منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

عوائق الحوار لدى أهل الكتاب، دراسة في العهد القديم

0
اشترك في النشرة البريدية

  الـتـصـمـيـــم

        تقديــم

أولاً. مقدمات بين يدي الموضوع

  1. التدين فضيلة أم عبء؟
  2. في حدود الحوار ومجالاته
  3. في التعريف بالعهد القديم
المزيد من المشاركات
1 من 6

ثانياً. العهد القديم وقيم الحوار: عوائق وموانع

  1. ملامح الحوار بين الإنسان والخالق
  2. ملامح الحوار بين الجنسين
  3. ملامح الحوار بين أفراد الأسرة
  4. ملامح الحوار بين الشعوب

ثالثاً. آثار القيم الدينية المحرفة على مسألة الحوار

  1. في مجالي العلم والحضارة
  2. في مجالي السياسة والاجتماع

            خاتمة

تقديم:

الحمد لله كما ينبغي لجلاله وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وسلم.

كثيرة هي الكتابات التي تناولت أدبيات الحوار، وشروط نجاح المناظرة بين الطرفين المختلفين، ونظرا لكثافة حضور قيمة الحوار في الثقافة الإسلامية المستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية، فإن التأسيس النظري للحوار يبدو متكاملا وقويا، سواء من حيث الشروط الواجب توفرها في موضوع الحوار، أو الأخلاق التي ينبغي أن يتحلى بها المتحاوران، أو من حيث منهج الحوار والمنطق الذي ينبغي أن يحكمه…غير أن مفردة من بين ذلك النسق النظري، يظهر لي أنها لم تأخذ حظها الكافي من الدراسة، إنها مسألة التنبه إلى الخلفية النفسية التي يصدر عنها المحاور/الآخر في آرائه ومواقفه، فإن الوعي بهذه القضية أحد الشروط الأساسية في نجاح الحوار، لأنه سيؤثر لا محالة على المداخل التي يختارها المحاور، وعلى المنهج والأسلوب الذين سيعتمدهما في إدارة الحوار.

        لقد سجل القرآن الكريم محاورة بين مؤمن وكافر، تعد نموذجا في تطبيق مسألة الوعي بنفسية المخالف: {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا} [الكهف 37]، ولنا أن نتساءل: ما فائدة أن يُذَكِّر المؤمنُ الكافر بأصل خلقته؟ لا شك أنه علم أن الباعث على كفره مسألة نفسية ينبغي التغلب عليها، إنها الاغترار بالمال والتكبر، فناسب ذلك أن يذكر له أصله المهين الحقير، المستوجب للتواضع وشكر الخالق الذي خوله نعم الإيجاد والإمداد. وفيه دلالة أخرى، حيث بين له بطريق القياس الخفي أن حالة الكمال والاستواء لا تتم للبشر إلا بعد مراحل النمو والتقلب في الأطوار (سواء في ذلك استواء الخلقة والرجولة، أو اكتمال الغنى والرفاهية)، وما كان ذلك شأنه فهو معرض للتغير والتبدل، فلا مسوغ للاعتداد به والتكبر وكفر النعمة.

        وحيث أذكر مسألة الوعي بنفسية المحاوَر، فإنني أروم من خلال هذه الدراسة أن نكون على بينة من الخلفيات النفسية التي تحرك أهل الكتاب، وأن نكشف عن مقدار أثر عقائدهم في تشكيل خلفياتهم؛ وفي هذا السياق فإنني أقدر أن نصوص العهد القديم كان لها الأثر البالغ في بنائهم النفسي، مما يقتضي دراسة لتك النصوص واستجلاء حجم تأثيرها ، فإن اختيار مواضيع الحوار معهم، واعتماد مداخل مناسبة لمحاورتهم، بل إنجاح الحوار معهم رهين بذلك.

أولا: مقدمات بين يدي الموضوع:

إن التدين الصحيح لا يمكن إلا أن يكون التعبير الأمثل عن الحوار في أرقى أشكاله، ذلك أن الدين –أقصد السماوي- يسعى إلى تأسيس العلاقات الصحيحة بين الله تعالى والإنسان والكون، وليست تلك العلاقات إلا ثمرة الحوار البناء في مختلف أبعاده الروحية واللفظية والرمزية. ولأن الدين هو العامل الأكثر تأثيراً في أفهام الناس وسلوكهم، فإنه بقدر ما ينحرف عن مقاصده السامية، وتستحيل وجهته الربانية، يصبح وبالاً على أهله وعاملاً من أشد عوامل الفرقة والتناحر.

تأسيساً على تلكم المقدمة، أحاول في هذا الموضوع، الكشف عن أثر النص الديني لدى أهل الكتاب في إعاقة الحوار وتضييق آفاقه الرحبة؛ وذلك من خلال دراسة النصوص المقدسة لدى اليهود والنصارى، مقتصرا على “العهد القديم”، والوقوف عند جملة من النصوص التي لا يساورنا شك في أنها تعرضت للتحريف والعبث، فأصبحت تعكس نفسية الغالين والحاقدين الذين يِؤججون الصراعات ويوصدون أبواب الحوار.

        تهتم المداخلة ببيان مواطن عوائق الحوار في النص الديني المحرف، في مستويات مختلفة يُفترض أن يكون التجاوب والتناغم فيها هو الأصل الأصيل والركن المتين، غير أنها أضحت بفعل أيدي العبث والتحريف الآثمة، مجالات لإذكاء عوامل الصراع وروح العصبية والفرقة. سأقف وقفات نقدية عند مستوى الحوار العمودي  -أو الذاتي- (الحوار بين الإنسان والخالق)، وكذا عند بعض مستويات الحوار الأفقي (الحوار بين الجنسين – الحوار بين أفراد الأسرة – الحوار بين الشعوب)؛ ومن جهة أخرى تعنى هذه الكلمة بتلمس الأثر السلبي الذي خلفته تلك النصوص في واقع الناس، وبيان تجليات انسداد آفاق الحوار في العالم المعاصر، خصوصاً بعد أن سخر الغرب علومه وإمكانياته، لعولمة ما استقر في مخياله من اللوثة الناشئة عن النص الديني المحرف.

1. التدين فضيلة أم عبء؟

حري بنا أن نتساءل –ونحن بصدد نقد نص ديني- عن قيمة التدين في حياة الإنسان، عن مقدار الكسب المادي والمعنوي الذي يجتنيه المتدين من وراء التزامه بتعاليم دينه، ومراعاته للتوجيهات العلوية والإرشادات القدسية. قد يبدو التساؤل غريبا إذا ما جعلنا في الاعتبار أن الدين في أصله هو مَحضن الأخلاق، ومصدر كل الفضائل والقيم، والباعث على الطمأنينة والسلام، فكيف يكون موضع شك وتساؤل؟ غير أننا إذا ما استدعينا تجارب البشرية في التعبير عن أشكال التدين، وجدنا في غير قليل من الحالات أن التدين كان عبئا على بني البشر، كلفهم ألوانا من الصراع والاحتراب الدنس، وكثيرا من هدر الكرامة الإنسانية، بل إن المشاهَد من أحوال الناس ليدلك على أن التدين كثيرا ما يتحول بصاحبه إلى نوع من القسوة والفضاضة والعنف.

إن الدين (بحسبانه توجيهات ربانية مطلقة)، والتدين (باعتباره استجابة بشرية نسبية لتلك التوجيهات)، تعتريهما جملة من العوارض والمنغصات، التي تحيل الدين إلى سلاح كأخطر ما يكون السلاح، وتجعل التدين عبئا تنوء به رقاب أهله؛ تلك العوارض هي التي جمعها حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين “[1].

إن العلاقة بين الدين والتدين لا تخلو أن تكون منتجة لإحدى المعادلات المذكورة أسفله، وأقبحها ما عبَّر عنه أحد مفكري الغرب بمقولة تلخص حالة الدين حين يغدو حِملا مُضنيا، قال: “لدينا ما يكفي من الدين لجعلنا نَكْرَهُ، لكن ليس ما يكفي لجعلنا نحب بعضنا البعض”[2]:

  • دين صحيح + تدين سليم = خير وبركة
  •  دين صحيح + تدين فاسد = خلل وأخطاء
  • دين محرَّف + تدين فاسد = عبء ونقمة

إن التدين السليم هو في نفس الوقت محاولة لالتزام تعاليم الدين وتوجيهاته، وهو مجاهدة لمنع النفس من أن يكون لها حظوظ تضاهي الإرشاد الديني أو تناقضه، ذلك إذا كان الدين في أصله صحيحا ربانيا، أما إن تعكر صفوه وتكدر معينه، فإن التدين حينذاك سيتحول إلى مركبات من الزلل والخطَل، ويصبح شره مستطيرا على البشرية. وقد كتب الشيخ المراغي كلاما نفيسا في بيان التقابل بين التدين الخالص والتدين المشوب بالأهواء والغرائز، أنتخب بعضه اختصارا: “إن الإنسان لا يسيره العقل وحده ولكن تسيره أيضا غرائز حيوانية ركبت فيه، ومن هذه الغرائز حب الأثرة والغيرة، والخوف والشك. وقد أضيف إلى ذلك اختلاف الأديان والمذاهب، فوُجد عامل آخر للتفرق، حتى إنه عندما يلوح للباحث أن الإخاء المنشود تدافعه كل تلك النوازع في الإنسان، يبدو له أنه مطلب لا ينال في هذه الحياة، إذ يهوله ما يحتكم فيها من شرور تصرفها تصريفا جائرا شرسا لا قلب له ولا وجدان… نعم إن الإنسانية لتطيف بخيالها ذكريات من جلاد قاس مخيف أدار رحاء الخلاف الديني، وكان فيه الشعور الديني الحاد الجاهل قوة طائشة دفعت إلى عنف وتدمير رهيب مروع… لكن المتدين مع ذلك كله… يدرك أن تلك الذكريات المروعة وذلك البعد عن الغاية النبيلة ليسا أثرين لنقص في طبيعة التدين أحدث ذلك كله، بل إن ذلك في الحق إنما سببته غلبة واقعية الحياة على مثالية التدين، فتحكمت الحياة في التدين، حين كان ينبغي أن يحكم التدين في الحياة؛ وسببته محاولات أشخاص خالين من الضمائر استغلوا الشعور الديني استغلالا ماديا في سبيل مآرب لا نثير دفين مخزياتها”.[3]

وإذا تجاوزنا تدين الفرد للحديث عن تدين الجماعة، فإن دخول العوارض هنا يصبح جالبا لصنوف من الشرور لا يعلم مداها إلا الله تعالى؛ إن التدين الجماعي الفاسد يدعو إلى التوحد على أساس العصبية المقيتة، والانغلاق على الذات ورفض الآخر، وللأسف فإن “الحب والصداقة والاحترام لا توحد الناس مثلما تفعل كراهية شيء ما”[4].

في هذا السياق يصبح الحوار فريضة بشرية، يلوذ به الإنسان في خاصة شأنه ليقيه من غوائل نفسه وغرائزها المتمردة، كما تعتصم به الجماعات لتخفف من وطأة الانجرار وراء العصبيات السيئة. فليس الحوار مجرد وسيلة للتخاطب والتواصل بين طرفين، بل هو نظام متكامل من القيم الأخلاقية والمنهجية التي تنبع من كينونة الفرد أولا، ثم تسري في مختلف تفاصيل العلاقات التي يربطها بغيره.

2. في حدود الحوار ومجالاته

تفيدنا معطيات اللغة بأبعاد واسعة فيما يتصل بمعنى الحوار، سأقف عند بعضها من أجل استجلاء حدوده ومجالاته:

الحاء والواو والراء ثلاثة أصول: أحدها لون، والآخَر الرُّجوع، والثالث أن يدور الشيء دَوْراً.

أمّا الرجوع، فيقال حارَ، إذا رجَع، قال الله تعالى: {إنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ، بَلَى} [الانشقاق 14- 15]

وتقول: كلَّمتُه فما رجَعَ إليّ حَوَاراً وحِوَاراً ومَحُورَةً وحَوِيراً.والأصل الثالث المِحْور: الخشبةُ التي تدور فيها المَحَالة.

والمُحَاوَرَةُ: المُجاوَبَةُ، والتَحاوُرُ: التجاوُب، ويقال: كلَّمتُه فما أحارَ إليَّ جواباً، وما رجَع إليّ حَويراً ولا حويرةً، ولا مَحورةً، ولا حِوَاراً، أي ما ردَّ جواباً.

وهم يَتَحاوَرُون أَي يتراجعون الكلام، والمُحاوَرَةُ: مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة، وقد حاوره.

وإِنه لضعيف الحَوْرِ أَي المُحاوَرَةِ…من الحِوَارِ الذي هو الرجوع… الأَحْوَرُ العقل، وما يعيش فلانٌ بأَحْوَرَ أَي ما يعيش بعقل يرجع إِليه .[5]

        من هذا الثراء اللغوي يظهر أن الحوار يحوم حول مع معاني الرجوع والدوران، والرجوع قد يأخذ شكلين: إما رجوع الشخص إلى عقله وتدبر الأمر في نفسه، ولذلك سمي العقل الأحور، أو رجوع الكلام من أحد المتحاورين إلى الآخر ثم من هذا إلى الأول، فيتداولون الكلام والنظر بحثا عن الحقيقة ومناطق الالتقاء بينهما. كما أن الدوران قد نتصوره عند الشخص المفرد بحيث يدير الفكرة في خلده ويقلبها على وجوهها، كما نتصوره بين طرفين يدور بينهما الرأي والنظر والتقصي عن حقائق الأمور.

        وهكذا فإن الحوار لا تتجلى معالمه إلا بتكامل جملة من العناصر الأساسية: أولها فِعل التعقُّل، أي مراجعة العقل، فالحوار التزام عقلاني وليس مجرد صناعة إنشائية، ثانيها القيم الأخلاقية، كالتحلي بفضائل التواضع والإنصات إلى المخالف ومحاولة فهمه، وثالثها القيم المنهجية، بحيث ينبغي أن يتصف المحاور بالشك المنهجي الداعي إلى معاودة التأمل والفكر وتقليب الرأي، ويتهم رأيه مرة بعد مرة حتى يستبين الحق.

        بهذه المعاني فإن الحوار حياة داخلية وفضيلة نفسية والتزام عقلي، قبل أن يكون له تجليات في خارج الكينونة، فالحوار في بعض مستوياته لا يستلزم وجود طرف خارجي، لأن الإنسان المفرد يحقق تلك الثنائية بين النفس والعقل، فيدور الرأي بينهما ويتردد شأنه بين النوازع الغريزية والعقل المحض؛ وقد أمر القرآن الكريم بممارسة هذا النوع من الحوار الداخلي، ليكون رِدْءاً للحوار الجماعي في إدراك الحقائق، قال عز وجل: {قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيد}ٍ [ سبأ 46].

قال الإمام البغوي (ت 516 هـ) في تفسير الآية: “آمركم وأوصيكم بواحدة, أي بخصلة واحدة، ثم بيّن تلك الخصلة فقال: {أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ}، لأجل الله، {مَثْنَىٰ}، أي: اثنين اثنين، {وَفُرَادَىٰ}، أي: واحداً واحداً، {ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ}، جميعاً أي: تجتمعون فتنظرون وتتحاورون وتنفردون، فتفكرون…وليس المراد من القيامِ القيامَ الذي هو ضد الجلوس، وإنما هو قيام بالأمر الذي هو في طلب الحق”[6].

وذكر الماوردي (ت 450 هـ) في قوله: {مَثْنَى وَفُرَادَى} ثلاثة أوجه: أحدها: معناه جماعة وفرادى، قاله السدي. الثاني: منفرداً برأيه ومشاوراً لغيره، وهذا قول مأثور. الثالث: مناظراً مع غيره ومفكراً في نفسه، قاله ابن قتيبة[7]. وزاد الإمام النسفي (ت 710 هـ) الآية بيانا بقوله: {لِلَّهِ} أي لوجه الله خالصاً لا لحمية ولا عصبية بل لطلب الحق {مَثْنَىٰ} اثنين اثنين {وَفُرَادَىٰ} فرداً فرداً…أما الاثنان فيتفكران ويعرض كل واحد منهما محصول فكره على صاحبه وينظران فيه نظر الصدق والإنصاف حتى يؤديهما النظر الصحيح إلى الحق، وكذلك الفرد يتفكر في نفسه بعدل ونصفة ويعرض فكره على عقله[8].

        انطلاقا من هذه المعاني الرحيبة، فإنني سأقف عند بعض نصوص العهد القديم مبينا ما تشتمل عليه من منافاة لقيم الحوار، ولعله لا يستغرب هنا أن نعتبر علاقة الإنسان بالله عز وجل نوعا من الحوار، بل هي أصل الحوار ومبدأه، لأنه رجوع إلى العقل ومسالمة للذات، ومن لم ينجح في الحوار مع ذاته أنى له أن يحاور غيره؟

3. في التعريف بالعهد القديم

“العهد القديم” مسمى أطلقه النصارى على الأسفار اليهودية, لتمييزها عن أسفارهم المقدسة المسماة بالعهد الجديد، فالأول يضم التوراة وجميع الأسفار المنسوبة للأنبياء قبل عيسى عليه السلام، أما الثاني فيضم الأناجيل وجميع الأسفار المكتوبة بعد عيسى عليه السلام. وهذه التسمية اجتهادية أخذها النصارى من قول سفر ارميا 31/31-33 “ها أيام تأتي يقول الرب وأقطع مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهدا جديدا ليس كالعهد الذي قطعته مع آبائهم يوم أمسكتهم بيدهم لأخرجهم من أرض مصر حين نقضوا عهدي فرفضتهم يقول الرب”. وقد استخدمت كلمة العهد في التوراة بمعنى الوعد الصادق من الله للإنسان[9]. والنصارى يأخذون بالعهدين معا، انطلاقا من قاعدة أن المسيح عليه السلام لم يأت لينقض ناموس موسى عليه السلام بل ليكمله. نصوص العهد القديم تسمى عند اليهود بأسماء أشهرها (التناخ)، ويكتبونها بالعبرية (ت، ن، ك) وهي حروف اختصار من الألفاظ: توراة، نبيئيم (الأنبياء)، كتوبيم (الكتب)، وهي الأجزاء الثلاثة التي يتألف منها العهد القديم، ومن الأسماء المستعملة عندهم أيضا (المِقْرا) أي النص المقروء.

القسم الأول: التوراة (خمسة أسفار)، كلمة مستعربة أصلها العبري تورا، بمعنى القانون والتعليم والشريعة.
سفر التكوين (50 إصحاحا) – سفر الخروج (40 إصحاحا) – سفر اللاويين أو سفر الأحبار (27 إصحاحا) – سفر العدد (36 إصحاحا) – سفر التثنية (34 إصحاحا).
القسم الثاني: النبيئيم يعني الأنبياء (وهم فئتان)
1. الأنبياء الأولون وتشتمل على أسفار:
يوشع – القضاة – صموئيل الأول – صموئيل الثاني – الملوك الأول – الملوك الثاني.

2.  الأنبياء الآخرون (وهم درجتان)

  •  الأنبياء الكبار وتشتمل على أسفار:
    إشعياء- إرمياء – حزقيال
  • الأنبياء الصغار اثنا عشر سفرا:
    هوشع –  يوئيل –  عاموس – عوبديا – يونس – ميخا – ناحوم – حبقوق –  صفنيا – حجاي –  زكريا – ملاخي.

القسم الثالث: الكيتوبيم أي الكتب وبها أسفار

المزامير- والأمثال – أيوب – نشيد الأنشاد – راعوت – مراثي إرميا – الجامعة – إستير – دانيال – عزرا –  نحميا – أخبار الأيام الأول – أخبار الأيام الثاني.[10]

        “إن العهد القديم مجموعة مؤلفات غير متساوية الطول، ومختلفة النوع، كتبت خلال أكثر من تسعة قرون في لغات عدة أخذا بالسماع. وكثير من هذه المؤلفات صححت ثم أكملت تبعا للأحداث أو لضرورات على مدى أجيال متباعدة أحيانا بعضها عن بعض.”[11]

“وقد اكتسبت أجزاء العهد القديم صيغتها القانونية على مدى قرون طويلة فاكتملت قانونية (شرعية) التوراة حوالي (400 ق.م) –خلال الترحيل البابلي-، والأنبياء حوالي (200 ق.م)، أما الكتب فقد اكتسبت تلك الشرعية حوالي عام (90 م). يتضح من خلال هذا العرض أن العهد القديم قد جمع ودون خلال فترات زمنية تعرض فيها اليهود للكثير من الأحداث والتقلبات والتشتيت جعلهم يضيفون إلى أسفارهم المدونة كثيرا من الأفكار والتعاليم التي تناسب أوضاعهم المختلفة، وقد حققوا ذلك بعد أن أتيحت لهم في بابل الحرية الفكرية والدينية لممارسة طقوسهم وعبادتهم، حيث إنهم دونوا التوراة والتلمود[12] وأفرغوا فيها آمالهم وغاياتهم معتمدين على الروايات الشفوية وما يتلقاها الخلف عن السلف في الجمع والتدوين، فابتعدوا بذلك عن توراة موسى وشريعته، وجاءوا بشريعة لا تمت بصلة إلى موسى.”[13]

ثانياً. العهد القديم وقيم الحوار: عوائق وموانع

منذ القرن الثاني عشر للميلاد، ومع بداية فقدان الكنيسة الكاثوليكية للكثير من سلطتها الأدبية والفكرية، انبرى عدد من الباحثين الغربيين لنقد روايات العهد القديم، وقد شملت بحوثهم كلا من النقدين الداخلي والخارجي، أي على مستوى الروايات والأسانيد، وكذا على صعيد المضامين واضطرابها ومناقضتها للحقائق العلمية والتاريخية. وقد سبق ابن حزم الأندلسي (ت 456هـ) جميع الباحثين في هذا الشأن من خلال كتابه القيم “الفصل في الملل والأهواء والنحل”[14]. ورغم أن عدداً كبيراً من الباحثين قد اضطلعوا بمهمة النقد والتمحيص، إلاَّ أن المجال يبقى خصباً لإضافة المزيد مما قدمه السابقون، وهذه محاولة للنقد على مستوى الموضوع في قضية مركزية واحدة، هي الحوار وقيمه في مجالات مختلفة، نتتبعها في جملة من النصوص على سبيل الشاهد والمثال وليس الحصر والتقصي.

ولم يكن لنا أن نجري هذه الدراسة النقدية لنصوص العهد القديم، لولا اقتناعنا بكونها فقدت قدسيتها وصفة الربانية، بما أصابها من تحريف وعبث من أشخاص عديمي الشعور الديني الصحيح، غلبوا مصالحهم المادية وفرطوا في الأمانة، قال الله تعالى: “إنَّا أنزلنا التوراة فيها هُدىً ونورٌ يحكمُ بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيُّون والأحبارُ بما استُحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شُهداءَ فلا تخشوا الناس وأخشونِ ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون” [المائدة: 44].

لقد نسجت نصوص العهد القديم شبكة من العلاقات المتوترة بين عدة أقطاب، مما يجعل قيم الحوار تتقلص إلى أبعد الحدود، فيما تحل محلها علاقات الصراع والتغلب والحذر المتبادل، ليس بين الأقران من بني البشر فحسب، بل بين هؤلاء وخالقهم تعالى عن ذلك علوا كبيرا؛ وحين فسدت العلاقة بين الإنسان والخالق كما تصورها نصوص التوراة، فإن الفساد سرى منها إلى تفاصيل العلاقات الإنسانية الأخرى كما سنبين ذلك اختصاراً.

1. ملامح الحوار بين الإنسان والخالق

مع أول إطلالة على السِّفر المفتتِح للعهد القديم، يذهل المرء لكثافة النصوص الحبلى بمشاهد الصراع وتوتر العلاقة  بين الإنسان وخالقه، والغريب أن هذا الصراع يشمل العلاقة في بعديها صعودا ونزولا، أي من الإنسان في اتجاه الإله، ومن الإله في اتجاه الإنسان، بنوع من الندِّيَّة والمشاكلة التي تضفي على الخالق سبحانه صفات الكراهية والعدوان والخوف من البشر والتحسُّب لمكائدهم:

المشهد الأول: صراع المعرفة

كانت أولى العلاقات المتوترة بين الإنسان والإله تتمحور حول قضية كسب المعرفة، فعلى عكس منطق التدين السليم الذي يوجه الإنسان إلى التحاور الذاتي والرجوع إلى عقله من أجل إدراك حقيقة الألوهية، ومن ثمة انشراح الصدر للتلقي عن الله عز وجل، والاستمداد من علمه ونوره “وقُلِ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً” [طه 114]، على العكس من ذلك يفيدنا سفر التكوين أن المعرفة البشرية كانت نُهْبَةً انتهَبتْها حواء أولا ثم آدم، ضدا على احتكار الإله لمعرفة الخير والشر. ولم يفلح الإله في منع البشر من الأكل من شجرة المعرفة رغم تخويفه لآدم واضطراره للكذب عليه: {16وَأَوْصَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ قَائِلاً: «مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلاً، 17 وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ»} [سفر التكوين، الإصحاح 2] غير أن آدم أكل من الشجرة ولم يمت، فلم يكن من الرب إلا أن طرده من الجنة احترازا من أن يقدم على تحدٍّ آخر، وجعل وجوده على الأرض عقاباً أبدياً: {وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضًا مَعَهَا فَأَكَلَ… 17وَقَالَ لآدَمَ: «لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ … مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. 18وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ، وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ. 19بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ»} [التكوين 3]. ولنا أن نتساءل هل يبقى للحوار من معنى أو إمكانية، إذا علم الإنسان أنه معاقب من إلهه ابتداء قبل أن يذنب، وأنه مؤاخذ بجريرة أبيه الأول؟ وهل يبقى للمحبة حيز –وهي أساس الحوار مع الخالق- إذا علمت المرأة أن أوجاع حملها ووضعها عقوبة أزلية/أبدية؟: {16وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: «تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ، بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلاَدًا} [تكوين 3].

المشهد الثاني: صراع الخلود

بعد أن أخذت المعرفة من الإله غصبا، عمل على تحصين جانبه والحفاظ على فوقيته للإنسان، حيث طرد آدم لم يكن عقوبة له على التعدي فقط، بل إجراءاً استباقيا كي لا تصل يده إلى شجرة الخلود فيأكل منها ويدرك مرتبة خالقه:{22وَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ: «هُوَ ذَا الإِنْسَانُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا عَارِفًا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ. وَالآنَ لَعَلَّهُ يَمُدُّ يَدَهُ وَيَأْخُذُ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ أَيْضًا وَيَأْكُلُ وَيَحْيَا إِلَى الأَبَدِ». 23فَأَخْرَجَهُ الرَّبُّ الإِلهُ مِنْ جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَ الأَرْضَ الَّتِي أُخِذَ مِنْهَا. 24فَطَرَدَ الإِنْسَانَ، وَأَقَامَ شَرْقِيَّ جَنَّةِ عَدْنٍ الْكَرُوبِيمَ، وَلَهِيبَ سَيْفٍ مُتَقَلِّبٍ لِحِرَاسَةِ طَرِيقِ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ} [ التكوين 3].

وهكذا فإن نصوص العهد القديم تصور الإله بمختلف صور الحقد على الناس والكراهية لهم، باعتبارهم منافسين لهم وربما يتفوقون عليه، وأنه يصدر عن تلك المشاعر في تدبير علاقاته مع الناس، وليس من منطلق أنه يؤدبهم ويمتحنهم بالخير والشر؛ فحكم الله على البشر بالإغراق بالطوفان كان مبعثه –حسب التوراة- الندم على خلقهم: {5وَرَأَى الرَّبُّ أَنَّ شَرَّ الإِنْسَانِ قَدْ كَثُرَ فِي الأَرْضِ، وَأَنَّ كُلَّ تَصَوُّرِ أَفْكَارِ قَلْبِهِ إِنَّمَا هُوَ شِرِّيرٌ كُلَّ يَوْمٍ. 6فَحَزِنَ الرَّبُّ أَنَّهُ عَمِلَ الإِنْسَانَ فِي الأَرْضِ، وَتَأَسَّفَ فِي قَلْبِهِ. 7فَقَالَ الرَّبُّ: «أَمْحُو عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ الإِنْسَانَ الَّذِي خَلَقْتُهُ، الإِنْسَانَ مَعَ بَهَائِمَ وَدَبَّابَاتٍ وَطُيُورِ السَّمَاءِ، لأَنِّي حَزِنْتُ أَنِّي عَمِلْتُهُمْ»} [تكوين 6].

المشهد الثالث: صراع البركة

تتبوأ البركة مكانة مرموقة في تضاعيف نصوص التوراة، حيث تتردد مرة بعد مرة، مباركة الله لبعض الأرض، مباركة نبي لابنه، مباركة الإله لشعب معين…إلا أن موطن الغرابة أن تصير البركة موضوع نزاع بين الإنسان وخالقة، وأن تتحول من هبة ربانية وكرامة للناس لقاء صلاحهم –كما هي في الفهم الديني الفطري-، إلى غنيمة يستخلصها إنسان من يد ربه عنوة، بل جراء صراع بدني حقيقي: {24فَبَقِيَ يَعْقُوبُ وَحْدَهُ، وَصَارَعَهُ إِنْسَانٌ حَتَّى طُلُوعِ الْفَجْرِ.25وَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ضَرَبَ حُقَّ فَخْذِهِ، فَانْخَلَعَ حُقُّ فَخْذِ يَعْقُوبَ فِي مُصَارَعَتِهِ مَعَهُ.26وَقَالَ: «أَطْلِقْنِي، لأَنَّهُ قَدْ طَلَعَ الْفَجْرُ». فَقَالَ: «لاَ أُطْلِقُكَ إِنْ لَمْ تُبَارِكْنِي».27فَقَالَ لَهُ: «مَا اسْمُكَ؟» فَقَالَ: «يَعْقُوبُ». 28فَقَالَ: «لاَ يُدْعَى اسْمُكَ فِي مَا بَعْدُ يَعْقُوبَ بَلْ إِسْرَائِيلَ، لأَنَّكَ جَاهَدْتَ مَعَ اللهِ وَالنَّاسِ وَقَدَرْتَ».29وَسَأَلَ يَعْقُوبُ وَقَالَ: «أَخْبِرْنِي بِاسْمِكَ». فَقَالَ: «لِمَاذَا تَسْأَلُ عَنِ اسْمِي؟» وَبَارَكَهُ هُنَاكَ.30فَدَعَا يَعْقُوبُ اسْمَ الْمَكَانِ «فَنِيئِيلَ» قَائِلاً: «لأَنِّي نَظَرْتُ اللهَ وَجْهًا لِوَجْهٍ، وَنُجِّيَتْ نَفْسِي».31وَأَشْرَقَتْ لَهُ الشَّمْسُ إِذْ عَبَرَ فَنُوئِيلَ وَهُوَ يَخْمَعُ عَلَى فَخْذِهِ.} [تكوين 32]

يعلق أحد الكتاب على هذا النص قائلا[15]: “ففي هذه القصة…يعطينا الكتاب المقدس معنى حرفيا جديدا للجهاد مع الله، حيث يقول أن الجهاد مع الله هو نوع من المصارعة أو الاشتباك بالأيدي والأرجل بين الإنسان وبين ”الله ” مباشرة (وجها لوجه) على النحو الذي نراه في المصارعة الحرة في التليفزيون، حيث نرى النبي يعقوب (عليه السلام) قد قام بإمساك ”الله” ـ ليغفر لنا الله مثل هذا التجاوز الفكري واللفظي ـ وهو يتجول ليلا على سطح كوكب الأرض، وكان في صورة إنسان، حيث قام يعقوب بمصارعة الإله ليلة كاملـة…ولما فشل ”الإله” في تخليص نفسه.. طلب من يعقوب أن يطلق سراحه، ويملي يعقوب شرطه على ”الإله”…! وهو أن يباركه..! ولم يجد ”الإله” بدا من الرضوخ ليعقوب.

وبناء على هذا، فإن الفكر المسيحي واليهودي معا (لأن القصة واردة في العهد القديم أي في الجزء المشترك بين الديانتين) يقول بأن النبي يعقوب قد صارع ” الله “ طوال الليل، ولم يستطع “الله” الإفلات من قبضته إلا بشرط خاص قد أملاه عليه يعقوب ، وهو أن يباركه الله. وقد قبل ” الله ” فعلا هذا الشرط -كما يبدو- تحت ضغط التهديد الإنساني له وضغط الحاجة، حتى يضمن أن يطلق يعقوب سراحه قبل طلوع الفجر”.

        وبالرغم من جلاء مشاهد الصراع والعنف الواردة في ثنايا نصوص العهد القديم، إلا أن النصارى يتكلفون التأويل الفاسد ويتمحَّلون في إظهاره بمظهر الرسالة الأخلاقية السامية، وأنه دعوة للسلم والحوار، تأمل هذا التأويل الغريب من أحد رهبانهم المعاصرين: “الله في حبه للإنسان قدم أسراره له – قدر ما يحتمل- لا للمعرفة العقلية الجامدة وإنما ليدخل معه في صداقة أبدية، وكأنه بالصديق الذي يفتح خزائن قلبه لصديقه حتى يدخل به من يوم إلى يوم إلى أعماق جديدة في الصداقة؛ فإن حدثنا الرب عن ألقابه الإلهية مثلاً إنما لكي نتعرف عليه خلال هذه الألقاب وننعم بعمله معنا وفينا، فلا نجد في السفر كتابات فلسفية نظرية ومبادئ جامدة وقوانين حرفية، لكننا نرى الله متجليًا كصديق، فيتمشى صوته عند هبوب ريح النهار في الجنة ليلتقي بالإنسان الساقط، وفي الحقل يحاج قايين القاتل، وعند ثورة بابل ينزل ليرى ماذا يفعل الإنسان، وفي وقت الظهيرة يتقبل مع ملاكيه ضيافة إبراهيم، وفي الطريق يلتقي مع يعقوب في صراع ليحطم اعتداده بذاته… ففي سفر التكوين إذ يعلن الله محبته للإنسان خلال الخليقة، يبقي الله متحدثًا عن محبته خلال تجديد الخليقة حتى تظهر الأرض الجديدة والسماء الجديدة في سفر الرؤيا.”[16]

ويكفي في الرد على تأويلات هذا الراهب، أن نقول: يمكن أن نعتبر تلك الأوصاف تقربا وتحببا من الإله إلى البشر، كتقرب الصديق لصديقه، خصوصا قوله ” وفي الطريق يلتقي مع يعقوب في صراع ليحطم اعتداده بذاته”، لو أنه انتصر في المصارعة، أما وأن الإله وقع في ورطة ولم يخلص نفسه من الإنسان إلا بفدية، فلا سبيل إلى قبول تلك التأويلات.

2. ملامح الحوار بين الجنسين

رغم أن العهد القديم يذكر بأن المرأة (حواء) في أصل نشأتها خلقت من ضلع الرجل (آدم)، إلا أنه يسبغ عليها في غير ما نص صفات الدونية والتبعية للرجل، بل اعتبرت بعض النصوص نساء شعوب معينة منبوذات ومستقبحات، وأن الزواج بهن يضاهي الكفر بالله؛ تلك الصفات لا شك سيكون لها بالغ الأثر في نفسية الرجل الذي يتشرب قلبه عقيدة العهد القديم، بحيث تتشكل لديه صورة نمطية مستهجنة عن المرأة، مما يذكي روح التعالي لديه، ويزرع بينهما بذور الفرقة والخلاف المناقض لروح الحوار وقيمه، وسأكتفي هنا بالتعليق الموجز على بعض النصوص في هذا المضمار، على أن أعود إلى الأثر النفسي والعملي لتلك المعتقدات في سياق لاحق.

المرأة رأس الغواية

يُرجع سفر التكوين سبب الخطيئة الأولى للمرأة، ذلك أن حواء بقدرتها على الإغواء قد دفعت آدم إلى الأكل من شجرة معرفة الخير والشر بعدما أكلت هي منها، وهي نفسها قد كانت ضحية إغواء الحية التي: {4فَقَالَتِ الْحَيَّةُ لِلْمَرْأَةِ: «لَنْ تَمُوتَا! 5بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ». 6فَرَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ، وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ، وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ. فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ، وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضًا مَعَهَا فَأَكَلَ} [تكوين 3]. وهكذا فإن هذا النص ينسب للمرأة نقصا ثلاثي التركيب: أوله خفة العقل (لأنها قبلت قول الحية، وانخدعت بحيلتها: فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: «الْحَيَّةُ غَرَّتْنِي فَأَكَلْتُ»)، وثانيه العصيان (لأنها بادرت إلى الأكل من الشجرة أولا: فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ) وثالثه الإغواء (لأنها سولت لآدم الأكل بعدما امتنع أولا: فَقَالَ آدَمُ: «الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ»).

سيادة الرجل على المرأة

رغم أن الأكل من الشجرة كان عصيانا وقع فيه كل من آدم وحواء، إلا أن العقوبة –كما في التوراة- قد فتحت بابا من التمايز والتفاوت بين الجنسين، فقد سبق أن أوردنا النص المتضمن للعقوبة، وفيه أن المرأة عوقبت بأوجاع الحمل والولادة، ليست مرتكبة الجرم فحسب بل كل امرأة إلى الأبد، وزادت العقوبة بأن جعلت المرأة دون مرتبة الرجل وتابعة له: {وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ}، ومن عجبٍ أن معصية الرجل جلبت له سيادة وتشريفا، مع ملاحظة أن سياق يتحدث عن الرجل والمرأة بإطلاق، وليس عن العلاقة بين الأزواج، فهو سيدها كيفما كان، وهي مسودته كيفما كانت.

المرأة المنبوذة

        ورد كثيرا في العهد القديم ذم نساء الشعوب التي سكنت بلاد الشام وفلسطين والأردن، مثل الكنعانيين والأمُّوريين والحِثِّيين واليبوسيين وغيرهم، بل حرمت بعض النصوص الزواج بهن، وأن فعل ذلك يضاهي الكفر بالله، ورد في سفر ملاخي ما يأتي: {11غَدَرَ يَهُوذَا، وَعُمِلَ الرِّجْسُ فِي إِسْرَائِيلَ وَفِي أُورُشَلِيمَ. لأَنَّ يَهُوذَا قَدْ نَجَّسَ قُدْسَ الرَّبِّ الَّذِي أَحَبَّهُ، وَتَزَوَّجَ بِنْتَ إِلهٍ غَرِيبٍ. 12يَقْطَعُ الرَّبُّ الرَّجُلَ الَّذِي يَفْعَلُ هذَا} [ملاخي 2]. وتنسب التوراة لإبراهيم عليه السلام أنه طلب من ابنه اسحاق ألا يتزوج من الكنعانيين، وكذلك فعل غيره من الأنبياء، وأن من خالف الوصية كان ملعونا ومحتقراً: {وَبَارَكَ الرَّبُّ إِبْرَاهِيمَ فِي كُلِّ شَيْءٍ. 2وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِعَبْدِهِ كَبِيرِ بَيْتِهِ الْمُسْتَوْلِي عَلَى كُلِّ مَا كَانَ لَهُ: «ضَعْ يَدَكَ تَحْتَ فَخْذِي، 3فَأَسْتَحْلِفَكَ بِالرَّبِّ إِلهِ السَّمَاءِ وَإِلهِ الأَرْضِ أَنْ لاَ تَأْخُذَ زَوْجَةً لابْنِي مِنْ بَنَاتِ الْكَنْعَانِيِّينَ الَّذِينَ أَنَا سَاكِنٌ بَيْنَهُمْ، 4بَلْ إِلَى أَرْضِي وَإِلَى عَشِيرَتِي تَذْهَبُ وَتَأْخُذُ زَوْجَةً لابْنِي إِسْحَاقَ»} [تكوين 24]. وكذلك فعل إسحاق مع ابنه يعقوب: {1فَدَعَا إِسْحَاقُ يَعْقُوبَ وَبَارَكَهُ، وَأَوْصَاهُ وَقَالَ لَهُ: «لاَ تَأْخُذْ زَوْجَةً مِنْ بَنَاتِ كَنْعَانَ. 2قُمِ اذْهَبْ إِلَى فَدَّانَ أَرَامَ، إِلَى بَيْتِ بَتُوئِيلَ أَبِي أُمِّكَ، وَخُذْ لِنَفْسِكَ زَوْجَةً مِنْ هُنَاكَ، مِنْ بَنَاتِ لاَبَانَ أَخِي أُمِّكَ.} [تكوين 28]. وكذلك فعل إسحاق مع ابنه الأكبر عيسو فلم يستجب، فكان ذلك من أسباب مأساته ضمن أفراد أسرته كما سيرد. كما نجد في أحد النصوص تمييزا بين الرجال والنساء، فالأوائل تُسميهم التوراة أبناء الله، والأخريات تسميهن بنات الناس، على اختلاف بين الطوائف في تفسير ذلك[17]: {1وَحَدَثَ لَمَّا ابْتَدَأَ النَّاسُ يَكْثُرُونَ عَلَى الأَرْضِ، وَوُلِدَ لَهُمْ بَنَاتٌ، 2أَنَّ أَبْنَاءَ اللهِ رَأَوْا بَنَاتِ النَّاسِ أَنَّهُنَّ حَسَنَاتٌ. فَاتَّخَذُوا لأَنْفُسِهِمْ نِسَاءً مِنْ كُلِّ مَا اخْتَارُوا. 3فَقَالَ الرَّبُّ: «لاَ يَدِينُ رُوحِي فِي الإِنْسَانِ إِلَى الأَبَدِ، لِزَيَغَانِهِ، هُوَ بَشَرٌ. وَتَكُونُ أَيَّامُهُ مِئَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً». 4كَانَ فِي الأَرْضِ طُغَاةٌ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ. وَبَعْدَ ذلِكَ أَيْضًا إِذْ دَخَلَ بَنُو اللهِ عَلَى بَنَاتِ النَّاسِ وَوَلَدْنَ لَهُمْ أَوْلاَدًا، هؤُلاَءِ هُمُ الْجَبَابِرَةُ الَّذِينَ مُنْذُ الدَّهْرِ ذَوُو اسْمٍ} [تكوين 6].

