ملامح التجديد الفقهي عند “عبد الرزاق السنهوري ” (1) موضوع الإجماع الفقهي .

 

لا يخفي السنهوري إعجابه بالفقه الإسلامي وشوقه لسبر أغواره .وفي الوقت ذاته يشيد بمرونته وقابليته للتجديد ومواكبة الواقع فيقول : ” فقه هذه الشريعة كثوب راعى الشارع في صنعه جسم من يلبسه ، وكان صغيرا ،ولحظ نمو الجسم في المستقبل ، فبسط في القماش بحيث يمكن توسيع الثوب مع نمو الجسم . ” 1

هكذا رسم السنهوري علاقته بالفقه الإسلامي ، وبين طموح اشتغاله على مادته فانطلق مشروعه الفكري مند العشرينيات وتبلور معتمدا على  فكرتين مركزيتين:

ـ الأولى إمكانية التوفيق بين الإسلام ومنتجات الحداثة الغربية وأفكارها.

ـ أما الفكرة الثانية فهي ضرورة إحياء الفقه الإسلامي وتجديده ليصبح مصدرا رئيسا للقانون في الدولة .

ويرى السنهوري بأن الفقه الإسلامي له من الخصائص ما يرشحه ليكون مدونة قانونية عصرية ومن هذه الخصائص:  

الخاصية الأولى أن الأحكام الفقهية قسمين :دينية تابثة ، ودنيوية مرتبطة بالمعاملات . يفسح فيها باب الاجتهاد تحقيقا لمصالح المكلف .

أما الخاصية الثانية فهي الإجماع الذي يضمن تطور الشريعة ومواكبتها للواقع . 

ونبسط معالم التجديد الفقهي عند السنهوري في ،  في موضوع الإجماع الفقهي على أمل بسط معالم أخرى إن بسط الله في العمر والجهد .

      موضوع الإجماع  الفقهي عند السنهوري .

يقول السنهوري منبها لأهمية الإجماع الفقهي في تجديد الشريعة الإسلامية ومواكبتها للمستجدات . ” الواجب أن تدرس الشريعة الإسلامية دراسة علمية دقيقة . وفقا لأصول صناعتها ، ولا يجوز أن نخرج عن هذه الأصول بدعوى أن التطوريقتضي ذلك ….

ذلك أن هناك مصدرا معترفا به من مصادر الشريعة الإسلامية ، وهو الإجماع . لم ندرك حتى  اليوم خصوبته ومقدار ما يستطيع أن يواتي به هذه الشريعة من عوامل التطور ..” 2

ونبسط عناصر التجديد في موضوع الإجماع عند السنهوري من خلال  تحديده لمفهوم الإجماع ومجالاته ووسائل تحققه ووظائفه في المجتمع .

 

 1ـ مفهوم الإجماع عند السنهوري :

الإجماع عند السنهوري هو: “اتفاق المجتهدين في عصر من العصور على حكم شرعي،وليس المجتهدون طبقة من الطبقات كما كان معهودا في طبقة النبلاء، أو طبقة الكهنة، بل لكل مسلم أن يكون مجتهدا إذا وصل إلى العلم بالاجتهاد”   3

ذلك أن الأحكام الدنيوية لما كانت تتطور تبعا للمدنية، وكان لا بد من انقطاع الوحي بقبض الرسول . أصبح محتما أن يكون لدى المسلمين مصدر ثالث للتشريع هو الذي يضمن للأحكام الدنيوية جدتها وتمشيها مع الزمن، وهذا المصدر هو إجماع الأمة(. 4

فالإجماع حسب السنهوري نظام تشريعي نيابي ، يحقق مرونة الشريعة وتطورها وصلاحيتها لكل زمان ومكان، وقدرتها على مواكبة كل المستجدات والمتغيرات، من شأن إعماله وتفعيله تزويد الدولة بالتشريعات والقوانين اللازمة لتنظيم المجتمع .

2ـ  مجال الإجماع عند السنهوري .

التشريع الإجماعي عند السنهوري  يشمل جميع الأحكام التي يحتاجها المجتمع الإسلامي. وتحتاجها الدولة لتنظيم شؤون الاجتماع العمراني والإنساني، والقوانين التي تنظم أمور المدنية من قضايا فقه المعاملات، دون القضايا التعبدية والعقدية، فقد دعا إلى التمييز بين القضايا الفقهية القانونية وبين القضايا الدينية المحضة، بعد تأكيده على أن الإسلام دين ودولة، إلا أن قضايا الدولة تبحث بمنهج غير المنهج الذي تبحث به قضايا الدين والتعبد. يقول السنهوري :  يجب “الفصل بين الجزء الديني والجزء الزمني في الشريعة الإسلامية، ذلك أن الجزء الديني يجب أن يفلت من دائرة دراستنا ليبقى حكرا لرجال الدين المسلمين” 5

 

3ـ   الأداة العملية للإجماع .

لكي يؤدي الإجماع وظيفته التشريعية ويحقق أهدافه ومقاصده لا بد من تنظيمه في شكل مؤسسة أو هيئة تشريعية، لذلك دعا السنهوري إلى تنظيم الإجماع في مجلس خاص ليواصل تطوره ويقوم بوظيفته، يقول: “ولكي يواصل الإجماع تطوره على النحو الذي أوضحناه ليقوم بوظيفته الطبيعية نرى أنه لا بد من خطوتين:

  • تنظيم الأداة العملية للإجماع بطريق مداولة في مجلس الشورى.
  • اتخاذ الإجماع أساساً للنظام النيابي في الحكم الإسلامي… ”6

4ـ  وظائف الإجماع عند السنهوري .

أ ـ    الإجماع يجدد الفقه والشريعة

يعول السنهوري على الإجماع في تجديد الفقه والشريعة الإسلامية، وجعل أحكامها تواكب مستجدات الحياة، مما يحقق لها خاصية المرونة والقدرة على التطور، “فالإجماع مفتاح التطور في الشريعة الإسلامية، فهو الذي يكفل لها حياة متجددة تتماشى مع مقتضيات المدنيات المتغيرة… ، ويحتفظ لها بمرونتها وبقدرتها على التطور ”  7

ب ـ   الإجماع يعبر عن إرادة الأمة وسيادتها .

ربط السنهوري بين فكرة الإجماع ونظرية السيادة في الإسلام، فهو يرى أن سيادة الأمة هي سيادة الشريعة، وأن الله استخلفنا في الأرض، ومنحنا شرف خلافته بأن اعتبر إرادة الأمة تعبير عن إرادة الله، وجعل إجماع الأمة شريعة ملزمة، فبعد انقطاع الوحي أصبحت السيادة الإلهية، والحق في التشريع وديعة في يد مجموع الأمة .

ج ـ الإجماع أساس التقنين وصياغة الأحكام

ذلك “أن اهتمام الفقهاء بأن يكون للإجماع سند مستمد من مصادر الشريعة الأخرى، يمكن أن يفهم منه أن دور الإجماع هو أن يكون المصدر المباشر للتشريع (أو التقنين) أي أن مهمته الأولى هي (التقنين أو صياغة الأحكام) المستمدة من كتاب والسنة أو من الاجتهاد ووضعها في الصورة المناسبة للجيل الذي يعاصره ” 8

وهكذا فالإجماع عند السنهوري يعتبر أداة فنية ضرورية لصياغة أحكام الشريعة، وتقنينها ونموها وملاءمتها مع حاجات المجتمع وظروفه.

د ـ الإجماع أساس اكتساب الأحكام الاجتهادية الصفة الإلزامية .

الإجماع أساس اكتساب الأحكام الاجتهادية الصفة الإلزامية والقابلية للتطبيق والإعمال، فقد تنبه السنهوري إلى هذه الخاصية المهمة للإجماع، ذلك أن الإجماع أساس اكتساب الأحكام التي تستمد من الاجتهاد الصفة الإلزامية، إذا أجمع عليه المجتهدون في عصر معين، وذلك في المسائل المستحدثة التي لم يرد بشأنها نص في الكتاب والسنة… 9   .

وفي نهاية هذه الورقة  نسجل الملاحظات التالية :

ـ التعريف الأصولي للإجماع يجعل مجاله الأحكام الشرعية . ” اتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة الرسول عليه السلام على حكم شرعي ..” ويرى السنهوري أن دائرة الإجماع ومجاله يشمل  الشؤون الدنيوية التي تقدر بالعقل وتحكمها الظروف . ولا يدخل في مجاله الأمور الدينية المرتبطة بعلاقة الإنسان وخالقه .

ـ تعاريف الاجماع تشترط لانعقاده اتفاق جميع مجتهدي الأمة ،ويرى السنهوري أن اتفاق أغلبية المجتهدين يكفي لانعقاد الإجماع وتلزم عموم الأمة به .

ـ يرى السنهوري أن الحكم الذي يتقرر بالإجماع يمكن تعديله أو إلغاؤه بإجماع لاحق وكل جيل يمكن أن يقرربالإجماع ما يراه مناسبا ولو خالف إجماع من سبقه .. وهذا رأي مخالف لعلماء الأصول .الذين يقولون بحجية الإجماع التي تمنع أن يكون محل إلغاء أو نسخ .

ـ في حديثه عن تطور الإجماع يرى السنهوري أن الإجماع يمكن أن يتحقق في شكل مجامع وندوات أو مجالس تضم مجتهدي العصر. وأرى أنه وقع خلط هنا بين الاجتهاد الجماعي والإجماع . فالاجتهاد الجماعي  يمكن أن يكون تمهيدا للإجماع ، ولا يمكن أن تكون له حجية الإجماع .

ـ يدخل السنهوري أهل التخصصات والخبرة الذين يكون لهم رأي في مواضيع الإجتهاد الجماعي  في مجمل أهل الذكر وأصناف المجتهدين الذين ينعقد بهم الإجماع ، وهو الموقف نفسه الذي أقره الشيخ محمد رشيد رضا . (10) وهذا لا يمكن التسليم به أصوليا .

ـ في نظرته لطريقة اختيار أهل الإجماع من المجتهدين يقترح السنهوري انتخابهم من طرف الأمة فهي الأدرى بمن هو الأهل لهذه المهمة في نظره .

وإن كان هذا الرأي يمكن من تجنب تغول سلطة الدولة على مجامع الإجماع والاجتهاد وتوجيهها . لكن من الناحية العملية لا يمكن للأمة أن تتفق وتجمع على أهل الاجتهاد . لأمرين أساسيين:

ـ الأول وهو . تعذر أو استحالة الضبط العملي (لحجم )وطبيعة المعرفة المطلوب توفرها في المجتهد .

ـ والثاني غياب الجهة المخول لها الحكم بتوفر صفة المجتهد على فرض إمكانية ضبط المعرفة المخولة لهذه الصفة .

يقول الدكتور الخمليشي لهذين السببين لم يسبق في تاريخ الإسلام كله …الاعتراف العام بصفة الاجتهاد لأحد من الفقهاء في حياته من العلماء المعاصرين له فبالأحرى أن يتحقق إجماع الأمة على ذلك . 11

 

 

 

1 ـ إسلامية الدولة والمدنية والقانون . ص 1922ـ لقانون المدني العربي 1953م

3 ـ الدين والدولة في الإسلام، ص9-18..

4 ـ  الدين والدولة في الإسلام، مجموع مقالات وأبحاث السنهوري، ص9-18.

5 ـ تقرير مؤتمر لاهاي ، مجموع مقالات وأبحاث السنهوري ، ص 23ـ 296 ـ فقه الخلافة  ص 75

7ـ وجوب تنقيح القانون المدني المصري ، مجموع مقالات وأبحاث السنهوري ص 41ـ 168

8 ـ  فقه الخلافة  ص 73 . 9 ـ فقه الخلافة ص 74

10ـ تفسير المنار .  5 / 205

11ـأحمد الخمليشي ، الاجتهاد تصورا وممارسة ، ج 7 ص 13

اظهر المزيد

حميد خالد

أستاذ التربية الإسلامية. ماستر في الدراسات الإسلامية بالمعهد العالي للدراسات الإسلامية بالقاهرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: