مصطلحات الاجتماع السياسي الإسلامي(3): الفرقة الناجية

• التعريف اللغوي للفرقة:

جاء في لسان ابن منظور: ” الفِرق والفرقة والفريق الطائفة من الشيء المتفرق، والفرقة طائفة من الناس والفريق أكثر منه”.
قال الأصبهاني: “الفرقة الجماعة المتفردة من الناس.. وفرقت بين الشيئين: فصلت بينهما سواء كان ذلك بفصل يدركه البصر، أو بفصل تدركه البصيرة… والتفريق أصله للتكثير، ويقال ذلك في تشتيت الشمل والكلمة نحو: {يفرقون به بين المرء وزوجه} [البقرة: 102]، {فرقت بين بني إسرائيل} [طه:94]” .
وفي المصباح المنير:” قال ابن الأعرابي: فرَقت بين الكلامين فافترقا (مخفف) وفرَّقت بين العبدين فتفرّقا (مثقل)، فجعل المخفف في المعاني والمثقل في الأعيان”.
وقال الزبيدي:” الفرق بين الفرْق والتفريق أن الفرق للإصلاح والتفريق للإفساد.. والفُرقة بالضم: مصدر الافتراق..وفارق الشيء مفارقة: باينه، وتفارق القوم: فارق بعضهم بعضا”.

• الفرقة في الكتاب والسنة:

ورد لفظ “فرقة” في قوله تعالى: “مَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً. فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ” [التوبة: 122]. الفرقة هنا بمعنى جماعة من المؤمنين تنفر لجهاد العدو والبقية منهم تتعلم دين الله وتتفقه فيه.
قال العلامة ابن عاشور: “ليس من المصلحة تمحض المسلمين كلهم لأن يكونوا غزاة أو جندا، وأن ليس حظ القائم بواجب التعليم دون حظ الغازي في سبيل الله من حيث إن كليهما يقوم بعمل لتأييد الدين، فهذا يؤيده بتوسع سلطانه وتكثير أتباعه، والآخر يؤيده بتثبيت ذلك السلطان وإعداده لأن يصدر عنه ما يضمن انتظام أمره وطول دوامه، فإن اتساع الفتوح وبسالة الأمة لا يكفيان لاستبقاء سلطانها إذا هي خلت من جماعة صالحة من العلماء والساسة وأولي الرأي المهتمين بتدبير ذلك السلطان”.
وقد ورد نهي المؤمنين عن التفرق والاختلاف في العديد من الآيات، كما ورد فيها التحذير ممن يعملون على التفريق بينهم بالمكر السيّء.
قال تعالى: “وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواَ” [آل عمران: 103].
وقال سبحانه: “وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ. وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ” [آل عمران: 105].
وقال عز من قائل: “إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ. إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ” [الأنعام: 159].
وحذر سبحانه من المنافقين قائلا: “الَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ” [التوبة: 107].
لكن الحديث عن الفرق والفرقة الناجية نجد له حضورا بارزا في السنة النبوية، وذلك في معرض ذم التفرق والتشرذم ومدح الاعتصام بحبل الله والاجتماع عليه وتوحيد الكلمة والصف. ومن الأحاديث التي اعتمدها مصنفو كتب الفرق والملل والنحل، حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة السابق الذكر.
 عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَالَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «افْتَرَقَتِ الْيَهودُ عَلَى إِحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَتَفَرَّقَتِ النَّصَارَى عَلَى إِحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً».
 وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل … وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا ومن هي يا رسول الله قال ما أنا عليه وأصحابي». وروى نحوه ابن ماجة في سننه من كتاب الفتن بألفاظ متفاوتة.
مثل هذا الحديث بألفاظه وطرقه فتح الباب في تاريخ المسلمين لعلم جديد هو علم أصول الدين من أجل تقنين أبواب العقيدة.

• نشأة الفرق:

كانت مسألة الخلافة أول ما اختلف المسلمون حوله، بل تقاتلوا في زمن مبكر، وكان الصحابة رضوان الله عليهم أطرافا في فريقي التقاتل، كما كان منهم من انعزل والتزم الحياد. وكانت نتيجة هذا الاختلاف مُرّة، إذ سرعان ما انتقضت عروة الحكم فتحول من الخلافة الراشدة إلى الملك العضوض. الفتنة التي نجمت عن مقتل عثمان رضي الله عنه ثالث الراشدين، وخاصة وقعتي الجمل وصفين ثم التحكيم والنهروان أدت إلى نشأة الفرق: الخوارج والشيعة في مرحلة ثم توالت الفرق من مرجئة ومعتزلة وجهمية..وكل فرقة يتولد عنها فرق أخرى، فالشيعة مثلا يمتد طيف فرقهم ما بين الروافض الذين سنوا بدعة سب الصحابة بدءا بالشيخين، إلى الزيدية الذين يعدون الأقرب إلى السنة. وفي مقابل الروافض الخبثاء ظهر النواصب الذين لا يقلون خبثا عنهم لكرههم آل البيت الأطهار بل منهم من سن لعن الإمام علي رضي الله عنه على المنابر إلى أن أبطله خامس الراشدين عمر بن عبد العزيز.
ظهر مصطلح السنة والجماعة زمن معاوية عندما صالحه الإمام الحسن السبط وتنازل له عن الحكم على أساس “حكومة تناوب”، وذلك بعد أن تعرض لطعنة في جوفه من قبل أهل العراق، وسمي عام الصلح هذا بعام الجماعة. وفي زمن معاوية بن أبي سفيان راجت عقيدة الجبر، بحيث انتشر الاعتقاد أن الحكم الأموي قدر من الله وقضاء لا راد لقدره وقضائه، ومن عارضه وخرج عليه فإنما يعارض قضاء الله. ورد على هذه العقيدة واصل بن عطاء بعقيدة الاختيار وأطلق العنان لتأويل الصفات الإلهية، فأسس بذلك عقيدة الاعتزال وأصولها الخمسة.

• بيان أوصاف الفرقة الناجية

هذا عنوان الباب الخامس من كتاب الفَرق بين الفِرق لعبد القاهر البغدادي المتوفي سنة 429ه. ويحدد في الفصل الأول من هذا الباب أصناف أهل السنة والجماعة الذين تحققت فيهم أوصاف النجاة وهم ثمانية:
1- أهل التوحيد والنبوة والاجتهاد الذين سلكوا طرق الصفاتية من المتكلمين الذين تبرؤوا من التشبيه والتعطيل ومن بدع الرافضة والخوارج والجهمية والبخارية وسائر أهل الأهواء الضالة.
2- أئمة الفقه من فريقي الرأي والحديث من الذين اعتقدوا في أصول الدين مذهب الصفاتية في الله وفي صفاته الأزلية وتبرؤوا من القدر والاعتزال، وأثبتوا رؤية الله تعالى بالأبصار من غير تشبيه ولا تعطيل، وأثبتوا الحشر في القبور وسؤال القبر وإثبات الشفاعة وإمامة الخلفاء الأربعة والثناء على السلف .. ولم يخلطوا فقههم بشيء من بدع أهل الأهواء الضالة.
3- أهل الإحاطة بطرق الإخبار والسنن المأثورة عن النبي عليه السلام، وميّزوا بين الصحيح والسقيم وعرفوا أسباب الجرح والتعديل ولم يخلطوا علمهم بشيء من بدع أهل الأهواء.
4- علماء اللغة من أهل الأدب والنحو والتصريف الذين لم يخلطوا علمهم بشيء من بدع القدرية والرافضة والخوارج، ومن مال منهم إلى شيء من الأهواء الضالة لم يكن من أهل السنة ولا كان قوله حجة.
5- أهل الإحاطة بالقراءات القرآنية وعلم التفسير وآياته وفق مذهب أهل السنة دون تأويلات أهل الأهواء الضالة.
6- الزهاد والصوفية الذين جرى كلامهم في طريقي العبارة والإشارة على سمت أهل الحديث، دينهم التوحيد ونفي التشبيه ومذهبهم التفويض إلى الله تعالى.
7- المرابطون في ثغور المسلمين في وجه الكفرة.. يظهرون في ثغورهم مذاهب أهل السنة والجماعة.
8- عامة البلدان التي غلب فيها شعار أهل السنة دون عامة البقاع التي ظهر فيها شعار أهل الأهواء الضالة.

• قول د.يوسف القرضاوي في حديث الفرق:

“أما حديث افتراق الأمة إلى فرق فوق السبعين، كلها في النار إلا واحدة، ففيه كلام كثير في ثبوته وفي دلالته”.
ثم ناقش على مدى عدة صفحات الحديث من جهة إسناده ومتنه، مستدلا بما احتج به العلامة اليمني ابن الوزير صاحب العواصم والقواصم وأبي محمد بن حزم الظاهري في الفصل في الملل والأهواء والنحل. فالحديث، على خطورته، لم يرد في الصحيحين، والطعن فيه موجه إلى زيادة: كلها في النار إلا واحدة، أو كلها هالكة إلا واحدة. قال ابن الوزير: (وإياك والاغترار بـ “كلها هالكة إلا واحدة” فإنها زيادة فاسدة، غير صحيحة القاعدة، ولا يؤمن أن تكون من دسيس الملاحدة). قال: (وعن ابن حزم: أنها موضوعة، غير موقوفة ولا مرفوعة، وكذلك جميع ما ورد في ذم القدرية والمرجئة والأشعرية، فإنها أحاديث ضعيفة غير قوية.)
ومن جهة متنه ومعناه، فإن الحديث جعل افتراق الأمة الإسلامية وهي خير أمة أخرجت للناس، وهي أمة مرحومة، جعلها شرا من اليهود والنصارى الذين ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة. ثم إن الحديث عن فرقة واحدة ناجية يفتح بابا لادعاء كل فرقة أنها الناجية وغيرها الهالك، وفي هذا تمزيق للأمة وإضعاف لها أمام عدوها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: