نقد نقد التدين المجتمعي في رمضان في خطاب أحمدعصيد

يتناول السيد أحمد عصيد في حوار له بموقع فبراير تيفي عن السلوك الديني والاجتماعي للمغاربة خلال شهر رمضان والذي يصفه بالنفاق جملة من القضايا والإشكالات، لكن مقاربته لها كما هي عادته انطوت على الكثير من التعميمات والتغليط والاختزال الذي يتسق مع خلفيته العقدية والإديولوجية التي تميزه في مقاربة كل القضايا المتصلة بالدين وبالإسلام تحديدا، وسأكتفي ببيان وجوه من هذا التغليط المتهافت في ثلاث نقط:
اولا: على مستوى المقاربة التحليلية تغلب نزعة التعميم والاختزال والتنقل من قضية لأخرى دون ناظم بينها سوى تبخيس الشعائر والتدين لدى المغاربة بأي ثمن، فيوهمك أنه يتوسل تارة بمنهج مادي وتارة بمنهج سوسيولوجي وأخرى بمنهج فيلولوجي تاريخي دون أن يلزم بالقواعد العلمية للمنهج، مما يجعلنا أمام ظاهرة ديماغوجية خطابية تعمد إلى الخلط والتكثيف والحشد الأمثلة والمقولات السلبية لتكريس نتائج متهافتة لا يمكن الاستدلال عليها وفق قواعد المنهج العلمي.
ثانيا-من شواهد تغييب المقاربة العلمية في دراسة الظاهرة قوله بأن الطقوس ومظاهر التدين يخضع الناس لها بفعل الضغط والإكراه. وهو قول يمكن تفهمه في سياق تحليل سيكولوجية الملحد أو اللائكي المغربي كما يمثله عصيد الذي يشعر بحالة من الشذوذ أما ثقافة وعقيدة المجتمع، لكن إخضاع هذا الحكم والقضية للنقد المنطقي ومحاولة تلمس درجة الاسناد المنطقي لها (يمكن الاستعاتة بالمتوالية التي يقترحها حمو النقاري في كتابه روح المنهج) فسنكون إزاء نتيجة كاذبة بل مجزوم بكذبها وانتفاء الصدق المعرفي عنها كليا ويمكن الاستدلال على ذلك بعدة مؤشرات:
-أن الإقبال على الشعائر باعثه روحي عقدي غيبي بدليل أن الكثير من الناس يقبلون على العبادة في رمضان رغم أن حجم الإغراء الفني والإعلامي وثقافة الموائد تكون أكثر كثافة في رمضان وهو أمر سلبي لا بد من انتقاده لكنه يصلح هنا حجة لدحض كلام السيد عصيد.
-أن النساء والاطفال أكثر الفئات حرصا على الشعائر في ليالي رمضان رغم أن ذلك (خصوصا في حالة النساء) غير محبذ في كثير من التمثلات الاجتماعية مما يجعلنا أمام حالة من التحرر من الضغط الاجتماعي وليس العكس، مع استحضار حجم الأعباء المنزلية التي تتجشمها المرأة المغربية في شهر رمضان وما ينتج عنها من مشقة وعياء لا يمنعها أن تحج للمساجد للصلاة.
ثالثا-من أظهر ما يحتج به السيد عصيد على نفاق المغاربة أن تدينهم في رمضان لا ينعكس على قيمهم وسلوكهم وهم تعميم لا يستند لدراسة اجتماعية او ميدانية، فكون دوام العمل يقل في رمضان فهذه مسألة يقرها قانون البلد تيسيرا على الصائمين وتخفيفا لكن العمل لا يتوقف مطلقا، فالتلميذ يقصد مدرسته والعامل يقصد عمله ووجود حالات من التواني والكسل (وهي موجودة في رمضان وفي غيره) لا يسوغ التعميم؛ أما المشاجرات في رمضان فليست بظاهرة اجتماعية عامة بل هي خاصة بفئة المدمنين أساسا كما نعاينه في الواقع وغالبا ما تحصل بين العصر والمغرب او في لحظات الحرج بالنسبة للمدمن. أما الملاحظ عموما ان رمضان موسم لصلة الرحم وحسن الجوار والصدقة وإطعام الطعام وبروز خصال الحياء والعفة وسمو الروح وواضح أنها قيم ومظاهر أخلاقية لا وزن لها في معايير المثقف اللاديني الملحد لذلك لا يمكنه تسليط النظر عليها.
إن التعامل مع الشعائر التعبدية في رمضان او غيره قضية لا تخلو من جوانب نقص لا بد من تسديدها، لاسيما ما يتعلق بربط التعبد بالأخلاق والقيم وهي مسألة تربوية أساسا لها تعلق بالتنشئة والبيئة والثقاقة والإعلام والاقتصاد، يسهم التعبد في إصلاح بعض جوانبها لا كلها، لكن إطلاق الأحكام الجزاف في سياق تبخيسي وبخلفيات لا تخفي عداءها لمنظومة التدين المحتمعي وازدرائه دون أن تستند هذه الأحكام لدراسة علمية أو مقاربة تحليلية رصينة يممن الاستفادة منها في ترشيد التدين الإسلامي خلال هذه المواسم الروحية المبارمة، ما يجعلنا أمام ظواهر ديماغوجية خطابية مؤدلجة تعكس فوبيا التدين المجتمعي لدى فئة اللادينيين المغاربة. لذلك أنصح الباحثين في الإسلاميات النظرية والتطبيقية بدراسة أثر التدين المجتمعي لا سيما في مواسم التعبئة الدينية على نفسية اللاديني حتى نكون أقدر على فهم هواجس هذه الفئة المجتمعية وتفهم بواعث قلقها والتعامل معها بمقتضى مبدإ التسامح والتعايش الذي تنص عليه ثقافتنا تجاه المتحولين دينيا المختلفين ثقافيا عن المجتمع.

اظهر المزيد

د. فؤاد بلمودن

دكتور باحث في الفكر الإسلامي والدراسات المستقبلية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: