لماذا ختم الله تعالى شهر رمضان بالعيد؟

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما

قد يقول قائل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لو يعلم العباد ما في رمضان لتمنت أمتي أن تكون السنة كلها رمضان.[1]،  فلماذا إذًا يفرح المؤمنون بانتهاء  رمضان بالعيد؟

لقد جعل الله عيد الفطر خاتمة شهر رمضان، لحِكم عديدة منها ما يظهر ومنها ما لا يعلمه إلا هو سبحانه، ولعل من أهم الحكم الظاهرة ما يلي:

تربية المؤمن على الحب في العبادة لا على الإجبار:

إن الصيام الذي فرضه الله تعالى على عباده، إنما هو طريق محبة من الله لعبده، وعمل مخصوص له سبحانه، ” كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فهولي وأنا أجزي به[2]، فجزاء الله للصائم هو محبة منه له، فإذا كان جزاء الأعمال الصالحة للإنسان، لا يعلم عظمتها إلا هو سبحانه، فكيف سيكون جزاؤه عن العمل المخصوص به؟ بل وكيف سيكون جزاؤه إذا صام الإنسان عن حب وطواعية، واستعد لترك الحلال والمباح له سبحانه، أو إذا استحسن الأمر في سبيله وقام به لوجهه، بعد أن تَعلَم من الشريعة أن يترك الحرام دائما طوال حياته، وهكذا يؤكد الصوم على أن تكون علاقة المؤمن بربه علاقة إحسان وليست علاقة مقايضة وميزان، فلا يأبه المسلم بما يظن أنه من حقه بل يكون مستعدا لتركه طواعية. وهذا التعليم وحده كفيل برفعة المؤمن وتقويم سلوكه ودفعه إلى الأمام على الصراط المستقيم، كما أنه تعليم كفيل بنشر السلْم في العالم أجمع، فلو ترك الإنسان ما يدعي بأنه من حقه أحيانًا، أو لو كان مستعدا لذلك، لنزع فتيل معظم الصراعات التي يخوضها بنو الإنسان على امتداد الأزمنة، ولعاشت الإنسانية في ود وتفاهم وأمن وانسجام، لأن المحب لمن يحب مطيع.

تثبيت قاعدة ” إن مع العسر يسرا”:

لا شك أيضا أن فترة التنازل عن الحق وعن المباح لن تكون ديدن المسلم طوال حياته، بل هي فترة قد تمر عليه في أوقات محددة ولا بد أن تزول إذا قضى الله تعالى بذلك. لكن ينبغي على المؤمن أن يكون في تلك الفترة في طمأنينة كالتي يستشعرها أثناء صيامه في رمضان، حتى إذا انقضت تلك الفترة، والتي يمكن أن تسمى فترة عسر في حياته، فرح بانقضاء العسر وربح قبل ذلك وبعده وفي أثنائه. لذلك فإن الفرح لا يكون بانقضاء الإحسان والطاعة التي أبداها أثناء فترة تسليمه وتنازله عن حقه المشروع والمباح، بل بزوال تلك الفترة التي قدم فيها هذا التنازل طاعة لأمر الله أو تقربا إليها. وسيشعر عندها بأن هذا اليوم الذي انقضت فيه تلك الفترة هو يوم عيد، حيث حقق الله وعده بإتباع العسر باليسر، وفرح المؤمن بسبب أن الله قد وفقه لكي يصبر في تلك الفترة ويحتسب لوجهه، وأنه لم ينسحب منها بنفسه، بل إن الله تعالى قد قضى بانتهائها وأكرمه بذلك. ولعل ارتباط ثبوت شهر رمضان وانقضائه بالقمر من خلال ظهور الهلال يشير إلى أن نزول العسر وزواله هما بيد الله تعالى وبإشارة منه. فإنْ جاء العسر فعلى المؤمن أن يستعد لكي يتكيف معه ويتصرف بما يرضي الله تعالى، وإن زال فرح بانقضائه واستبشر، وكانت تلك فترة العسر السابقة سببا في رفعته وتقربه لله تعالى. والله تعالى في كل الأحوال لا يريد العسر بالمؤمنين وإنما يريد بهم اليسر، وهذا ما ذكره الله تعالى مباشرة بعد آيات فرض الصيام في سورة البقرة.(يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)، “ولا يمكن النظر إلى الصوم على أنه فترة عسر أصلا، وإن حدثت مشقة فيه فليست هي المقصودة بعينها. وكأن الله تعالى بذلك يريد أن يوجه المؤمن إلى الجوانب الإيجابية و الجيدة والمضيئة في تلك الفترات الخاصة التي يعاني فيها المؤمن أو قد يراها البعض عسرا مؤقتا. فلو أحسن المؤمن وصبر واحتسب لرأى في تلك الفترة جوانب كثيرة من اليسر أيضا. ومن العجيب أن جعل الله لرمضان فرحة في صدور الناس لا يمكن أن يتغلب عليها أي شعور بالصعوبة أو المشقة التي قد يعانونها أثناء الصيام. وهكذا تغلبت بركاته على ما يحتويه من صعوبات،  وهذه هي النظرة التي يطلبها الله تعالى من المؤمن إن قضى أن يدخله في فترة من العسر المؤقت، والتي ستتحول إلى فترة من الاستبشار والسرور إن أحسن فيها المؤمن وصبر واحتسب. ولكن ما يلبث الله تعالى إلا أن يزيل تلك الفترة ويكون المؤمن قد نال فيها كل اليسر وكل الأجر وكل الفوز والقرب من الله تعالى. فيفرح المؤمن عندها فرحاً عظيماً، ولا تراه يذكر فترة العسر السابقة بالحسرة والألم، لا بل هو يتذكر أنها كانت فترة قرب من الله تعالى وبركة. وسبحان الله تعالى الذي جعل رمضان والعيد من بعده تعليما عمليا لهذه الأمر الدقيق بشكل عجيب”.[3]

توازي العبادة البدنية مع العبادة المالية:

بعدما ترتوي روح وجوارح الجسد من سقاء رمضان الطاهر، بخيراته الظاهرة والباطنة، من عبادة وصيام وقيام وتلاوة للقرآن الكريم وذكر لله..، تشرف هذه الروح إلى عبادة ربانية أخرى، هي البذل والإنفاق، وهي لصيقة بعبادة الصيام، فالحكمة من تشريع زكاة الفطر هي طهارة صوم الصائم من اللغو والرفث، وإغناءً للمساكين عن السؤال في يوم العيد الذي يفرح المسلمون بقدومه، كما يمحو الله بها الذنوب، وتستجلب البركة، وتعود المسلم على الجود، وتطهر النفس وتزكيها، وتبعد عن الشح والبخل، وتثبت أواصر المحبة، ليُبين لنا اللهُ تعالى أثر الصيام في السلوك، وتخضع جوارح الجسد للعطاء في أعظم ما تحبه النفس وتشتهيه، وهو المال، ليشعر الناس بعضهم ببعض، فتجد الغني يرأف بحال الفقراء لأنّهُ قد جرّبَ الشعور بالجوع والعطش، فعندما يشعر الغني بهذا الشعور فهو يقوم بإعطاء الفقراء وإخراج زكاته بإطعام الفقراء و إنفاق المالِ عليهم، فتصبح فرحة العيد فرحة عامة وتتحقق منظومة الجسد الواحد في التراحم والتعاطف والتواد.

ربط العبادة الفردية بعبادة صلة الأرحام:

إذا كان رمضان فيه خلوة بالذات وللذات مع الله تعالى صياما وإيمانا واحتسابا، فإن عيد الفطر  يخرجك إلى الناس، ويجبر كسر الرحم وخصوصا المقطوع منها لتصله، فهو زكاة صيامك ولزوم استقامتك، وبرهان صدقك، واستمرار عمرك، وذكرك بعد مماتك، فعن أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ « مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِى رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِى أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ [4]»، فالرحم كيان قائم بذاته، تسائلك وهي تشكو إلى الله تعالى ظلم القاطعين وتنشر شكر الواصلين، بل خصص الله  لها دعوة مقبولة لا ترد، بل جعل من علامات فساد الأفراد وفساد المجتمعات قطعُ الرحم، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ « إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ، قَالَتِ الرَّحِمُ هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ. قَالَ نَعَمْ أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ. وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ. قَالَتْ بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ فَهْوَ لَكِ »[5] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ *أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ*أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا[6]، فالرحم عمق شبكة رحمة الله في الأرض، منسوجة من اسمه عز وجل الرحمن، فعن أَبَي هُرَيْرَةَ قال «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ « إِنَّ الرَّحِمَ شُجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ تَقُولُ يَا رَبِّ إِنِّى قُطِعْتُ يَا رَبِّ إِنِّىأُسِىءَ إِلَىَّ يَا رَبِّ إِنِّى ظُلِمْتُ يَا رَبِّ يَا رَبِّ . قَالَ فَيُجِيبُهَا أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ »[7]. وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ « قَالَ اللَّهُ أَنَا اللَّهُ وَأَنَا الرَّحْمَنُ خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا مِنَ اسْمِى فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ »[8].  بل ويظهر الله واصل القاطع للرحم على غيره مادام مواصلا للوصل، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلاً قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِى قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِى وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَىَّ وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَىَّ. فَقَالَ«لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ وَلاَ يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ»[9]

إن الفرحة التي يبديها المسلمون بقدوم رمضان هي نفس الفرحة التي يستقبلون بها عيد الفطر، فينتقلون بالفرحة ما بين عبادة وعبادة، حتى يلتقوا بالفرحة الكبرى، فرحة لقاء الرب عز وجل في جنان الخلد إن شاء الله تعالى.


[1]– أخرجه ابن خزيمة في صحيحه،3/ 190، وقال الحافظ ابن حجر تعليقا على خراج ابن خزيمة لهذا الحديث “وكأنه تساهل فيه؛ لكونه من الرغائب”

[2]صحيح البخاري  كتاب الْصَوْمِ بَاب: هَلْ يَقُولُ: إِنِّي صَائِمٌ إِذَا شُتِمَ 

[3]– إسلام أحمدية دلالات وحكم عيد الفطر.

[4]– صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعته

[5]– صحيح البخاري كِتَاب الْأَدَبِ  باب مَنْ وَصَلَ وَصَلَهُ اللَّهُ

[6]– سورة محمد من الآية 24 الى الآية 32

[7]– مسند أحمد، مسند أبي هريرة رقم الحديث 7590

[8]– صحيح الترمذي كتاب البر والصلة باب ما جاء في قطيعة الرحم رقم 1694

[9]– صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: