في مقاصد الصيام

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه

من المعلوم أن عبادة الله تعالى، وإفراده بالعبودية، وتخليصها له جل وعلا، هي الغاية الأولى من الخلق. قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[1]. وأركان الإسلام الخمسة، ومنها صوم شهر رمضان، من أبرز ما تتجلى فيها عبودية الإنسان لخالقه. وإذا كان المقصد التعبدي هو المبتغى الأصل من تشريع الصيام، فإن للشارع منه أيضا مقاصد أخرى خادمة وتابعة للمقصد الأول.

أولا: المقصد التعبدي:

1ـ تحري الإخلاص:

قصدُ القربة من الصيام معلوم من الدين بالضرورة. وقد جاء في الحديث القدسي قول ربنا سبحانه وتعالى: “وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ. وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ[2]. فالمسلم، قبل أي اعتبار، هو عبد لله تعالى أولا وآخرا، فعليه أن يتحرى الإخلاص، ويسأله في دعائه وتضرعه، ويرجو من مولاه القبول. والعباد الموفقون ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ[3].

ولذلك حري بالمؤمن أن يراقب نيته، لكي لا تميل وتتعلق فقط بما يحققه الصيام من منافع صحية أو نفسية أو مادية، مما جعله الله تعالى فيه من حكمة ومكرمة معجلة للصائمين.

وقد أكد هذا المعنى الحديث القدسي المسوق في بيان خصوصية الصيام وما انفرد به عن باقي الأعمال. روى مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ. قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي [4].

لنتأمل مدلول كلمتي: لي، ومن أجلي. ولنتأمل أيضا كيف أن أركان الإسلام الأخرى من صلاة وزكاة وحج حُفّت بأعمال وحركات ظاهرة لا تنفك عنها، بينما الصيام ليست له علامة ظاهرة تنبئ عنه. روى مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ[5]. نصبت كلمة “احتسابا” باعتبارها حالا. أي الحال الذي ينبغي أن يكون عليه الصائم هو حال من يحتسب صيامه لله تعالى راج منه المثوبة وحسن الأوبة.

وإذا كانت المسارعة في الخيرات، والتجرد عن الشواغل، من الخصال المطلوبة من المسلم عمره كله، فإنها آكد ما تكون مطلوبة منه في أزمنة وأوقات مخصوصة كأوقات الصلوات الخمس من اليوم، ووقت صلاة الجمعة من الأسبوع، وشهر رمضان من السنة. ولذلك حري بالعبد الموفق أن يقبل على ربه عز وجل في هذا الشهر الكريم بهمة ونشاط زائد على ما هو معهود منه سائر العام. روى ابن ماجه من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إِذَا كَانَتْ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَنَادَى مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ[6].

تعميق الصلة بالقرآن، والتدرب على القيام:

ومن أعظم القربات الحري بالمسلم أن يشتغل بها في رمضان الإقبال على القرآن تلاوة وتهجدا، وتدبرا وتعهدا. فقد شرف الله تعالى هذا الشهر بنزول القرآن فيه، وفيه دارس جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم القرآن. وروى الحاكم من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ. يَقُولُ الصِّيَامُ: رَبِّ إِنِّي مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ. وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَيُشَفَّعَانِ[7].

“منعته النوم بالليل” إشارة إلى قيام العبد الموفق بين يدي ربه متهجدا بالقرآن. وأفضل الصلاة بعد الفريضة الصلاة بالليل. وبالأسحار يستحب الاستغفار، وعرض الحاجات على الملك الغفار. روى البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ[8].

3ـ الإكثار من الدعاء:

والدعاء كذلك من مقاصد الصيام التعبدية، وهو مخ العبادة ولبّها، وقد جاء قول ربنا عز وجل: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ[9] مفتول مع آيات الصيام. وفيه إلماح إلى أن الصوم لا يجمل ولا يكمل إلا بإقبال الصائم على ربه سبحانه دعاء وتضرعا، وافتقارا واضطرارا. وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى في ليلة من رمضان، فكان إذا مرّ بآية فيها استبشار سأل، وإذا مرّ بآية فيه تخويف استعاذ[10].

4ـ شكر المولى جل وعلا:

والشكر أيضا من مقاصد الصيام التعبدية. وقد وقع ذكره عقب آيات الصيام في قول الله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[11]. وهو يقتضي حمد الله تعالى على أن بلغنا رمضان، ووفقنا للصيام. كما يقتضي عدم التكاسل في الطاعة، والحرص على اغتنام أيام الشهر الكريم ولياليه بالمسارعة في الخيرات، وترك المنكرات، عسى ربنا عز وجل يقبل التوبة، ويقضي الحوبة، ويجزي بالمثوبة.

وقد أشارت الآية الكريمة أن من مقاصد الصيام إجلال الله تعالى وتعظيمه، والثناء عليه سبحانه أن وفق وهدى، وأسبغ النعمة وأسدى. وإن من تمام العبودية رؤية المنة من الله، ونسبة الفضل إلى مولاه.

ثانيا: المقصد التربوي

         لا شك أن تربية المرء على شيء ما، ليصبح متحققا به ومكتسبا عنده، تقتضي المداومة على فعله، وتكراره والتطبع به. ولعل مداومة المسلم على الإتيان بالأعمال التعبدية في شهر رمضان، من صلاة وقيام وتلاوة وذكر لله عز وجل، يؤهله لأن يألفها ويرتاضها حتى تصبح ديدنه سائر العام. وهو المطلوب.

1ـ نشدان التقوى:

وقد صرّح القرآن الكريم أن التحقق بالتقوى من أهم مقاصد الصيام. قال الله تعالى: “يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ “[12]. ومدلول التقوى يقتضي أن يجعل الإنسان بينه وبين المكروه وقاية. وأعظم مكروه بالنسبة للمسلم هو سخط الله وعقابه، وما يجر إليه من الذنوب المهلكة، والخطايا الموبقة.

ومن شأن الصيام إن كان على هيئته المطلوبة شرعا أن يورث التقوى، ويلجم نوازع الطغيان، ويذهب رجز الشيطان، ويحبب الطاعة، ويشين المعصية. وفي هذا المعنى جاء قول النبي صلى الله عليه وسلم: ” الصِّيَامُ جُنَّةٌ[13]. قال الإمام أبو زكريا النووي: ” ومعناه سترة ومانع من الرفث والآثام ومانع أيضا من النار”[14].

2ـ التربية على الصبر وضبط النفس:

ومن مقاصد الصيام التربوية أيضا التربية على ضبط النفس، حيث لا تجمح بصاحبها إلى فعل القبيح أو التلفظ به. فالفحش في القول، والفظاظة في المعاملة، والصخب والخصام، أخلاق مذمومة لا تليق بالمفطر فأحرى الصائم. ولكي لا تفسد علينا صيامنا حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم منها. روى البخاري من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ[15].

إن ضبط النفس يستلزم أن يتحلى المرء بالصبر. ولذلك جعل الإسلام التربية على الصبر من مقاصد الصيام. فقد جاء في الحديث: “وَالصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ[16]. والصبر مبدأ الخير كله. فالمرء بحاجة إلى صبر لكي يداوم على ما هو مفروض عليه من طاعات. ويحتاج إلى صبر لكي يكبح نفسه عن مجاري الهوى، وموارد الشهوات المهلكة. ويحتاج إلى صبر مع قضاء الله وقدره. والصبر إحدى الخصلتين اللتين أهّلتا المصطفين من عباد الله لمقام الإمامة وهداية الخلق. قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا. وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ[17] وقد جُعل الصبر كفاء لما قدّمه أهل الجنة من أعمال استحقوا بها التحية من الملائكة بقولهم: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ. فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ[18].

3ـ التربية على الجود والمواساة:

والتربية على الجود والكرم من مقاصد الصيام أيضا. فالعبادة الصحيحة هي التي تثمر في صاحبها حب الخير للناس، ومواساة الفقراء والمحتاجين، وبذل المعروف، والتحرر من شح النفس. ومن أراد التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم فليعلم أنه كان “أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ[19]. صيام، وقرآن، وجود. عبادة وحسن معاملة. هكذا هو ديننا، وهكذا هي سنة نبينا، لا انفصال فيها بين العبادة المفروضة والأخلاق المحمودة.

ولعل هذا القصد له أصل أيضا في فرض زكاة الفطر وتعلقها بالصيام. فقد ” فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِير،ٍ عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ[20]. تؤدى قبل الصلاة لكي يفرح الفقراء والمساكين مع إخوانهم فرحة عيد الفطر، ويفرح الجميع بفضل الله عليهم. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ[21].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]سورة الذاريات، الآية 56.

[2]صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع، ح  رقم 6502.

[3]سورة المؤمنون، الآية 60.

[4]صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب فضل الصيام، ح رقم 164.

[5]صحيح مسلم، باب الترغيب في قيام رمضان، ح 175.

[6]سنن ابن ماجه، أبواب الصيام، باب ما جاء في فضل شهر رمضان، ح 1642.

[7]المستدرك على الصحيحين، ح 2036.

[8]صحيح البخاري، ح 37.

[9] سورة البقرة، الآية 186.

[10] مسند الإمام أحمد، ح 23399، وصحيح مسلم، ح 203.

[11]سورة البقرة، الآية 185.

[12]سورة البقرة، الآية 183.

[13]صحيح مسلم، ح162.

[14]شرح صيح مسلم 8/31.

[15]صحيح البخاري، ح 1904.

[16]سنن الدارمي، ح680.

[17]سورة السجدة، الآية 24.

[18]سورة الرعد، الآية 24.

[19]صحيح البخاري، ح 6.

[20]صحيح البخاري، ح 1503.

[21]سورة يونس، الآية 58.

اظهر المزيد

د. رشيد السمغولي

حاصل على دكتوراه في الفقه وأصوله

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: