فضل الله تعالى

يقول الله تعالى:[ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، هو خير مما يجمعون]يونس:58. قيل بفضل الله: القرآن، وبرحمته: الجنة. وقيل بفضل الله: الإيمان، وبرحمته: الإسلام. وقيل غير هذا. ونحن نأخذ الأمر على العموم، نفرح بالقرآن وبالإيمان وبالإسلام، ونفرح بالجنة وبأن جعلنا الله من أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونفرح بكل النعم التي أنعم الله تعالى بها علينا ظاهرة وباطنة من نعم الإيجاد والإمداد والإرشاد. وقبل كل هذا نفرح بالله تعالى المنعم الذي خلقنا ورزقنا وهدانا إلى الصراط المستقيم.
يقول الله تعالى يمنّ ويذكرنا بفضله علينا:
[ ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا]النساء:83.
[ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسّكم في ما أفضتم فيه عذاب أليم]النور:14.
[ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا، ولكن الله يزكي من يشاء، والله سميع عليم]النور:21.
فإذا الخير كل الخير في فضلِ الله علينا ورحمتهِ بنا في الدنيا والآخرة.
والفضل في اللغة: الزيادة عن الاقتصاد، لكن المقصود به هنا: أن يعطي الله تعالى عبده من نعمه ما لا يتوقّعه. في الدنيا أرزاق مادية ومعنوية، وفي الآخرة أفضل ما يعطيه الله تعالى العبدَ: النظر إلى وجهه الكريم.

هذا فضل الله تعالى، فبماذا نقابله؟
يقول الله تعالى يواخذ الناس على عدم شكرهم له رغم ما يمن به عليهم من فضله:
[ إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون]البقرة:243.
[ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون]يوسف:38.
إذا كان أكثر الناس لا يشكرون الله تعالى، يعني القليل منهم من يشكر الله على فضله ورحمته وكرمه. وهذا القليل نجد العامة منهم يشكر الله باللسان فقط. فأين منهم من يشكر الله بالقلب، وهو شكر الخاصة. وأين منهم من يشكر الله بالعمل، وهو شكر خاصة الخاصة من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ومن تبعهم بإحسان.
فإذا شكر الله تعالى ثلاث درجات. شكر باللسان وشكر بالقلب وشكر بالعمل.
الشكر باللسان: بمعنى أن يقول الإنسان: الحمد لله والشكر لله ويكثر منه. وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صيغا كثيرة نعبر بها عن شكرنا لله تعالى على نعمه التي نتقلب فيها صباح مساء، وفي كل لحظة ووقت. فمثلا علمنا حين نصبح أن نقول:” اللهم ما أصبح بنا من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر على ذلك“. وفي هذا الدعاء اعتراف كامل بالنعمة ونسْبها إلى الله وشكره عليها.
الشكر بالقلب: ويكون بالرضى والتسليم والمحبة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم:” أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني بحب الله، وأحبوا آل بيتي بحبي“. فحب الله والرضى به والتسليم له هو تعبير قلبي عن شكر الله على نعمه الكثيرة، وأعظمها نعمة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الشكر بالعمل: وهي درجة ثابتة في حقّ الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. شهد لهم بثبوتها الله عز وجل في كتابه العزيز. فقال سبحانه وتعالى في حقّ آل داود عليه السلام: [اعملوا آل داود شكرا، وقليل من عبادي الشكور]. فعبر سبحانه بالشكور عن صاحب الشكر بالعمل، وأكد أنهم قلة من عباده. ويقول في حقّ سيدنا نوح عليه السلام: [ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا]الإسراء:3. فقرن سبحانه مقام العبدية بمقام الشكر. سيدنا محمد وهو إمام الشاكرين وسيدهم لما قام من الليل بين يدي الله تعالى حتى تفطرت قدماه من شدة القيام، قالت له سيدتنا عائشة رضي الله عنها: ألم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال لها صلى الله عليه وسلم: “أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا“. لا حظوا التعبير الحقيقي عن الشكر كيف صاغه صلى الله عليه وسلم في قالب العبادة، فقد كان صلى الله عليه وسلم يستمتع بالعبادة في الوقت الذي نستثقلها نحن كشيء نحمله على ظهورنا.
وهذا الشكر بكل معانيه ودرجاته عندما يقدمه العبد لربه، إنما يقدمه لنفسه. يقول الله تعالى:[ قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر، ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن ربي غني كريم]النمل:40. كيف يكون ذلك الشكر لنفسه؟ يكون بالزيادة. [وإذ تأذّن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم]إبراهيم:7، [ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم]النساء:147. فشكر العبد لربه على نعمه هو طلب للزيادة من الخير ودفع للعذاب والشرّ.
والبعد الإجرائي أو البرنامج العملي في كل ما قيل عن الشكر هو ما فصّله الله تعالى ووضّحه في آية كريمة من القرآن الكريم، وقد حدد هذا البرنامج في عناصر ثلاثة مرتبة ومنظمة بشكل مقصود. يقول الله تعالى:[ فابتغوا عند الله الرزق، واعبدوه، واشكروا له، إليه ترجعون]العنكبوت:17.
فالمعادلة إذا تتكون من:
1- ابتغاء الرزق عند الله لا عند غيره، وذلك باتخاذ الأسباب والدعاء والتوكل عليه.
2- عبادته سبحانه وتعالى وذلك بأداء ما فرضه الله تعالى وأمر به، واجتناب ما حرمه ونهى عنه.
3- شكر الله تعالى وذلك بأن يمتلأ العبد بذكر المنعم عليه حمدا وشكرا، قولا باللسان ومحبة بالجنان وعملا بالأركان. نقول: دابة شكور: أي ممتلئة بسمنها. وضد الشكر: الكفر بمعنى نسيان النعمة ونكرانها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: