فقه زكاة الفطر: الأحكام والمقاصد.

     إن الله تعالى خلق الإنسان لغاية العبودية له سبحانه وتعالى، وجعل له وسائل لبلوغ هذه الغاية، تجلت في تعدد صنوف العبادات والطاعات وفق أماكن وأوقات مخصوصة وغير مخصوصة، منها الصلاة والحج والزكاة والصيام، وتأتي زكاة الفطر كعبادة تتصل بالصيام في شهر رمضان، فرضها الله تعالى على كل المسلم بعد استكمال الشهر للتقرب إليه تعالى، ومع اقتراب أدائها تحتم على المسلمين فقهها ومعرفة أحكامها ومقاصدها بغية عبادة الله عن علم، فكان هذا هو القصد من كتابة هذه المقالة بعد قصد رضا المولى عز وجل. تضمنت المقالة محورين الأول أحكام زكاة الفطر، والثاني مقاصدها.   

أولا: أحكام زكاة الفطر.

  1. تعريف زكاة الفطر:

     الزكاة لغة: قال ابن فارس رحمه الله:” زكى: الزاء والكاف والحرف المعتل أصل يدل على نماء وزيادة؛ ويُقال: الطهارة زكاة المال؛ قال بعضهم: سُمِّيت بذلك لأنها مما يُرجى به زكاء المال، وهو زيادته ونماؤه، وقال بعضهم: سُمِّيت زكاة لأنها طهارة؛ قالوا: وحجة ذلك قوله جل ثناؤه: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾ سورة التوبة، الآية 103؛ والأصل في ذلك كله راجع إلى هذين المعنيين؛ وهما النماء والطهارة”.[1]

أما الفطر قال ابن فارس: ” (فطر) الفاء والطاء والراء أصل صحيح يدل على فتح شيء وإبرازه. من ذلك الفطر من الصوم.[2]، وفتح الشيء في علاقته بالصوم يفيد غلق أو سد أو منع إتيان الطعام والشراب والنكاح وقت نهار رمضان، فيفتح ويشرّع بعد انقضاء شهر رمضان، وفي ذلك دلالة على الطاعة والانقياد لله تعالى.  

أما اصطلاحا: عرف ابن رشد رحمه الله زكاة الفطر قائلا: “وهي زكاة الرقاب زائدة إلى زكاة الأموال فتجب على الغني والفقير.[3]

وقال شرف الدين الحجاوي(ت968ه):”هي صدقة تجب بالفطر من رمضان، طهرة للصائم من اللغو والرفث” [4]

أما يوسف القرضاوي حفظه الله عرفها بالقول: ” الزكاة التي سببها الفطر من رمضان، وتسمى أيضا صدقة الفطر.”[5]

نستخلص من التعريفات السابقة أن زكاة الفطر يطلق عليها صدقة وزكاة، وسببها الفطر بعد انقضاء شهر رمضان، ومقصدها طهرة للصائم من اللغو والرفث، وهي جابرة ومكفرة للصغائر المقترفة أثناء الصيام، وتسمى زكاة الرقاب، والفرق بين زكاة المال وزكاة الفطر الأولى تتصل بالمال والثانية بالنفس، مما يفيد أن التطهير والتزكية والتنمية تكون للمال والنفس لاشتراكهما في لفظ الزكاة.

  • حكم زكاة الفطر:                                                                                    أجمع الفقهاء على وجوب زكاة الفطر. ذكر القيرواني رحمه الله حكمها فقال: ” زكاة الفطر سنة واجبة فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل كبير أو صغير ذكر أو أنثى حر أو عبد من المسلمين.”[6]، واختلف الفقهاء في أصل وجوبها هل هو بالقرآن الكريم أم بالسنة؟.

ودليل الوجوب بالقرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ سورة البقرة، الآية 43، وروي ذلك عن مالك. “وروي عن عمر عبد العزيز رضي الله عنه أنه قال في قوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى﴾  سورة الأعلى الآية 14 ﴿وذكر اسم ربه فصلى﴾ سورة الأعلى الآية 15، أنها زكاة الفطر.” [7] وكان عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه يأمر الناس بإخراج زكاة الفطر ويقرأ الآيات السالفة.

أما دليل الوجوب بالسنة فيقول ابن رشد رحمه الله: ” وقيل إنها سنة واجبة فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم أي أوجبها. ولا يصح أن يكون معنى فرضها قدرها”.[8] وفي القول إشارة أن الفرض هو الوجوب وليس التقدير بالصاع من التمر أو الشعير، كما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنه: ” أن الرسول صلى الله عليه وسلم، فرضها على الناس صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير.”

  • قدر زكاة الفطر وأصنافها:

حدد رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدار زكاة الفطر في صاع؛ الصاع أربعة أمداد، واشترط المالكية أن يكون غالب القوت من أصناف تسعة حددوها، وهي الشعير والتمر والزبيب والقمح والذرة والسلت[9] والأرز والدخن[10] والأقط[11].

أما إخراجها قيمة فالأدلة ذكرها يوسف القرضاوي حفظه الله قائلا:” قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: يجوز إخراج القيمة، وقد روى ذلك عن عمر عبدالعزيز والحسن البصري. وعن الحسن قال: لا بأس أن تعطى الدراهم في صدقة الفطر. وعن عطاء: أنه كان يعطي في صدقة الفطر ورقا، ومما يدل لهذا القول أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أغنوهم ــ يعني المساكين ــ في هذا اليوم) والإغناء يتحقق بالقيمة كما يتحقق بالطعام.” [12]

  • وقت أداء زكاة الفطر.

يكون وقت إخراج زكاة الفطر على ثلاث:

الأول: إذا أخرجها المسلم قبل يوم العيد بيومين أو يوم جائز، ودليل ذلك: حديث ابن عمر رضي الله عنه وفيه: “وكان ابن عمر يعطيها الذين يقبلونَها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين” رواه البخاري[13].

الثاني: إذا أخرجها بعد طلوع فجر يوم العيد وقبل صلاة العيد، عن ابن عباس، قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات.) رواه داود.[14]

الثالث: إذا أخرجها المسلم بعد صلاة العيد فهي صدقة وليست زكاة، للحديث المشار إليه سابقا.

واختلف فقهاء المالكية في وقت الأداء بين رواية أشهب ورواية ابن القاسم رحمهما الله، ويرجع أشهب أن المراد بالفطر في الحديث هو الفطر من رمضان بعد انقضاء شهره وأول ليلة من شوال، أما ابن القاسم يرد لفظ الفطر إلى ما ينافي الصوم، وذلك لا يكون إلا بعد الفجر من يوم العيد، ومدار هذا الاختلاف يعود إلى مسألة من مات قبل غروب الشمس من آخر يوم في رمضان، ومن مات بعد طلوع فجر يوم العيد. فترتب عن هذا الاختلاف اختلاف في حكم زكاة الفطر بين من مات بعد غروب الشمس وقبل طلوع فجر يوم العيد.

والقول الأشهر عند الجمهور أن زكاة الفطر تجب بغروب شمس ليلة العيد. وعند الأحناف تجب بطلوع الفجر الثَّاني من يوم العيد.

ثانيا: مقاصد زكاة الفطر.

زكاة الفطر امتثال وطاعة لله تعالى:

قال الله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى، وذكر اسم ربه فصلى﴾ سورة الأعلى، الآية 15، 14.

قال ابن عاشور رحمه الله ( ت1393ه) ” معنى تزكى: عالج أن يكون زَكِيًّا، أي بذل استطاعته في تطهير نفسه وتزكيتها كما قال تعالى: ﴿ قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها﴾ سورة الشمس، الآية 9، 10، فمادة التّفعل للتّكلف وبذل الجهد، وأصل ذلك هو التوحيد والاستعداد للأعمال الصالحة التي جاء بها الإسلام ويجيء بها، فيشمل زكاة الأموال.

(وذكر اسم ربه) بالإقبال على طاعته وعبادته وهو المشار إليه بقوله: فصلى والصلاة تشير إلى العبادة وهي في ذاتها طاعة وامتثال يأتي بعده ما يشرع من الأعمال.” [15]

فالمسلم يؤدي زكاة الفطر رغبة في طاعة الله تعالى وتكملة لطاعة الصوم خلال شهر رمضان.

زكاة الفطر جهاد:

زكاة الفطر فيها إشارة ودلالة على نعمة البدن حيث منح الله تعالى هذا البدن القدرة على الإمساك عن شهوتي الطعام والشراب والنكاح طيلة نهار شهر رمضان، فأمد الله عز وجل الإنسان القوة على تحمل عبادة الصيام الواجبة. وفي علاقة هذه العبادة بزكاة الفطر تجلت في نقل حال الفرد المسلم من جهاد للنفس إلى جهاد بالمال لأجل بناء الجماعة المسلمة وذلك بتحقيق رابطة الأخوة الإسلامية في بعدها الاجتماعي التكافلي.

زكاة الفطر طهارة روحية:

وإذا كان الصوم في شهر رمضان جُنة للبدن من الأمراض وطهارة من الجراثيم والمخلفات المضرة بالجسد فإن يوم الفطر؛ العيد، الزكاة فيه طهارة من ذنوب البدن المقترفة خلال شهر رمضان من رفث وغيبة ولغط وكل ما يتصل بالنفس الأمارة بالسوء، فتكون الطهارة شاملة وكاملة طهارة للبدن من خلال الصوم وطهارة للروح من خلال أداء زكاة الفطر. وبهذا تتحقق روح العبادة بالامتثال لله تعالى وفق تنوعها من طاعة جسدية إلى طاعة مالية وروحية.

زكاة الفطر مواساة للفقراء والمحتاجين:

عن ابن عباس رضِي الله عنْه  قال: “فرضَ رسولُ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – زكاة الفِطْر طُهرةً للصَّائم من اللَّغو والرَّفث، وطُعمةً للمَساكين” رواه أبو داود[16].

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه[17]، هذا الفرح يلمسه العبد في الدنيا وقت المغرب بعد صوم النهار، ويوم العيد عند إخراج زكاة الفطر لأنه أفرح فقيرا ومحتاجا قد لا يلمسه في الدنيا، فيجده عند لقاء ربه مع الفرح الأول المعجل له في حياته.

     إن فقه زكاة الفطر يمكن العبد من أداء هذه العبادة على الوجه الذي يرضاه المولى عز وجل، فيطبق الأحكام المتصلة بها وفق ما نص عليه الشرع، ويعمل على تحقيق مقاصدها ليحصل له الثواب في الدنيا والآخرة، وبهذا يوجه سلوكه إلى المقصد العام من الحياة: هو تحقيق العبودية لله تعالى في كل الأعمال والطاعات.

المصادر والمراجع

ابن فارس(ت395ه)، مقاييس اللغة، تحقيق: عبدالسلام محمد هارون، دار الفكر، الطبعة الثانية، 1399ه/1979م.

أبو الوليد بن رشد(ت520ه)، المقدمات الممهدات، تحقيق محمد حجي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1408هـ/ 1988م .

شرف الدين أبو النجا الحجاوي(ت968ه)، الإقناع لطالب الانتفاع، تحقيق عبدالله التركي.

 يوسف القرضاوي، فقه الزكاة، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، 1393ه/1973م.

أبو عبدالله البخاري (ت 256هـ )، الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه، تحقيق محمد زهير، الطبعة الأولى، دار طوق النجاة، 1422ه.

أبو داود السجستاني(ت275ه)، سنن أبي داود، تحقيق محمد محيي الدين، المكتبة العصرية، بيروت، د ط.

الطاهر بن عاشور(ت1393ه)، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، تونس، د ط، 1984م.

مسلم(ت261ه)، صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د ط.


[1] ابن فارس(ت395ه)، مقاييس اللغة، تحقيق: عبدالسلام محمد هارون، كتاب الزاي، باب الزاي والكاف وما يثلثهما، مادة  “ز ك ى “، دار الفكر، الطبعة الثانية، 1399ه/1979م، ج3/ 17.

 ابن فارس، مقاييس اللغة، ج4/510.[2]

[3] أبو الوليد بن رشد(ت520ه)، المقدمات الممهدات، تحقيق محمد حجي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1408هـ/ 1988م، ج1ص334 .

[4] شرف الدين أبو النجا الحجاوي(ت968ه)، الإقناع لطالب الانتفاع، تحقيق عبدالله التركي، ص449.

 يوسف القرضاوي، فقه الزكاة، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، 1393ه/1973م، ص917.  [5]

[6] القيرواني(386ه)، الرسالة، دار الفكر، د ط، ج 1ص71.

[7] أبو الوليد ابن رشد(ت520ه)، المقدمات الممهدات، تحقيق محمد حجي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1408هـ/ 1988م، ج2ص332 .

[8] المصدر نفسه، ص333.

 السلت نوع من الشعير ليس له قشر يشبه الحنطة.[9]

 الدُخن نبات يشبه السمسم، ويطلق عليه في المغرب بإيلان.  [10]

 الأقط: اللبن المجفف الذي ينزع زبده. [11]

[12] يوسف القرضاوي، فقه الزكاة، ج1ص948 ، 949.

[13] أبو عبدالله البخاري (ت 256هـ )، الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه، تحقيق محمد زهير، كتاب الزكاة،  بَابُ صدقة الفطر على الحر والمملوك، رقم الحديث 1511، الطبعة الأولى، دار طوق النجاة، 1422ه، ج2، ص131.

[14] أبو داود السجستاني(ت275ه)، سنن أبي داود، تحقيق محمد محي الدين، كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر، 1609، المكتبة العصرية، بيروت، ج2، ص111.

 الطاهر بن عاشور(ت1393ه)، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، تونس، د ط، 1984م، ج30، ص288.[15]

 تم تخريجه سابقا.[16]

 مسلم(ت261ه)، صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د ط، ج2، ص807. [17]

اظهر المزيد

عبد المجيد المعلم

باحث في الدراسات الإسلامية

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: