مقــاصد الزكاة وفضائلها

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، وأصحابه أجمعين، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

الزكاة عبادة مالية، وتعني؛ الطهارة والنماء والزيادة والصلاح والبركة[1].

والزكاة تزكية للنفوس والأموال معاَ، فهي مشتقة من فعل “زكـا” أي؛ نمـا وطهر، وتزكية.

وقد جعلها الله تعالى ركنا من أركان الإسلام، لتكون تزكية للنفوس ونماءً للأموال. ولذلك استنبط العلماء مجموعة من الحكم والمقاصد المرجوة من الزكاة، ومنها:

1- مقاصد تربوية:

* تطهير نفس المزكي وتزكيتها من الشح والبخل، فهو من أَخطر الأمراض النَّفسية، قال تعالى: “ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون”[2]، كما تخلص النفس من سيطرة حب المال والحرص عليه، فيعلم أن الحياة ليست كلها مادة، وفي هذا المعنى يقول الله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِـهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُـزَكِّيهِمْ بِهَا)[3].

* الزَّكاة شكرٌ لنعمة المال، واعتراف بفضل الله تعالى وإحسانه إليه وهي علاج للقلب من حب الدنيا وتزكية للنفس وتحويلها إلى الرغبة في الآخرة.

* الزكاة نماء وتطهير لشخصية الفقير حتى يشارِك في واجباته الاجتماعية، ويسلم من الحقد والحسد تجاه الأغنياء.

* الزَّكاة تدريبٌ على الإِنفاق في سَبيلِ الله، وقد ذَكر الله تعالى أنه صفةٌ ملازمة للمتَّقين، ولا يَستطيع الإِنسان الوصول إلى الإِنفاق في سَبيل الله، إلّا بعد أن يعتادَ أداء الزكاة، وهي الحدّ الأَدنى الواجب إنفاقه.

2- مقاصد اجتماعية:

* تحقيق التآلف والمحبة والتواصل والأخوة بين المؤمنين، قال الله تعالى: (ِنَّمَا اَلمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)[4].

* الزكاة علاج عملي لكثير من الآفات الاجتماعية كالبطالة والتسول عن طريق استثمار أموالها في تشغيل القادرين على العمل حتى يصبحوا بدورهم منتجين ومزكين كما أنها من أعظم ما يحقق التواصل والتآلف والمحبة والتآخي بين أفراد المجتمع.

* التفاعل الوجداني بين أفراد المجتنع، يقول الدكتور القرضاوي: (وهي _ أي الزكاة_ نظام خُلُقي؛ لأنها تهدف إلى تطهير نفوس الأغنياء من دنس الشح المهلك، ورجس الأنانية الممقوتة، وتزكيتها بالبذل وحب الخير، والمشاركة الوجدانية والعملية للآخرين. كما تعمل على إطفاء نار الحسد في قلوب المحرومين الذين يمدون أعينهم إلى ما متع الله به غيرهم من زهرة الحياة الدنيا. وإشاعة المحبة والإخاء بين الناس)[5].

* للزكاة دور في تقليل الفوارق الطبقية؛ بحيث يحدث في كل عام إعادة توزيع لجانب مهم من الثروة تستفيد منه فئات واسعة من المجتمع.

* الإحساس بالانتماء إلى المجتمع الواحد والمساهمة في خدمته، قال سيد قطب رحمه الله، (ذلك أن أخذ الصدقة منهم –يقصد الزكاة- يرد إليهم شعورهم بعضويتهم الكاملة في الجماعة المسلمة، فهم يشاركون في واجباتها، وينهضون بأعبائها، وهم لم ينبذوا منها ولم ينبتوا عنها، وفي تطوعهم بهذه الصدقات تطهير لهم وتزكية، وفي دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم  لهم طمأنينة وسكن)[6].

3- مقاصد اقتصادية – تنموية:

* الزكاة تزكية للمال ونماءٌ له، قال تعالى: “وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه، وهو خير الرازقين[7]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (نفس المتصدق تزكو، وماله يزكو؛ يطهر ويزيد في المعنى) [8].

وبذلك تكون الزكاة حافزا للمزكي على استثمار ماله بنفسه و بمشاركة غيره حتى لا تأكلها الزكاة وهذا يعود على المال بالزيادة وعلى رب المال وفقا لسنة الله بأضعاف ما أخذ منه.

* للزكاة دور مهم في تَنشيط الحركة الاقتصادية، لأن المسلم إذا كَنز ماله فهو مضطر لأن يدفع الزكاة عنه بمقدار أدناه 2.5 % كل سنة، مما يؤدي إلى نفادِه. لذلك فهو حريص على الاتِّجار به حتى يؤدي الزكاة من أرباحه فيكون ذلك سببا لتنشيط الحركة الاقتصادية، وتستفيد طاقات الأمّة كلها من تلك الأموال.

* محاربة اكتناز الأموال: جاء في موطأ مالك، عن عبد الله بن دينار أنه قال: «سمعت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وهو يسأل عن الكنز ما هو فقال: (هو المال الذي لا تؤدى منه الزكاة).

* الزَّكاة تحرر آخذها من الحاجة، سواء كانت مادّية كالمأكل والملبس والمسكن أو كانت حاجةً نفسية حَيوية كالزواج أو حاجة مَعنوية فكرية ككتب العلم، فإذا صرفت الزكاة في هذه الحاجات وغيرها، يَستطيع الفَقير العاجز عن تحصيل حاجاته، أن يشارِك في واجباته الاجتماعية والاقتصادية، فالزكاة نماء لشخصية الفقير حيث يشعر أنه ليس ضائعا في المجتمع ولا متروكا لفقره وعوزه ويستمتع بكرامته عندما يأخذ حقه. وربما تكون الزكاة منطلقا ليكون من ذوي اليد العليا يعطي بدوره الزكاة وذلك إذا أعطي له من الزكاة ما يقيم به مشروعا أو زود بأدوات العمل.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، في شأن هذه المقاصد والفضائل: (الصدقة المأخذوة من أغنياء الأمة، المردودة على فقرائها، وسيلة لتزكية النفوس والأموال وتطهيرها وتطييبها. تزكية وتطييب وتطهير للنفس التي صدقت في فعلها حيث يقيها البذل في سبيل الله شحها. وتزكية وتطييب وتطهير للنفوس التي رد عليها نصيب من المال تسد به الحاجة فتختفي أسباب الحقد الطبقي. قال الله تعالى لعبده النبي وعباده ولاة الأمر من بعده: “وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ”[9]. فكان صلى الله عليه وسلم يدعو بالنماء والزكاء والخير والبركة لمؤتي الزكاة فتزكو الأموال ويكثر الخير والبركة)[10].

خــاتمـــة:

إن تنظيم أمر الزكاة وأخذها من جميع أصناف الأموال المشروعة، وممن تجب في حقهم، والسهر الجاد على التوزيع العادل لها، سيحقق مستوى عال من التضامن الاجتماعي في بلاد المسلمين. فقد كتب الإِمام الزهري لِعمر بن عَبد العزيز عن الزَّكاة: أن فيها نَصِيباً للزمنى والمقعَدِين، ونَصِيباً لكلِّ مِسكين به عاهة لا يستطيع عيْلة ولا تقلُّباً في الأرض، ونصيباً للمساكين الذين يَسألون ويَستَطْعِمون، ونصيباً لمن في السُّجون من أَهل الإِسلام ممَّن ليسَ له أَحد، ونصيباً لمن يَحضر المساجد من المساكين الذين لا عَطاء لهم ولا سَهم أي ليست لهم رواتب منتَظِمة ولا يسألون الناس، ونَصيباً لمن أصابه فَقرٌ وعَليه دين، ونصيباً لكلِّ مسافر لَيس له مأوى ولا أَهل يأوي إليهم.

والحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – يُـنظر: ابن منظور، لسـان العرب، مادة (زكـا) ج: 14 / ص:358-359.

والفـيروز آبادي، القاموس المحيط، مادة (زك و) الصفحة: 1163. ضبط وتوثيق: يوسف الشيخ

محمد البقاعي.

[2] – الحشر: 9.

[3] – التوبة: 104.

[4] – الحجرات: 10.

[5] – يوسف القرضاوي، فقه الزكاة، ج: 2 / ص: 633.

[6] – سيد قطب، في ظلال القرآن، ج: 3 / ص: 1708.

[7] _ سبأ: 39,

[8] – يُـنظر: ابن تيمية، مجموع الـفتاوى، ج: 8 / ص: 25.

[9] – سورة التوبة / من الآية: 104.

[10] – عبد السلام ياسين، في الاقتصاد؛ البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية، الصفحة: 52.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: