غزوة الفتح

فتح مكة أو (الفتح الأعظم) كما سميت في كتب السيرة.

و هو المقصود من قوله تعالى : (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل)

الفتح: أي فتح مكة.

وذكره عز من قائل في قوله تعالى: (إذا جاء نصر الله والفتح)

على أحد أوجه التفسير…

 وكان في  رمضان للسنة  الثامنة من الهجرة.

 وسببه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عقد صلح الحديبية مع قريش،  كان من بنود المعاهدة وشروط الصلح أن توضع الحرب بينهما عشر سنين، حتى يأمن الناس، وتقر النفوس، ومن أحب أن يدخل في عقد محمد صلى الله عليه وسلم وعهده دخل، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل.

فدخلت خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم – وخزاعة أكثرهم آنذاك غير مسلمين- ودخلت بنو بكر في عهد قريش.

وقد كان بين هاتين القبيلتين(خزاعة وبني بكر ) دماء في الجاهلية.

 وفي تلك السنة (الثامنة) اعتدت بنو بكر على خزاعة، فقتلت منها نحو عشرين رجلا، وأمدت قريش بني بكر بالمال والسلاح، فلما بلغ ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم غضب غضبا شديدا، وتجهز لقتال قريش إلا أنه لم يرد أن تعلم قريش بالخبر، تجنبا للقتال وخوفا من أن تستباح حرمة البلد الحرام…..

إلا أن صحابيا يدعى حاطب بن أبي بلتعة البدري كتب  كتابا سريا إلى مكة يخبرهم فيه بتوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، وأعطى الكتاب امرأة كافرة، وجعل لها جعلا إن هي أوصلته قريشا.

فأطلع الله رسوله على أمر الكتاب، فأرسل إلى  بعض أصحابه لاقتفاء أثر المرأة  فعثروا عليها وبحوزتها الكتاب.

 فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا، فقال له: ما حملك على هذا؟

فقال: يا رسول الله أما إني لمؤمن بالله ورسوله، ما غيرت ولا بدلت، ولكني كنت امرءا ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليه.

فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق.

 فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه شهد بدرا وما يدريك لعل الله قد اطلع على أصحاب بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم

ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لعشر مضين من رمضان، وفي الطريق أفطر وأفطر الناس معه لما لقوا من الجهد والمشقة في سفرهم، وكان عددهم حين خروجهم من المدينة عشرة آلاف، ثم انضم إليهم في الطريق عدد من قبائل العرب، وفي (مر الظهران) عثر حرس رسول الله على أبي سفيان واثنين معه، فأسروهم وجاؤوا بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسلم أبو سفيان، وقال العباس- الذي لقيه الرسول في الطريق مسلما مهاجرا إلى المدينة-: إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئا يفتخر به، فقال: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن»، ثم وصل الجيش مكة، فأعلن منادي الرسول: من دخل داره وأغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن.

و في الطريق كانت كتائب المسلمين تتبع بعضها بعضا، فمرت كتيبة الأنصار، عليهم سعد بن عبادة، معه الراية، فمر سعد على أبي سفيان، فقال: “اليوم يوم الملحمة،(أي المقتلة العظمى ) اليوم تستحل الكعبة.”

فلما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان، قال: ” ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ “

قال: “ما قال؟”

قال: كذا وكذا.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” كذب سعد-أي أخطأ- ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة. “

وسمع ضرار بن الخطاب شاعر قريش بمقولة سعد، فأنشد أبياتا يستعطف فيها النبي صلى الله عليه وسلم فقال :

يَــا نَــبِـيَّ الهُــدَى إِلــَيـْـكَ لَـــجَــا جَـيُّ قُـريـشٍ وَلَـاتَ حَـيْـنَ لَجَـاءِ

حِينَ ضَـاقَتْ عَـلَيهِمُ سَعَةُ الأرْ ضِ وَعَــادَاهُــمُ إِلَـــهُ الــسَّـــمَـــاءِ

وَالْتَقَتْ حَلْقَتَا البِطَانِ عَلَى القَوْ مِ وَنُـــودُوا بِــالصَّــيْـلَــمِ الصَّـلـعَـاءِ

إِنَّ سَعْدًا يُرِيدُ قَاصِمَـةَ الـظَّــهْـــ ــرِ بِـأَهْـلِ الـحَجُونِ وَالـبَــطْـحَــاءِ

خَـزْرَجِـيُّ لَـوْ يَسْتَطِيـعُ مِنَ الغَيْـــ ـظِ رَمَــانَــا بِــالــنِّـسـرِ وَالــعَـــوَّاءِ

وَغِـرُ الـصَّــدْرِ لَـا يَـهِـــمُّ بِـشَــيْءٍ غَيْرِ سَفْكِ الدِّمَا وَسَبْيِ النِّسَاءِ

قَدْ تَلَظَّى عَلَى البِطَاحِ وَجَاءَتْ عَـنْـهُ هِـنْـدٌ بِـالـسَّـــوْءَةِ الـسَّــــوآءِ

إِذْ تُنَـــادِى بِـــذُلِّ حَــــيِّ قُرَيـشٍ وَابْنُ حَـــرْبِ بِـــذَا مِنَ الشُّهَــدَاءِ

فَلِئِـــــنْ أَقْحَـمَ اللِّــــــوَاءَ وَنــــَادَى يَـــا حُمَــــاةَ اللِّــــوَاءِ أَهَـلَ اللِّـــــوَاءِ

ثُــــمَّ ثَـــابَتْ إِلَيهِ مَـــنْ بِهِــمُ الخَـزْ رَجُ وَالأَوْسُ أَنْجُــــــمُ الـــــهَيْجَــــاءِ

لَتَـكُـــونَــنَّ بِـالبِطـَـــاحِ قُـــرَيـــــــشٌ فَقْعَــــةَ الـقَـــاعِ فِـي أَكُــفِّ الإِمَــاءِ

فَـــانْهِيْنَــــهُ فَإِنـَّــــهُ أَسَـــــدُ الأُسْـ ـدِ لَدَى الغَابِ وَالِــغٌ فِي الدِّمَــاءِ

إِنَّـــــهُ مُطْــــرِقٌّ يُرِيـــدُ لَنَـــــا الأَمْـ ـرَ سُكُــوتًـــا كَـــالحَيَّــــةِ الصَّمَّـــــاءِ

فكان هذا سببا في أن النبي صلى الله عليه وسلم نزع الراية من سعد، وأعطاها الزبير بن العوام.

فدخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وعفا عن كل الناس، إلا عن أربعة رجال وامرأتين.

وإنما أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمهم لكثرة الأذى الذي ألحقوه برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأصحابه…..

ثم أسلم بعضهم وتشفع في بعضهم، وقتل منهم رجلان وامرأة.

 و دخل رسول الله مكة وهو راكب راحلته، منحن على الرحل، حتى لتكاد جبهته تمس قتب الراحلة شكرا لله على هذا الفتح الأكبر، ثم طاف الرسول بالبيت، وأزال ما حولها من أصنام بلغت ثلاثمائة وستين، ثم دخل الكعبة وصلى ركعتين فيها، ثم وفق على بابها وقريش تنظر ما هو فاعل بها، فقال فيما قال ساعتئذ: يا معشر قريش، ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا خيرا؛ أخ كريم وابن أخ كريم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اليوم أقول لكم ما قال أخي يوسف من قبل {لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} اذهبوا فأنتم الطلقاء

ثم اجتمع الناس حول الصفا ليبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فجلس إليهم الرسول على الصفا، وأخذ بيعتهم على السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا، بايع الرجال أولا، ثم النساء، ولم يصافح واحدة منهن، وكان فيمن بايعهن هند زوجة أبي سفيان التي أهدر الرسول دمها فيمن أهدر يوم الفتح، فلما علمها، عفا عنها ببيعتها.

وفي يوم الفتح أمر رسول الله بلالا أن يؤذن لصلاة الظهر على ظهر الكعبة، فاستعظم ذلك الحاضرون من قريش ولم يسلموا بعد، ولكن رسول الله أراد ذلك عمدا لسر عظيم وحكمة بالغة.

ولما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت الحرام يوم فتح مكة، رأى صور الملائكة وغيرهم، فرأى إبراهيم عليه السلام مصوراً في يده الأزلام يستقسم بها، فقال: قاتلهم الله جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام، ما شأن إبراهيم والأزلام؟ ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً، ولكن كان حنيفاً مسلماً، وما كان من المشركين  ثم أمر بتلك الصور كلها، فطمست.

قال ابن عباس: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح على راحلته، فطاف عليها، وحول البيت أصنام مشدودة بالرصاص، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يشير بقضيب في يده إلى الأصنام ويقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً.

فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه، ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه، حتى ما بقي منها صنم إلا وقع.

ولم تمض على فتح مكة إلا شهور، حتى كانت أصنام جزيرة العرب كلها قد سقطت عن عروشها، وكفر بها عبَّادها، وأصبح من كان يعبدها بالأمس يخجل من تفاهة رأيه إذ كان يعبد حجراً لا يضر ولا ينفع ولا يغني عن حوادث الدهر شيئاً.

لقد قامت رسالة الإسلام أول ما قامت على التشهير بهذه الأصنام الآلهة، والتشنيع على عبادتها والدعوة إلى دين الفطرة: عبادة الله خالق الكون ورب العالمين، وقاومت جزيرة العرب وفي مقدمتها قريش هذه الدعوة، ورأت فيها عجباً عجاباً  أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب.

وماجت جزيرة العرب واضطربت لهذا الدين الجديد، وحاولت وأْده والقضاء على رسوله بكل وسيلة، ولكن النصر كان حليفا للحق ودعوة التوحيد، وكانت إرادة الله غالبة، فدخل الناس في دين الله أفواجا، وكانت بداية انتشار النور ودين الحق ليعم الآفاق، مزيحا ظلام الشرك والضلال….

وصدق الله العظيم إذ يقول: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم ءاياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين).

المصادر والمراجع:

-صحيح البخاري.

-سيرة ابن هشام.

-السيرة النبوية دروس وعبر لمصطفى السباعي.

اظهر المزيد

د. نبيلة الوزاني الثهامي

دكتورة في الدراسات الإسلامية

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: