فقه الإنتاج

قال الله تعالى: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُون ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ.يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل 68-69)

رب سائل يسأل: لماذا تمضي السنين والأيام على مؤسسة ما ودار لقمان على حالها؟ ألَمْ يوحى إليها كما أوحي إلى النحل؟ لِمَ تؤكل الثمرات ولا تُسلك الغمرات؟ ولِمَ تُنتَج أسباب الشقاء عوض شراب الشفاء؟ ولم لا تتفكر كل مؤسسة في ما يعيقها عن الإنتاج فتتجنب طحن الهواء والحرث في الماء.

وقبل الحديث عن فقه الإنتاج، نود أن نوضح المقصود بمفهوم المؤسسة في هذا المقال. المؤسسة هنا هي كل إطار محدد بقوانين تُسَخّر لأجله موارد بشرية ومادية وأوقات قصد تحقيق هدف معين. ومن ثم فإن بلوغ الأهداف المرجوة وملامسة الثمار رهين في فقه الإنتاج بستة أركان:

وضوح الرؤية

تشكل وضوح الرؤية لدى العاملين في مؤسسة ما أهم عامل من عوامل النجاح، إذ بدونها يتخبط الرئيس والمرؤوس في الضبابية. ولا يعلم العامل أو العضو أين تتجه السفينة حتى يركز جهده وطاقته في الاتجاه الصحيح. ويتم تجنب التضارب في الآراء والتشتت في الأفكار بالرغم من كون النوايا حسنة والجهود صادقة. إذا لا بد من توضيح الرؤية العامة للمؤسسة لدى جميع العاملين بها والتأكد من فهم كل واحد لمهمته بالضبط وفهم موقع تلك المهمة الجزئية في العمل الكلي للمؤسسة. فالتكامل والتعاضد والفهم المشترك هو ما يجب أن يسود مناخ المؤسسة حتى تضطلع بالدور الذي وجدت من أجله.

الإعداد والتكوين

لابد من وضع برنامج جاد من أجل إعداد العاملين على اختلاف مستوياتهم قبل كل مهمة. فالإعداد والتكوين وإن كان يبدو مكلفا في الوهلة الأولى، لكنه يمكن المؤسسة من تجنب العثرات المتكررة والأعطاب التافهة ومن ثم يكون الربح في الوقت وفي الإنجاز وفي الإتقان. كما أن التكوين هو مناسبة لتبادل الآراء حول مشكل ما قد لا يخطر على بال المدير رغم خبرته الطويلة، ويدلي به من هو أقل مرتبة منه. فالحكمة ضالة الإنسان العاقل من أي مصدر خرجت فالمؤسسة أولى بها. ولانحتاج التأكيد على دور التكوين في عالم متغير على الدوام.

المصاحبة والتدريب

لا توجد طريقة أفضل للتعلم واكتساب الخبرة أجدى من وضع متعلم جديد في احتكاك مع عضو ذي خبرة في المؤسسة. فالمصاحبة المتدرجة والتدريب الواعي يمكنان المؤسسة من استثمار الطاقات الجديدة في الاتجاه الصحيح مع رئب الخلل في الفهم أو التطبيق لدى المتلقي. وهنا تجدر الإشارة إلى كون هذه العملية – أي التدريب والمصاحبة – ليست حكرا على العاملين الجدد وإن كانوا هم الأولى بها، لكنها تهم كل العاملين على جميع الأصعدة وكلما استجد أمر ما في المؤسسة. فالخبرة الموسوعية لا توجد إلا في أذهان الكسالى والمتكبرين الذين يشكلون خطرا يهدد حياة المؤسسة عاجلا أو آجلا.

الاعتراف والتشجيع

كم هو جميل أن ننسب الفضل لأهله. بل كم هو أجمل أن نعترف أن نجاحا ما كان بفضل رجل أو امرأة ما. فالاعتراف بمجهودات الأشخاص وتشجيعهم على الملأ لمما يساهم في تقوية شعورهم بالانتماء للمؤسسة وبالتالي تفانيهم في خدمة أهدافها وإصلاح خللها ومحاربة فكرة [لا يهمني الأمر]. ولا نغفل عن الآثار الإيجابية على الجميع وإذكاء روح التنافس الشريف والطموح لدى العاملين. والتشجيع قد يكون ماديا أو معنويا أو هما معا بحسب النتائج والظروف والأشخاص. ولا يتعارض التشجيع والاعتراف مع تقويم الأخطاء وإصلاح الخلل. فليس كل من أخطأ يمحى من قائمة التشجيع وليس كل من شجع بمنئى عن التقويم.

التقييم والتقويم

لا يمكننا أن نتصور مؤسسة تريد بلوغ أعلى مراتب الجودة والأداء والإنتاج دون أن تضع آليات للتقييم والتقويم. فكل عمل إنساني يحتاج إلى نقد ومساءلة ومقارنة النتائج المحصل عليها بالأهداف المسطرة واستخراج الفوارق الإجابية أو السلبية على حد سواء. فإن كان الفارق إيجابيا فلا بد من وضع الأصبع على العوامل التي ساهمت في النجاح من أجل استثمارها ووضعها في بنك التجارب الناجحة وتعميمها على باقي العاملين. وإن كان الفارق سلبيا فلا يخلو كذلك هذا الوضع وإن كان صعبا من فائدة، أقلها معرفة الأخطاء وتجنبها في المستقبل وعدم تكرارها من طرف الآخرين. والتقويم والتقييم قد يكون يوميا وأسبوعيا وشهريا وسنويا. والاستعانة بالوسائل الحديثة وعلوم الإحصاء أصبحت من الأمور البديهية لدى كل مؤسسة تحترم نفسها.

التطوير والتجديد

بعد قطع كل المراحل الخمسة السابقة يأتي دور التطوير والتجديد ليغلق حلقة الإنتاجية ويصب بها في بوتقة المحطة الأولى الخاصة بوضوح الرؤية الحالية والمستقبلية للمؤسسة. فلكل مرحلة من عمر المؤسسة خصائصها ومميزاتها التي تختلف بحسب الظروف والبيئة المحيطة، مما يستدعي تطوير أساليب جديدة وابتكار طرق حديثة تتماشى مع الواقع الجديد وتروضه لحساب أهداف ورؤية المؤسسة. ولا يرفض التطوير والتجديد إلا من يؤمن بمقولة [أنا ومن بعدي الطوفان] طوفان إن لم نطفئ فتيل أنانيته، فإنه لا يقتصر على شخص بعينه بل قد يعصف بالمؤسسة جميعها، صالحها وطالحها.

ختاما، إن كل ركن من هذه الأركان له انعكاس على وجود وجودة الإنتاج. فلا يلومن أحد الثمرة، ولتسأل كل مؤسسة نفسها هل رعت الشجرة؟

والحمد لله رب العالمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: