، فقد غلط، فإن هذه قضية معينة وليست لفظاً عاماً، وليس فيها أن أحداً امتنع من بيع يجب عليه، أو عمل يجب عليه، أو طلب في ذلك أكثر من عوض المثل) .
وخلاصة القول: عند تجاوز التجار ثمن المثل في البيع، أو احتكار السلع، أو التحكم في الأسعار، فإن التسعير، أو مراجعة الأسعار، يُـصبح ضرورة ملحة لحفظ مصلحة الأمة برخاء الأسعار، وضبطها. والحمد لله رب العالمين.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: