من المنتجات البديلة إلى البنوك التشاركية قراءة في التجربة المغربية

مقدمة:

يعتبر مجال المعاملات المالية من أهم المجالات التي عُني بها الفقه الإسلامي، نظرا لما يكتسيه عنصر المال من عناية وتأثير بالغين في حياة الأفراد والجماعات. والمتأمل في تراث علمائنا الأجلاء في هذا المجال يجد ضبطا دقيقا لمسائل العقود المالية تعريفا، وشرحا، وتمثيلا، وتصنيفا وتأصيلا…

     ولما كانت معاملات الناس تتأثر بمتغيرات الزمان والمكان، كان لزاما أن يواكب ذلك اجتهاد صائب من أهله وفي محله، يجيب على النوازل والقضايا الجديدة، وينقح ويعدل ما يحتاج إلى تنقيح وتعديل.

     ومن بركات جهود المخلصين من علماء هذه الأمة ومفكريها في هذا العصر “المصارف الإسلامية” أو “البنوك الإسلامية”، فبعد أن كانت فكرة تراود العقول، وأبحاثا مرقونة في الرفوف، أصبحت بفضل الله تعالى واقعا حيا، وتجربة رائدة، ونموذجا يحتذى.

فالمؤسسات المالية الإسلامية اليوم تقارب 2000 مؤسسة مالية إسلامية، وإجمالي الأصول المالية الإسلامية في مختلف أنحاء العالم وصل إلى نحو4.2 تريليون دولار سنة 2015، وبمعدل نمو يتراوح ما بين 15%  و 20% سنويا، ويتوقع أن تزيد موجودات البنوك الإسلامية على 6 تريليون دولار سنة 2020.

     ويعتبر قطاع المصارف/الأبناك الإسلامية أهم مجال استأثر بالاهتمام والعناية، نظرا لما شهده هذا القطاع من نمو وفاعلية كما وكيفا على الرغم من الأزمات الخانقة التي مرت بها المالية العالمية، وعصفت أو كادت تعصف بكبريات الأبناك التقليدية وأعرقها.

     ومما تتميز به المصارف الإسلامية كثرة وغنى منتوجاتها، وتعدد صيغها التمويلية، وواقعية أنشطتها…

أولا: البنك الإسلامي/ المفهوم والوظيفة

تكاد تجمع التعريفات على أن البنك هو “مؤسسة تقوم بالأعمال المصرفية” وأن وظيفته الأساس تتمثل في “الوساطة بين المدخرين والمستثمرين” وقد تجسدت هذه الوساطة في البنوك التقليدية في علاقة الدائنية والمديونية، حيث يكون البنك مدينا للمودعين ودائنا للمقترضين، وبالتالي ينحصر نشاط البنك التقليدي مهما تنوعت صوره وتعددت في عقد واحد ووحيد هو”القرض بفائدة”.

هذا عن البنك التقليدي، أما المصرف/ البنك الإسلامي فهو” مؤسسة مالية تقدم خدمات مصرفية واستثمارية في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية”، أو هو “مؤسسة مالية مصرفية لتجميع الأموال وتوظيفها في نطاق الشريعة الإسلامية بما يخدم بناء مجتمع متكامل، وتحقيق عدالة التوزيع، ووضع المال في المسار الإسلامي”.ويعتمد المصرف مبدأ المشاركة في الأرباح والخسائر بالإضافة إلى المشاركة في الجهد من قبل المصرف والمتعامل، وتتجلى الوساطة التي يقوم بها المصرف الإسلامي في الخدمات المصرفية والأنشطة الاستثمارية. وبهذه الوساطة يتميز المصرف الإسلامي عن غيره من المؤسسات المالية وتحديدا الشركات الصناعية والتجارية والزراعية.

ثانيا: طبيعة المعاملات في المصرف الإسلامي

يقدم المصرف الإسلامي خدمات مصرفية كثيرة كما يقوم بأنشطة استثمارية متنوعة ويمكن حصر معاملاته في نوعين، هما: الخدمات المصرفية / الأنشطة الاستثمارية.

أ ـ الخدمات المصرفية:

* خدمات مصرفية تتضمن عمليات ائتمانية، وهذه الخدمات لها ارتباط وثيق بالأنشطة والعمليات الاستثمارية.

* خدمات مصرفية لا تتضمن عمليات ائتمانية ومن ذلك:

‑ الاعتمادات المستندية (الاستيراد والتصدير)

‑ خطابات الضمان.

‑ الأوراق التجارية (الشيكات، الكمبيالات…)

‑ الأوراق المالية (الأسهم / الصكوك)

‑ الصرف الأجنبي (بيع وشراء العملات)

‑ البطاقات الائتمانية (بطاقة الفيزا…)

‑ الحوالات.

‑ الحسابات الجارية.(ودائع تحت الطلب)

ب – عمليات استثمارية:

وتشمل جذب الودائع وتنميتها إما عن طريق الاستثمار المباشر، وإما عن طريق الاستثمار غير المباشر بتوفير التمويل للمستثمرين.

وعموما يمكن القول بأن المعاملات التي يجريها المصرف الإسلامي تنضوي تحت دائرة عقود المعاوضات وتحديدا عقود البيع وعقود الشركات. وهذه العقود قد نظمتها الشريعة الإسلامية بقيم وضوابط عقدية وتشريعية.

ثالثا: البنوك التشاركية في المغرب/ السياق والرهانات

أ ـ السياق والرهانات

     يعتبر المغرب من الدول المتأخرة جدا في اعتماد المصرفية الإسلامية على الرغم من توفره على كل العوامل المالية والبشرية التي يمكنها إنجاح التجربة، ولعل ذلك يعود لأسباب متداخلة، منها الاقتصادي المرتبط بالريع المتحكم في القطاع البنكي بالمغرب (لوبيات المال)، والذي لا يريد المغامرة والمخاطرة بمصالحه.

ومنها السياسي المرتبط بخصوم المشروع الإسلامي وأعدائه الحريصين على عدم التمكين لـ” أسلمة الاقتصاد” خوفا من المطالبة بـ “أسلمة” باقي المجالات. أضف إلى ذلك أسبابا أخرى مرتبطة بطبيعة الإطار القانوني “الوضعي” السائد في البلد المشرعن للربا، وكذا إقصاء وتهميش الاقتصاد الإسلامي ومباحثه من المنظومة التربوية والبحث العلمي، ومن النقاش العام في وسائل الإعلام.

لقد شكلت المصرفية الإسلامية مطلبا ملحا للسواد الأعظم من المجتمع المغربي الحريص على “الحلال”، ولبعض الهيئات المدنية والأكاديمية والسياسية، وكانت البداية من مجهودات فردية بذلها بعض الأساتذة المتخصصين في الاقتصاد وفقه المعاملات المالية في الجامعات المغربية، لتنتقل تدريجيا إلى المجتمع من خلال لقاءات ومحاضرات وندوات احتضنتها مدن مختلفة، ليتطور الأمر إلى الإعلان عن تأسيس إطار موحد تمثل في “الجمعية المغربية للدراسات والبحوث في الاقتصاد الإسلامي” سنة 1987، والتي شكلت فضاء ملائما للتأطير والعمل من أجل المصرفية الإسلامية.

وبعد أزيد من عقدين من المطالبة جاءت دعوة المشرع المغربي إلى اعتماد “البنوك التشاركية” في سياق محلي ودولي يمكن رصد أهم سماته في ما يلي:

على الصعيد الدولي:

  • بعد الأزمة الاقتصادية العالمية سنة 2008 وانهيار اقتصاديات كثيرة (اليونان، إسبانيا، إيطاليا…) وإفلاس بنوك عريقة عديدة (بنك ليمان برادرز في الولايات المتحدة الأمركية…) تعالت الأصوات واتجهت الأنظار نحو المالية الإسلامية عموما والصيرفة الإسلامية خصوصا.(مجموعة من الدول الغربية أدخلت التعاملات المالية الإسلامية في قوانينها: فرنسا، بريطانيا…)

على الصعيد المحلي:

  • تلبية رغبات فئات عريضة من الشعب المغربي (كشفت دراسة حديثة لمؤسسة الاستشارات المتخصصة في التمويلات الإسلامية المعروفة اختصارا ب”إيفاس” أن 97% مهتمون بالخدمات المالية الإسلامية، و70% مستعدون للانخراط فيها إذا اطمأنوا أنها تتوافق مع الشريعة الإسلامية.)
  • رفع نسبة البنكنة أو الاستبناك La bancarisation (أزيد من ثلاثة أرباع المغاربة لا يلجون إلى الخدمات البنكية، ويقدر عدد المنخرطين حاليا بـ 6 ملايين منخرط ،بنسبة 18%، كما أن 20% من المقاولات المغربية لا تتعامل مع الأبناك لأسباب مبدئية، و 19% منها مستعدة لتحويل تعاملها من البنوك التقليدية إلى البنوك الإسلامية)
  • جلب المدخرات المحلية المعطلة (30 مليار درهم)
  • جلب أموال الجالية المودعة في البنوك الأجنبية (38 مليار درهم)
  • جلب رؤوس أموال خليجية (تقدر في 400 مليار دولار)

رابعا: التجربة المغربية/ من المنتجات البنكية البديلة إلى البنوك التشاركية

أ ـ المنتجات البنكية البديلة:

صدرت توصية والي بنك المغرب المتعلقة بالمنتجات البنكية البديلة بتاريخ فاتح شتنبر 2007 ودخلت حيز التنفيذ في فاتح أكتوبر من نفس السنة.

ثم تم الترخيص لمؤسسة “دار الصفاء” التابعة لمجموعة ” التجاري وفا بنك” بتاريخ 13 ماي 2010.

وقد اقتصرت دورية بنك المغرب رقم 33/و/2007 على اعتماد ثلاث منتجات فقط يأتي على رأسها منتوج “المرابحة” الذي عملت الدورية على تنظيمه في خمس مواد من المادة 9 إلى 13 ، حيث حددت المقتضيات الواجب تحديدها في عقد المرابحة والإجراءات التي يمر منها إبرام هذا العقد، وكذا الشروط العامة التي تنظم العلاقات التي تنتج عنه.

وإلى جانب المرابحة عملت الدورية على تنظيم منتوج الإجارة في المواد من 1 إلى 4، حيث قسمت الإجارة البنكية إلى صورتين هما الإجارة البسيطة أطلقت عليها “الإجارة التشغيلية” والإجارة المركبة سمتها “إجارة واقتناء”.

وبالإضافة إلى المنتوجين السابقين نظمت دورية بنك المغرب منتوج ” المشاركة” إلا أنه لم ير النور على أرض الواقع نظرا لصعوبات تسويقه من داخل منظومة البنوك التقليدية، حيث جاء هذا المنتوج للسماح للبنوك المغربية في الدخول في مشاركات مع البنوك الإسلامية أو المؤسسات الخليجية المستثمرة بالمغرب لتمكينها من مواصلة الاستثمار وتجنيبها السقوط في المحظور وهو التعامل بالربا، وقد نظمت دورية بنك المغرب المشاركة في المواد من 5 إلى 8  وجعلت لها صيغتين هما المشاركة الثابتة والمشاركة المتناقصة.

ب ـ البنوك التشاركية: المفهوم والصيغ المعتمدة

صدر مشروع قانون مؤسسات الائتمان رقم 34.03 لشهر غشت 2012، و خصص المواد من 52 إلى 73  للبنوك التشاركية.

وعرف مشروع القانون البنكي، البنوك التشاركية بأنها الأشخاص المعنوية المؤهلة لمزاولة أنشطة مؤسسات الائتمان والمتمثلة في:

  • تلقي الأموال من الجمهور، بما في ذلك الودائع الاستثمارية.
  • عمليات الائتمان.
  • وضع جميع وسائل الأداء رهن تصرف العملاء أو القيام بأدائهما بما لا يتعارض مع أحكام الشريعة.
  • بالإضافة إلى مزاولة العمليات التجارية والمالية والاستثمارية، باستثناء كل عملية تعامل بالفائدة أخذا وعطاء.

كما عرف باقتضاب بأهم صيغ تمويل البنوك التشاركية لعملائها والمتمثلة أساسا في المرابحة والإجارة والمشاركة والمضاربة. فاسحا المجال أمام باقي الصيغ التمويلية الأخرى التي لا تتعارض مع أحكام الشرعية بعد أن تتحدد مواصفاتها التقنية وكيفية تقديمها للعملاء، بمنشور يصدره والي بنك المغرب بعد استطلاع رأي لجنة الشريعة للمالية ولجنة مؤسسات الائتمان.

مشاركة:

  • ويقصد بالمشاركة كل عقد يكون الهدف منه اشتراك مؤسسة الائتمان بمساهمة في رأسمال شركة موجودة أو قيد الإنشاء من أجل تحقيق الربح.
  • يشارك الطرفان في تحمل الخسائر في حدود مساهمتهما وفي الأرباح حسب نسب محددة مسبقا بينهما.

يمكن للمشاركة أن تتخذ إحدى الصيغتين التاليتين:

  • المشاركة الثابتة: حيث تبقى مؤسسة الائتمان والعميل شريكين داخل الشركة إلى حين انقضاء مدة العقد.
  • المشاركة المتناقصة: حث تنسحب مؤسسة الائتمان من رأسمال الشركة تدريجيا حسب مقتضيات العقد.

إجارة:

  • ويقصد بالإجارة كل عقد تضع من خلاله المؤسسة البنكية عقارا أو منقولا في ملكيتها، على سبيل الكراء، لفائدة زبونها من أجل استعماله لغرض لا يتعارض مع القانون، وينقسم هذا المنتوج إلى صنفين، «الإجارة التشغيلية»، التي تعتبر بمثابة كراء عادي و « إجارة واقتناء» التي يلتزم من خلالها المكتري باقتناء المنتوج بعد مدة تحدد باتفاق بين المؤسسة البنكية والمستفيد من عقد إجارة واقتناء. 

مرابحة:

  • يقصد بالمرابحة كل عقد بين البنك التشاركي والزبون يقتني بموجبه الطرف الأول منتوجا منقولا أو عقارا ويعيد بيعه للزبون، مقابل قيمة الاقتناء مع إضافة هامش الربح يتم الاتفاق حوله مسبقا. ويؤدي الزبون المبلغ عبر أقساط يتوافق بشأنها.

مضاربة:

  • يقصد بالمضاربة كل عقد تنشأ عنه علاقة بين المؤسسة البنكية باعتبارها «رب المال» التي توفر الموارد المالية، ومقاول، الذي يطلق عليه اسم « المضارب» الذي يساهم بجهده من أجل إنجاز مشروع معين. ويتحمل الأخير المسؤولية الكاملة في تدبير وتتبع المشروع، ويتقاسم الطرفان الأرباح وفق نسب تحدد بتوافق بينهما، في حين يتحمل رب المال لوحده الخسارة، باستثناء إذا كانت بسبب احتيال من طرف المضارب.

ملاحظات عامة:

يلاحظ على توصية بنك المغرب المتعلقة بالمنتجات البديلة لسنة 2007 ما يلي:

  • ضعف الإطار القانوني المنظم للمنتجات البديلة.
  • غياب الرقابة الشرعية اللازمة.
  • تسويق المنتجات البديلة والدعاية لها بشكل محتشم ومغرض.
  • ارتفاع التكلفة الجبائية للمنتجات البنكية البديلة.
  • غلاء المنتوجات البنكية البديلة مقارنة بالمنتجات الربوية.

جدول يبين غلاء المنتوجات البديلة مقارنة بالمنتجات الربوية في تجربة المنتجات البديلة:

استنادا على المعطيات الرسمية الصادرة عن مؤسسة “التجاري وفا بنك”،  في مذكرة رقم 172/07 بتاريخ 9 أكتوبر 2007: فإن تكلفة القرض السكني بفائدة وتكلفة تمويل السكن عبر المنتجات البديلة، علما أن مدة التمويل هي 20 سنة أي 240 شهرا، هي كالتالي:

 

ثمن السكن الممول

قيمة القسط الشهري

القرض السكني بفائدة

مفتاح الخير/ مرابحة

مفتاح الفتح/ إجارة واقتناء

100 ألف درهم

779 درهم

860 درهم

922 درهم

300 ألف درهم

2337 درهم

2581 درهم

2766 درهم

500 ألف درهم

3895 درهم

4302 درهم

4610 درهم

 

كما يلاحظ على القانون الجديد للبنوك التشاركية لسنة 2012 ما يلي:

  • طغيان التعميم وغياب التفاصيل.
  • غياب أي إشارة إلى المعايير المحاسباتية الخاصة بالبنوك التشاركية.
  • غموض حول عمل هيآت المطابقة والرقابة.
  • عدم ملاءمة الإطار التشريعي والتنظيمي مع عمليات البنوك التشاركية (المدونة العامة للضرائب، ومدونة التأمينات…)
  • الغلاء وارتفاع تكلفة الخدمات المقدمة.
  • الحاجة إلى تحرير القول في بعض فروع العقود المعتمدة، كالقول بإلزامية الوعد في المعاوضات، والبيع الصوري، والتأمين التجاري…

وعموما تعتبر هذه التجربة بارقة أمل، وخطوة أولى لتصحيح المسار، تحتاج إلى التقييم والتقويم، لتؤتي ثمارها وترفع الإصر عن الناس وتخلصهم من ربقة الربا المقيت.

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

 

اظهر المزيد

د. محمد الجعواني

حاصل على الدكتوراه في فقه الأموال، خريج دار الحديث الحسنية، وباحث في المالية الاسلامية، وأستاذ التربية الاسلامية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: