مسار: قصة قصيرة ( الجزء الأول)

 
     نزالة سي حمو ترقد هادئة في تلك الليلة المقمرة قبل أن يبدد سكونها بعربدته المعتادة و صراخه المجنون :
غانغا ، عاش ما كسب ، مات ما خلى !
ثم يقف على باب العريش ، وقنينة الكحول ترتعش بين أصابعه ، ينظر يمينا وشمالا ، ويبصق في وجوه ترقبه من خلف العرائش ، وتطلق ضحكات هستيرية ، ثم يتمتم :
المراكشية ، أطعمتك الغالي والنفيس ، ألبستك الحرير وحليتك بالذهب ، ولم تخبريني بعد من أنا وابن من أكون .
هبت من مرقدها مسرعة ، أمسكته من يده ، أدخلته برفق ، وحاولت أن تنزع منه قنينة الخمر ، لكنه انفلت منها بقوة حتى كاد يسقط على الأرض ، ثم نظر إليها نظرات غاضبة ، وقال : أعلم أني ابن حرام ، لكن ألم تجدي غير ذلك الذميم لتطاردني بشاعته إلى يوم الدين ..
ضمته إلى صدرها كطفل صغير ، ربتت على كتفه ، مسحت صدره الأشعث بيدها ثم ردت بلطف :
إلى متى تردد هذا الهراء يا ولدي ؟ ألم أخبرك مرارا بأنك ابن صالح الزهراوي بطل الأبطال !؟
انسل من حضنها ، وقال : لكن أهل النزالة يقولون بأني ابن سنغالي ويسمونني باسمه .
قاطعته قائلة : دع عنك هذا الكلام، وأخبرني : هل تعشيت؟
وقبل أن تكمل كلامها ، سمعت شخيرا ، فأمسكته برفق ، ووضعته على السرير.
مر شريط الذكريات بطيئا ، أذهب عنها النوم …

الجزء الثاني 
في الصباح الباكر، وقبل بزوغ الشمس ، تستيقظ النزالة ، التي حوت فقراء المنطقة ومهمشيها ، لتشتغل على عربدة محمد غانغا وكلماته الهستيرية التي يرددها الصغار والكبار ، ويجعلونها أحاديث مجالسهم وقوت لغطهم اليومي ، غير مبالين بالمسكينة التي تكاد تموت كمدا على ابنها الوحيد الذي تراه يسوء يوما بعد يوم، وهو يعاقر هذا النوع من الكحول ، الذي يذهب العقل ويقهر الجسم و النفس . 
ها هو صوته قد بح واخشوشن ، ووجهه أصبح شاحبا مسوادا كقطعة فحم ، والجسم من هزال إلى هزال .
ماذا تفعل المسكينة ؟ ولمن تلتجئ سوى الله تعالى ضارعة متذللة ، شاكية باكية ، كي يبدل الحال ، وينقذه من المغبة التي أوقع نفسه فيها بمعية رفاق مشردين، يتسكعون في محطة المسافرين، يبيعون السجائر والأكلات الخفيفة أو يمسحون الأحذية ويلمعونها، أو يحملون البضائع والسلع لقاء دريهمات لا تكفي لسد الجوع ودخان السجائر ، وقنينة كحول يتعاقرونها أمام الملأ ، ثم يعربدون ويتصارعون فيما بينهم، أو يجمعون ثمن تذكرة لمشاهدة فلم هندي في سينما متواضعة هرئة. أو يخسرون ما جمعوه على فراش قمار.

جيل ضائع بأكمله، وشباب لفظهم المجتمع ورفضتهم الأسر والمدارس ، فحرموا التربية والتعليم والرعاية وباقي الحقوق ، وعاشوا بلا رؤية ولا هدف ولا حياة

اظهر المزيد

محمد فاضيلي

قاص وأديب مغربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: