منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

موقف و قضية (1) خطبة الجمعة و تزييف الوعي الجمعي … ” دراسة حالة “

0
اشترك في النشرة البريدية

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ .

    مقدمة :

           من نعم الله على عباده أن جعل لهم مواسم لذكره و التقرب إليها ، فيها ينتبه الشارد و يتوب العاصي ، يعود  للمطمئن خوفه و الخائف رجاؤه .. و تتنوع هذه المواسم في دوريتها بين اليومي و الأسبوعي و السنوي ، ومن تلكم  المواسم الأسبوعية العظيمة ، يوم الجمعة، الذي يكفي في تبيان شرفه و علو  شأنه قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أهبط منها، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه الله إياه» . ومِن نِعم الله العظيمة في هذا اليوم، أن شرع لعباده فيه خطبة الجمعة، فيها يتعلم الجاهل، ويتذكر الناسي، ويعود التائه، ويتوب المسيء، وينالُ العبدُ بأدائها وحضورها الأجرَ العظيم، والثوابَ الجزيل..

        تعرف الخطبة لغة على أنها من فعل ” خطب ، خاطب ، خَاطَبَه مُخَاطَبَة وخِطَابا، وهو الكلام بين متكلم وسامع، ومنه اشتقاقت الخُطبَة – بضم الخاء وكسرها – باختلاف معنيين، فيُقال في الموعظة: خَطَبَ القوم وعليهم من باب قتل، خُطبة – بالضم -، وهي فُعلة بمعنى مفعولة… وجمعها خُطب، وهو خطيب القوم إذا كان هو المتكلم عنهم، وخَطَبَ المرأة إلى القوم إذا طلب أن يتزوج منهم، واختطبها، والاسم الخِطْبة – بالكسر …” وقيل: من الخَطب، وهو الأمر العظيم؛ لأنهم كانوا لا يجعلونها إلا عنده.    أما في الاصطلاح : “الخطابة : قياس مُركب من مقدمات مقبولة أو مظنونة، من شخص معتقد فيه، والغرض منها ترغيب الناس فيما ينفعهم من أمور معاشهم ومعادهم” .  والخطبة في الشرع اسم لما يشتمل على تحميد الله والثناء عليه، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والدعاء للمسلمين، والوعظ والتذكير لهم”. فتكون بذلك ساعة الجمعة حصة درس أسبوعي يلقن فيه المسلمون ما جهلوا من أمور دينهم ويذكرون بما نسوا وتحث فيها الهمم التي أصابها الفتور وينبه فيها على ما قد يكون استجد من الأمور الدينية والتربوية والخلقية الخ … .

   غير أن خطبة الجمعة ، بل مجموعة من المواسم التعبدية ، صار في أحيان كثيرة ، منبرا للدعاية الباطلة و تزوير الحقائق و تزييف الوعي الفردي و الجمعي …

في وصف الحالة : 

المزيد من المشاركات
1 من 30

            تستثمر خطبة الجمعة في كل مناسبة ، وطنية ، للتذكير بالأمجاد و سرد التاريخ ، و لا مشاحة في الأمر إذا كان المبتغى التذكير بالنعم و فضل الله على الناس ،  أو من قبيل ” أذكروا موتاكم بالخير” . إلا أن جل الحالات خلاف ذلك تماما . و الحالة التي نعرضها اليوم ، ترتبط بخطبة الجمعة بأحد مساجد مراكش تخليدا للذكرى الثالثة و الستين لاستقلال المغرب – 1956- .

           استهل الحطيب كلامه بعقد مماثلة  وظف من خلالها القول المأثور عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ فى الإسلام من لا يعرف الجاهلية بقوله ” لايعرف الاستقلال من لم يعرف الاستعمار . فتفضل يشرح لمن لم يعرف الاستعمار ، من أمثالي ، ” أنه خراب و ليس استعمار”  ، ممثلا له من خلال مظهرين أساسيين : نهب الخيرات و مسخ الهوية الإسلامية للشعب المغربي . و هنا يحق لنا أن نتساءل : هل انتفى هذا الخراب و حصلنا على الاستقلال ؟ أم أنه ظل مستمرا بصيغ أخرى ؟ فكان ما حصلنا عليه بتعبير المجاهد محمد بن عبد الكريم الحطابي ” احتقلالا “ و ليس استقلالا ؟

في استنزاف الخيرات …

      إن الناظر لحالة المغاربة و ما يعيشونه من حرمان فردي و جماعي ، و المتأمل لوضعية المغرب و مراتبه في جل القطاعات ، مقارنة بما يتمتع به من خيرات طبيعية و موارد بشرية ، لن يساوره الشك أن استنزاف الخيرات لم يتوقف ، إذ أن  فترة الاستقلال عرفت تطورا كبيرا في أشكال وأساليب النهب ، أي أنه أصبح بطريقة حديثة. فبعد أن كان من قبل يُمارس بشكل علني مفضوح مبني على القوة ولوي الذراع، أصبح يمارس ربما بحجم أكبر لكن ليس بالطرق المكشوفة بالواضح، بل عن طريق فتاوى علمية مستورة إلى حد ما، مثلا سياسة السدود التي تتشدق بها بعض الجهات وتروج لها بالتأييد والنجاح وغيرها من النعوت الحميدة، لكن العمق يؤكد العكس ويعلن أنها كانت مجرد عملية نصب كبرى ثم بموجبها الاستحواذ على المساحات الشاسعة من أراضي المواطنين بأثمان بخسة أصبحت تساوي الملايين بعد إقامة السدود بها، بمعنى أن تلك السدود شيدت (لغاية في نفس يعقوب قضاها) مما يؤكد أن جملة من المشاريع لم تنجز بدافع الحس الوطني إنما بالحس المخزني في الاستحواذ على خيرات البلاد وثرواتها الطبيعية، ثم كيف يعقل في دولة يزعم حكامها أنها دولة الحق والقانون، وأن يستغل عمر أو زيد مقالع رملية هكذا لله في سبيل الله، دون أداء الرسوم والواجبات الحقيقية لخزينة الدولة، أضف إلى ذلك نظام الامتيازات الأخرى (الكريمات) ويمكن القول أن هذه الامتيازات هي الوسائل التي يستعملها النظام الحاكم للتأثير على مجموعة من الأشياء وفي مقدمتها الضمائر والذمم. و نضرب أمثلة ، مجرد غيث من فيض ، لأشكال الاستنزاف التي يعاني منها المغرب : 

 

  • يشير تقرير برنامج البيئة التابع لمنظمة الأمم المتحدة  UNEP الى الاستغلال المفرط للرمال بالسواحل المغربية ، سواء بطرق سرية أو من خلال التحايل على القانون ، حيث  بلغ حوالي عشرة ملايين متر مكعب في السنة، وهو رقم يمثل نصف رمال البلاد، ما كانت له انعكاسات سلبية على المستويين الإيكولوجي البيئي والمجالي في سواحل المغرب ، مما أدى الى اختفاء بعض الشواطئ و تآكل أخرى .
  • ثرواتها السمكية ، 3500 كلم من السواحل ، ملك للخارج بملكية مباشرة أو عبر وسطاء من بني جلدتنا . استنزاف يغلف باتفاقيات ، يجمع الكل على كونها مجحفة للمغرب من جهة ، و كونها غطاء للصيد غير القانوني ، الشيء الذي دفع العديد من  الخبراء في تقرير ل”رويترز فاوندايشن” الى دعوة المغرب إلى مراقبة مياهه الإقليمية ومصايده بالأقمار الاصطناعية، في الوقت الذي تشير فيه تقارير مغربية إلى أن الصيد غير القانوني يكبد المغرب خسائر تفوق 60 مليون دولار.
  • ظل المغرب وفيا لريادته في الكوارث و الفضائح ، متقدما عن جل الدول ، حيث عرفت عمليات تهريب الأموال إلى الخارج ارتفاعا، فحسب «غلوبال فاينانشل إنتيغريتي»، التي تتابع التدفقات المالية غير الشرعية على المستوى العالمي، احتل المغرب الرتبة 34 في التصنيف الجديد، كما أشار دات التقرير أشار إلى أن حجم الأموال المهربة من المملكة نحو الخارج، خلال الفترة الممتدة بين 2004 و2013، ناهز 4 ملايير و102 مليون دولار، ما يتجاوز 40 مليارا و527 مليون درهم، أي ما لا يقل عن 4 ملايير درهم تمرر سنويا بطرق غير قانونية إلى الخارج. كما أبانت المعطيات التي كشفت عنها الحكومة أن القيمة الإجمالية للتصريحات بالممتلكات والموجودات المالية بالخارج وصلت إلى أزيد من 27 مليارا و 853 مليون درهم(العقارات 9 ملايير و566 مليون درهم ، الأصول المالية بقيمة ناهزت 9 ملايير و 871 مليون درهم ، إضافة إلى الأموال السائلة أزيد من 8 ملايير و 416 مليون درهم. . و ما وثائق بنما عنا ببعيد .

 

كل هذا الاستنزاف ، لا يمثل إلا جزء يسيرا إذا ما قورن باستنزاف الثورة المنجمية من اميضر إلى بوازار مرورا بكماسة و الفوسفاط .

في تزييف الهوية …

       لا شك أن أي مغربي بادرته بالسؤال عن هويته ، سيقر بكون الاسلام مكونا أساسيا لها ، مع اختلاف في الملحقات التي يضيفها الى جانبه ذات اليمين و ذات الشمال . و معلوم أن هذه المركزية الهوياتية للاسلام تفرض توفير شروط صيانتها : من اقامة للفرائض و اغتنام للمواسم و احتفال …. غير أن الحال خلاف ذلك . فالمساجد صارت ادارات تفتح و توصد أبوابها وفق جدولة زمنية محكمة ، و مواسم الخير ممنوعة إلا بترخيص لايرى النور ، و الاحتفال ممنوعة إلا في النطاق الرسمي المكرس للتوجه و الفهم الاحادي و الخادم لجهات معينة .

      و لما كان الإعلام فاعلا أساسيا في تشكيل هوية الشعوب ، فقد عمد القائمون عليه إلى توظيفه ابشع توظيف ، من خلال انتقاء  مسلسلات و افلام و برامج تصب كلها في نفس الهدف ، و تمرر من خلالها قيم التطبيع مع الخمور والخيانة الزوجية؛ وربط العلاقات خارج إطار الزواج.. ناهيك عن الكلمات النابية التي يسمعها المشاهد بالدارجة رفقة أبنائه.. مما يدفع العديدين الى  طرح تساؤلات كثيرة حول نوع الدولة التي ننتمي إليها: هل نحن دولة محافظة تحترم دينها وهويتها وخصوصيتها؟ أم نحن دولة لا تقيم وزنا لكل ذلك؟ وترى مجرد الحديث عن فرض رقابة أخلاقية على ما يبث في قنوات القطب العمومي نكوصا ورجعية وتخلفا؟

        أما التعليم ، سيدي الخطيب ، فقد مزقت أوصاله  و كشفت عوراته ، فصار مساوقا للنسق العام المراد لهذا الوطن و هذا الشعب ، لينتج جيلا جديدا من الضباع ، حسب تعبير السوسيولوجي الراحل محمد جسوس . و لعل إطلالة قصيرة على القانون الاطار و مقتضياته ، تغنيك سيدي عن التفاصيل .

 

فهل بعد كل هذا المخاض ، مازال موقفكم على حاله ، أم أنكم سيدي الخطيب ، عبد مأمور ، يقرأ من كتاب مسطور .

و دامت لكم الأفراح .

 

 

 


 

 

 

 

 

 

[1] . سورة الجمعة الاية 9.

[2]. أخرجه الإمام أحمد في المسند، والترمذي في سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه

[3] . أحمد بن محمد بن علي الفيومي، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، تحقيق: عبد العظيم الشناوي، دار المعارف – القاهرة، ص 173.

[4]. علي بن محمد السيد الشريف الجرحاني، معجم التعريفات، تحقيق محمد صديق المنشاوي، دار الفضيلة، القاهرة، مصر، ص 87.

[5]. أبو بكر بن مسعود الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، تحقيق: علي محمد معوض – عادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة: 2، 1424 – 2003 ، المجلد الثاني ، ص 181.

[6]. جريدة التجديد 03 ابريل 2004.

[7]. هذه كلمة عظيمة وحكمة جليلة، ولها دلالات كثيرة: منها: أن الإنسان الذي عرف الجاهلية ثم هداه الله بالتوحيد فضلاً من الله ونعمة، حتى تصححت عقيدته ونظراته وموازينه، فاستقام منهجه، فهو لذلك يعرفه حق المعرفة، لأنه عرف الجاهلية وعرف حقارتها، ورذالتها، وانحطاط موازينها وقيمها، وانعكاس تصوراتها.. فلا شك أن من عرف ذلك فإنه يعرف الإسلام أكثر… الدكتور سفر الحوالي

http://www.alhawali.com/popups/print_window.aspx?article_no=5223&type=3&expand=1

[8]. أليست مفاوضة إكس ليبان واتفاقية جي مولي – بورقيبة هي التي كانت في حقيقتها مؤامرة القضاء على البلاد. نجح فيها العدو وعملاؤه بتخدير الشعب التونسي والمراكشي حتى يطمئن للاستقلال المزيف. هذا الاستقلال الفارغ الذي يجب أن نطلق عليه “الاحتقلال” أما كفتنا أربع سنوات في عهد هذا “الاحتقلال” التي رأينا أثناءها كل أنواع العذاب والتمزيق والانحلال أدى إلى تشتيت الأمة إلى شيع وطوائف وفرق تتناطح وتتقاتل، حرصا على المنصب والكرسي حتى يتسنى للانتهازيين والانتفاعيين أن ينهبوا ويستغلوا الأمة من جهة ويمكن العدو من البلاد أكثر فأكثر؟ أما كفتنا هذه التجربة اللعينة، فنفكر في طرد العدو من البلاد قبل أن نفكر في أي شيء آخر؟ قبل أن نفكر في المناصب الزائفة والعيش ؟

من رسالة محمد بن عبد الكريم الخطابي لمحمد الحسن الوزاني القاهرة في 27 يوليوز 1960.

https://alghirbal.blogspot.com/p/19-23.html

 

[9]. خالد الجامعي الحوار المتمدن-العدد: 1666 – 2006 / 9 / 7. http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=74871&r=0

[10]. https://wedocs.unep.org/bitstream/handle/20.500.11822/27689/AR2018_AR.pdf?sequence=9&isAllowed=y

[11]. بدر الدين عتيقي، جريدة الصباح المغربية، 06 غشت 2018.

[12] . الأستاذ الراحل محمد جسوس، خلال المؤتمر الوطني الرابع للطلبة الاتحاديين المنعقد بفاس

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.