3. ملامح الحوار بين أفراد الأسرة

أكتفي في هذا الصدد بإيراد أنموذج واحد من العلاقات الأسرية، يفترض فيه أن يكون أنموذجا معبرا عن أسمى أخلاق التراحم والتآلف، وقيم التواصل والحوار، ذلك أنه يتحدث عن بعض تفاصيل العلاقة بين أفراد أسرة مميزة باعتبارها بيتا من بيوت النبوة أباً وابناً؛ غير أن العهد القديم يرسم صورة قاتمة لهذا البيت وللوشائج التي تسود فيه، بحيث تظهر علاقة مبناها على التنافس على المكاسب والصراع إلى درجة التوعد بالقتل.

الصراع على المكاسب

{29وَطَبَخَ يَعْقُوبُ طَبِيخًا، فَأَتَى عِيسُو مِنَ الْحَقْلِ وَهُوَ قَدْ أَعْيَا. 30فَقَالَ عِيسُو لِيَعْقُوبَ: «أَطْعِمْنِي مِنْ هذَا الأَحْمَرِ لأَنِّي قَدْ أَعْيَيْتُ». لِذلِكَ دُعِيَ اسْمُهُ «أَدُومَ». 31فَقَالَ يَعْقُوبُ: «بِعْنِي الْيَوْمَ بَكُورِيَّتَكَ». 32فَقَالَ عِيسُو: «هَا أَنَا مَاضٍ إِلَى الْمَوْتِ، فَلِمَاذَا لِي بَكُورِيَّةٌ؟» 33فَقَالَ يَعْقُوبُ: «احْلِفْ لِيَ الْيَوْمَ». فَحَلَفَ لَهُ، فَبَاعَ بَكُورِيَّتَهُ لِيَعْقُوبَ. 34فَأَعْطَى يَعْقُوبُ عِيسُوَ خُبْزًا وَطَبِيخَ عَدَسٍ، فَأَكَلَ وَشَرِبَ وَقَامَ وَمَضَى. فَاحْتَقَرَ عِيسُو الْبَكُورِيَّةَ.} [تكوين 25]، يعقوب -النبي ابن النبي وأبو النبي-  يستغل جوع أخيه ليسلُبَه البُكورِية ويكتسبها لنفسه! ثم يحتال على أبيه ويكذب عليه لينال بركته دون أخيه، وتساعده أمه في هذا المكر والاحتيال:

الخديعة والاحتيال

{1وَحَدَثَ لَمَّا شَاخَ إِسْحَاقُ وَكَلَّتْ عَيْنَاهُ عَنِ النَّظَرِ، أَنَّهُ دَعَا عِيسُوَ ابْنَهُ الأَكْبَرَ وَقَالَ لَهُ: «يَا ابْنِي». فَقَالَ لَهُ: «هأَنَذَا». 2فَقَالَ: «إِنَّنِي قَدْ شِخْتُ وَلَسْتُ أَعْرِفُ يَوْمَ وَفَاتِي. 3فَالآنَ خُذْ عُدَّتَكَ: جُعْبَتَكَ وَقَوْسَكَ، وَاخْرُجْ إِلَى الْبَرِّيَّةِ وَتَصَيَّدْ لِي صَيْدًا، 4وَاصْنَعْ لِي أَطْعِمَةً كَمَا أُحِبُّ، وَأْتِنِي بِهَا لآكُلَ حَتَّى تُبَارِكَكَ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ أَمُوتَ».

5وَكَانَتْ رِفْقَةُ سَامِعَةً إِذْ تَكَلَّمَ إِسْحَاقُ مَعَ عِيسُو ابْنِهِ. فَذَهَبَ عِيسُو إِلَى الْبَرِّيَّةِ كَيْ يَصْطَادَ صَيْدًا لِيَأْتِيَ بِهِ. 6وَأَمَّا رِفْقَةُ فَكَلمتْ يَعْقُوبَ ابْنِهَا قَائِلةً: «إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ أَبَاكَ يُكَلِّمُ عِيسُوَ…8فَالآنَ يَا ابْنِي اسْمَعْ لِقَوْلِي فِي مَا أَنَا آمُرُكَ بِهِ: 9اِذْهَبْ إِلَى الْغَنَمِ وَخُذْ لِي مِنْ هُنَاكَ جَدْيَيْنِ جَيِّدَيْنِ مِنَ الْمِعْزَى، فَأَصْنَعَهُمَا أَطْعِمَةً لأَبِيكَ كَمَا يُحِبُّ، 10فَتُحْضِرَهَا إِلَى أَبِيكَ لِيَأْكُلَ حَتَّى يُبَارِكَكَ قَبْلَ وَفَاتِهِ». 11فَقَالَ يَعْقُوبُ لِرِفْقَةَ أُمِّهِ: «هُوَذَا عِيسُو أَخِي رَجُلٌ أَشْعَرُ وَأَنَا رَجُلٌ أَمْلَسُ. 12رُبَّمَا يَجُسُّنِي أَبِي فَأَكُونُ فِي عَيْنَيْهِ كَمُتَهَاوِنٍ، وَأَجْلِبُ عَلَى نَفْسِي لَعْنَةً لاَ بَرَكَةً». 13فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: «لَعْنَتُكَ عَلَيَّ يَا ابْنِي. اِسْمَعْ لِقَوْلِي فَقَطْ وَاذْهَبْ خُذْ لِي». 14فَذَهَبَ وَأَخَذَ وَأَحْضَرَ لأُمِّهِ، فَصَنَعَتْ أُمُّهُ أَطْعِمَةً كَمَا كَانَ أَبُوهُ يُحِبُّ. 15وَأَخَذَتْ رِفْقَةُ ثِيَابَ عِيسُو ابْنِهَا الأَكْبَرِ الْفَاخِرَةَ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهَا فِي الْبَيْتِ وَأَلْبَسَتْ يَعْقُوبَ ابْنَهَا الأَصْغَرَ، 16وَأَلْبَسَتْ يَدَيْهِ وَمَلاَسَةَ عُنُقِهِ جُلُودَ جَدْيَيِ الْمِعْزَى. 17وَأَعْطَتِ الأَطْعِمَةَ وَالْخُبْزَ الَّتِي صَنَعَتْ فِي يَدِ يَعْقُوبَ ابْنِهَا.

18فَدَخَلَ إِلَى أَبِيهِ وَقَالَ: «يَا أَبِي». فَقَالَ: «هأَنَذَا. مَنْ أَنْتَ يَا ابْنِي؟» 19فَقَالَ يَعْقُوبُ لأَبِيهِ: «أَنَا عِيسُو بِكْرُكَ. قَدْ فَعَلْتُ كَمَا كَلَّمْتَنِي. قُمِ اجْلِسْ وَكُلْ مِنْ صَيْدِي لِكَيْ تُبَارِكَنِي نَفْسُكَ». 20فَقَالَ إِسْحَاقُ لابْنِهِ: «مَا هذَا الَّذِي أَسْرَعْتَ لِتَجِدَ يَا ابْنِي؟» فَقَالَ: «إِنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ قَدْ يَسَّرَ لِي». 21فَقَالَ إِسْحَاقُ لِيَعْقُوبَ: «تَقَدَّمْ لأَجُسَّكَ يَا ابْنِي. أَأَنْتَ هُوَ ابْنِي عِيسُو أَمْ لاَ؟». 22فَتَقَدَّمَ يَعْقُوبُ إِلَى إِسْحَاقَ أَبِيهِ، فَجَسَّهُ وَقَالَ: «الصَّوْتُ صَوْتُ يَعْقُوبَ، وَلكِنَّ الْيَدَيْنِ يَدَا عِيسُو». 23وَلَمْ يَعْرِفْهُ لأَنَّ يَدَيْهِ كَانَتَا مُشْعِرَتَيْنِ كَيَدَيْ عِيسُو أَخِيهِ، فَبَارَكَهُ. 24وَقَالَ: «هَلْ أَنْتَ هُوَ ابْنِي عِيسُو؟» فَقَالَ: «أَنَا هُوَ». 25فَقَالَ: «قَدِّمْ لِي لآكُلَ مِنْ صَيْدِ ابْنِي حَتَّى تُبَارِكَكَ نَفْسِي». فَقَدَّمَ لَهُ فَأَكَلَ، وَأَحْضَرَ لَهُ خَمْرًا فَشَرِبَ. 26فَقَالَ لَهُ إِسْحَاقُ أَبُوهُ: «تَقَدَّمْ وَقَبِّلْنِي يَا ابْنِي». 27فَتَقَدَّمَ وَقَبَّلَهُ، فَشَمَّ رَائِحَةَ ثِيَابِهِ وَبَارَكَهُ، وَقَالَ: «انْظُرْ! رَائِحَةُ ابْنِي كَرَائِحَةِ حَقْل قَدْ بَارَكَهُ الرَّبُّ. 28فَلْيُعْطِكَ اللهُ مِنْ نَدَى السَّمَاءِ وَمِنْ دَسَمِ الأَرْضِ. وَكَثْرَةَ حِنْطَةٍ وَخَمْرٍ. 29لِيُسْتَعْبَدْ لَكَ شُعُوبٌ، وَتَسْجُدْ لَكَ قَبَائِلُ. كُنْ سَيِّدًا لإِخْوَتِكَ، وَلْيَسْجُدْ لَكَ بَنُو أُمِّكَ. لِيَكُنْ لاَعِنُوكَ مَلْعُونِينَ، وَمُبَارِكُوكَ مُبَارَكِينَ».

30وَحَدَثَ عِنْدَمَا فَرَغَ إِسْحَاقُ مِنْ بَرَكَةِ يَعْقُوبَ، وَيَعْقُوبُ قَدْ خَرَجَ مِنْ لَدُنْ إِسْحَاقَ أَبِيهِ، أَنَّ عِيسُوَ أَخَاهُ أَتَى مِنْ صَيْدِهِ، 31فَصَنَعَ هُوَ أَيْضًا أَطْعِمَةً وَدَخَلَ بِهَا إِلَى أَبِيهِ وَقَالَ لأَبِيهِ: «لِيَقُمْ أَبِي وَيَأْكُلْ مِنْ صَيْدِ ابْنِهِ حَتَّى تُبَارِكَنِي نَفْسُكَ». 32فَقَالَ لَهُ إِسْحَاقُ أَبُوهُ: «مَنْ أَنْتَ؟» فَقَالَ: «أَنَا ابْنُكَ بِكْرُكَ عِيسُو». 33فَارْتَعَدَ إِسْحَاقُ ارْتِعَادًا عَظِيمًا جِدًّا وَقَالَ: «فَمَنْ هُوَ الَّذِي اصْطَادَ صَيْدًا وَأَتَى بِهِ إِلَيَّ فَأَكَلْتُ مِنَ الْكُلِّ قَبْلَ أَنْ تَجِيءَ، وَبَارَكْتُهُ؟ نَعَمْ، وَيَكُونُ مُبَارَكًا». 34فَعِنْدَمَا سَمِعَ عِيسُو كَلاَمَ أَبِيهِ صَرَخَ صَرْخَةً عَظِيمَةً وَمُرَّةً جِدًّا، وَقَالَ لأَبِيهِ: «بَارِكْنِي أَنَا أَيْضًا يَا أَبِي». 35فَقَالَ: «قَدْ جَاءَ أَخُوكَ بِمَكْرٍ وَأَخَذَ بَرَكَتَكَ». 36فَقَالَ: «أَلاَ إِنَّ اسْمَهُ دُعِيَ يَعْقُوبَ، فَقَدْ تَعَقَّبَنِي الآنَ مَرَّتَيْنِ! أَخَذَ بَكُورِيَّتِي، وَهُوَذَا الآنَ قَدْ أَخَذَ بَرَكَتِي». ثُمَّ قَالَ: «أَمَا أَبْقَيْتَ لِي بَرَكَةً؟» 37فَأَجَابَ إِسْحَاقُ وَقَالَ لِعِيسُو: «إِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ سَيِّدًا لَكَ، وَدَفَعْتُ إِلَيْهِ جَمِيعَ إِخْوَتِهِ عَبِيدًا، وَعَضَدْتُهُ بِحِنْطَةٍ وَخَمْرٍ. فَمَاذَا أَصْنَعُ إِلَيْكَ يَا ابْنِي؟» 38فَقَالَ عِيسُو لأَبِيهِ: «أَلَكَ بَرَكَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَطْ يَا أَبِي؟ بَارِكْنِي أَنَا أَيْضًا يَا أَبِي». وَرَفَعَ عِيسُو صَوْتَهُ وَبَكَى. 39فَأَجَابَ إِسْحَاقُ أَبُوهُ: «هُوَذَا بِلاَ دَسَمِ الأَرْضِ يَكُونُ مَسْكَنُكَ، وَبِلاَ نَدَى السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ. 40وَبِسَيْفِكَ تَعِيشُ، وَلأَخِيكَ تُسْتَعْبَدُ، وَلكِنْ يَكُونُ حِينَمَا تَجْمَحُ أَنَّكَ تُكَسِّرُ نِيرَهُ عَنْ عُنُقِكَ».41فَحَقَدَ عِيسُو عَلَى يَعْقُوبَ مِنْ أَجْلِ الْبَرَكَةِ الَّتِي بَارَكَهُ بِهَا أَبُوهُ. وَقَالَ عِيسُو فِي قَلْبِهِ: «قَرُبَتْ أَيَّامُ مَنَاحَةِ أَبِي، فَأَقْتُلُ يَعْقُوبَ أَخِي».} [تكوين 27]

وقد أوردت القصة على طولها -إلا فقرة واحدة- إذ لم يمكن الاختصار، فكل عباراتها ناطقة بنواقض الحوار وعوائقه، ولا حاجة لمزيد بيان وتعليق.

4. ملامح الحوار بين الشعوب

بعد الوقوف مع جملة من نصوص العهد القديم وبيان ما فيها من عوائق للحوار بمستوياته المتعددة (الحوار الذاتي، الحوار بين الجنسين، الحوار في جماعة الأسرة)، نتناول فيما يلي نصوصا أخرى متعلقة بمستوى الحوار العالي، أقصد ما يتعلق بالتواصل والتعايش بين الشعوب والأمم، فهذا النوع أخطر أنواع الحوار وأكثرها أثرا في حياة الناس، فإما أن تتغلب قيم الحوار، فتنعم الأمم بالأمن والسلام والتعاون، أو تتغلب العوائق ومكدرات التواصل وتتسع هوة الخلاف، فتكتوي الشعوب بنار الحروب، وتتفنن كل أمة في إذلال الأخرى وإذاقتها صنوف العذاب والهوان؛ ومن أسف فإن العهد القديم يحكمه منطق الصراع والكراهية في هذا المجال كما في المجالات المتقدمة.

شعوب مباركة وشعوب ملعونة

في إحدى الأساطير يقسم العهد القديم شعوب العالم إلى شعوب سامية وشعوب ملعونة وأخرى وسط بينهما، وهذا التقسيم قَدَرِي لأنه قضاء رباني –حسب التوراة- متعلق بأعراق دموية، فلا سبيل للفرد أن يغير قدَره بأن ينتقل من طائفته إلى أخرى، فإن كانت طائفته ملعونة فهو ملعون إلى الأبد، تقول الأسطورة: {18وَكَانَ بَنُو نُوحٍ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنَ الْفُلْكِ سَامًا وَحَامًا وَيَافَثَ. وَحَامٌ هُوَ أَبُو كَنْعَانَ. 19هؤُلاَءِ الثَّلاَثَةُ هُمْ بَنُو نُوحٍ. وَمِنْ هؤُلاَءِ تَشَعَّبَتْ كُلُّ الأَرْضِ.20وَابْتَدَأَ نُوحٌ يَكُونُ فَلاَّحًا وَغَرَسَ كَرْمًا. 21وَشَرِبَ مِنَ الْخَمْرِ فَسَكِرَ وَتَعَرَّى دَاخِلَ خِبَائِهِ. 22فَأَبْصَرَ حَامٌ أَبُو كَنْعَانَ عَوْرَةَ أَبِيهِ، وَأَخْبَرَ أَخَوَيْهِ خَارِجًا. 23فَأَخَذَ سَامٌ وَيَافَثُ الرِّدَاءَ وَوَضَعَاهُ عَلَى أَكْتَافِهِمَا وَمَشَيَا إِلَى الْوَرَاءِ، وَسَتَرَا عَوْرَةَ أَبِيهِمَا وَوَجْهَاهُمَا إِلَى الْوَرَاءِ. فَلَمْ يُبْصِرَا عَوْرَةَ أَبِيهِمَا. 24فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ نُوحٌ مِنْ خَمْرِهِ، عَلِمَ مَا فَعَلَ بِهِ ابْنُهُ الصَّغِيرُ، 25فَقَالَ: «مَلْعُونٌ كَنْعَانُ! عَبْدَ الْعَبِيدِ يَكُونُ لإِخْوَتِهِ». 26وَقَالَ: «مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ سَامٍ. وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْدًا لَهُمْ. 27لِيَفْتَحِ اللهُ لِيَافَثَ فَيَسْكُنَ فِي مَسَاكِنِ سَامٍ، وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْدًا لَهُمْ».} [تكوين 9]، إن الخطير في هذه الأسطورة أنها تحمل في طياتها فكرة الاستعلاء عند يهود الذين يحاولون من خلالها أن يبرهنوا أنهم من سام وأنهم الصفوة، وأما كنعان المتحدر من حام فقد أصابته اللعنة[18]، ويؤكد العهد القديم فكرة العلو لدى بني إسرائيل في مواطن كثيرة: {5فَالآنَ إِنْ سَمِعْتُمْ لِصَوْتِي، وَحَفِظْتُمْ عَهْدِي تَكُونُونَ لِي خَاصَّةً مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. فَإِنَّ لِي كُلَّ الأَرْضِ. 6وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي مَمْلَكَةَ كَهَنَةٍ وَأُمَّةً مُقَدَّسَةً. هذِهِ هِيَ الْكَلِمَاتُ الَّتِي تُكَلِّمُ بِهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ».} [الخروج 19] بل هذه الأسطورة هي مستند كل الأفكار العنصرية فقد استثمرتها بعض الشعوب في اضطهاد الأخرى، على اعتبار أن السامية أضحت امتيازا تشرئب له أعناق الشعوب والأمم وتتنافس في الانتساب إليها وإثباتها، مما جعل حجابا كثيفا من العداوة والكراهية بين الأمم؛ ويأتي الرد القرآني الحاسم على مثل تلك الأسطورة ليعلن أن التفاضل أساسه تقوى الله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات 13].

اختلاف الأمم إرادة إلهية

يصدمنا أحد نصوص سفر التكوين بأن الإله تدخل ليمنع الناس من التفاهم والتعاون، وجعل لغاتهم مختلفة كي يتعذر عليهم التواصل بعدما كانوا متحدين في اللسان، فهذا النص يؤكد ما أسلفناه من معاني الصراع بين الإله والإنسان، كما يفيد أن قضية الحوار بين البشر إنما هي استثناء من القدر الإلهي الذي حكم عليهم بالبلبلة والاختلاف: {1وَكَانَتِ الأَرْضُ كُلُّهَا لِسَانًا وَاحِدًا وَلُغَةً وَاحِدَةً. 2وَحَدَثَ فِي ارْتِحَالِهِمْ شَرْقًا أَنَّهُمْ وَجَدُوا بُقْعَةً فِي أَرْضِ شِنْعَارَ وَسَكَنُوا هُنَاكَ. 3وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «هَلُمَّ نَصْنَعُ لِبْنًا وَنَشْوِيهِ شَيًّا». فَكَانَ لَهُمُ اللِّبْنُ مَكَانَ الْحَجَرِ، وَكَانَ لَهُمُ الْحُمَرُ مَكَانَ الطِّينِ. 4وَقَالُوا: «هَلُمَّ نَبْنِ لأَنْفُسِنَا مَدِينَةً وَبُرْجًا رَأْسُهُ بِالسَّمَاءِ. وَنَصْنَعُ لأَنْفُسِنَا اسْمًا لِئَلاَّ نَتَبَدَّدَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ». 5فَنَزَلَ الرَّبُّ لِيَنْظُرَ الْمَدِينَةَ وَالْبُرْجَ اللَّذَيْنِ كَانَ بَنُو آدَمَ يَبْنُونَهُمَا. 6وَقَالَ الرَّبُّ: «هُوَذَا شَعْبٌ وَاحِدٌ وَلِسَانٌ وَاحِدٌ لِجَمِيعِهِمْ، وَهذَا ابْتِدَاؤُهُمْ بِالْعَمَلِ. وَالآنَ لاَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ كُلُّ مَا يَنْوُونَ أَنْ يَعْمَلُوهُ. 7هَلُمَّ نَنْزِلْ وَنُبَلْبِلْ هُنَاكَ لِسَانَهُمْ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ بَعْضُهُمْ لِسَانَ بَعْضٍ». 8فَبَدَّدَهُمُ الرَّبُّ مِنْ هُنَاكَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ، فَكَفُّوا عَنْ بُنْيَانِ الْمَدِينَةِ، 9لِذلِكَ دُعِيَ اسْمُهَا «بَابِلَ» لأَنَّ الرَّبَّ هُنَاكَ بَلْبَلَ لِسَانَ كُلِّ الأَرْضِ. وَمِنْ هُنَاكَ بَدَّدَهُمُ الرَّبُّ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ.} [تكوين 11].

حروب الإبادة، وجرائم الحرب

        في غير ما موضع نصادف الدعوة الصريحة من العهد القديم لقتل المخالفين والتنكيل بهم بأبشع الطرق، فبعد النصوص التي تحتقر شعوبا معينة وتعدهم ملعونين وتدعو إلى مقاطعتهم، تأتي أوامر الرب الدموية لارتكاب أفضع حروب الإبادة وجرائم الحرب في حق تلك الشعوب: {وَصَعِدَ الشَّعْبُ إِلَى الْمَدِينَةِ كُلُّ رَجُل مَعَ وَجْهِهِ، وَأَخَذُوا الْمَدِينَةَ. 21وَحَرَّمُوا كُلَّ مَا فِي الْمَدِينَةِ مِنْ رَجُل وَامْرَأَةٍ، مِنْ طِفْل وَشَيْخٍ، حَتَّى الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ وَالْحَمِيرَ بِحَدِّ السَّيْفِ… 24وَأَحْرَقُوا الْمَدِينَةَ بِالنَّارِ مَعَ كُلِّ مَا بِهَا، إِنَّمَا الْفِضَّةُ وَالذَّهَبُ وَآنِيَةُ النُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ جَعَلُوهَا فِي خِزَانَةِ بَيْتِ الرَّبِّ…26وَحَلَفَ يَشُوعُ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ قَائِلاً: «مَلْعُونٌ قُدَّامَ الرَّبِّ الرَّجُلُ الَّذِي يَقُومُ وَيَبْنِي هذِهِ الْمَدِينَةَ أَرِيحَا. بِبِكْرِهِ يُؤَسِّسُهَا وَبِصَغِيرِهِ يَنْصِبُ أَبْوَابَهَا». 27وَكَانَ الرَّبُّ مَعَ يَشُوعَ، وَكَانَ خَبَرُهُ فِي جَمِيعِ الأَرْضِ.} [يشوع 6]، والنص لا يقرر حقيقة تاريخية وقعت تحكي تغلب شعب على آخر وارتكابه أفضع القبائح في حقه، بل يعُدُّ ذلك تنفيذا لأمر إلهي بدليل قوله “وكان الرب مع يشوع”، وهكذا نرى كيف يتحول العدوان إلى عبادة، وتصبح جرائم الحرب نسكا وطقوس طاعة! ومثل ذلك في هذا النص حيث لا يُكتفى بالقتل بل ينبغي إحراق المدينة بأكملها: {8وَحَارَبَ بَنُو يَهُوذَا أُورُشَلِيمَ وَأَخَذُوهَا وَضَرَبُوهَا بِحَدِّ السَّيْفِ، وَأَشْعَلُوا الْمَدِينَةَ بِالنَّارِ. 9وَبَعْدَ ذلِكَ نَزَلَ بَنُو يَهُوذَا لِمُحَارَبَةِ الْكَنْعَانِيِّينَ سُكَّانِ الْجَبَلِ وَالْجَنُوبِ وَالسَّهْلِ. 10وَسَارَ يَهُوذَا عَلَى الْكَنْعَانِيِّينَ السَّاكِنِينَ فِي حَبْرُونَ} [سفر القضاة 1].

والعهد القديم طافح بمشاهد العنف والصدام المسلح وروح الانتقام والتشفي التي تحركها إرادة علوية، مما يجعل الإله في غاية التحيز لأمة على حساب الأمة، وكأنه قائد جيش وليس الخالق الرحيم الحكيم، بل في أمر إلهي آخر يأمر الرب شعبه أن لا تأخذهم رأفة بالأغيار، ولا ينبغي لهم أن يقبلوا صلحا ولا عهدا معهم، وإلا عاقبهم بإبقاء المخالفين مجاورين لهم ومضايقين لهم: {1وَصَعِدَ مَلاَكُ الرَّبِّ مِنَ الْجِلْجَالِ إِلَى بُوكِيمَ وَقَالَ: «قَدْ أَصْعَدْتُكُمْ مِنْ مِصْرَ وَأَتَيْتُ بِكُمْ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَقْسَمْتُ لآبَائِكُمْ، وَقُلْتُ: لاَ أَنْكُثُ عَهْدِي مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ. 2وَأَنْتُمْ فَلاَ تَقْطَعُوا عَهْدًا مَعَ سُكَّانِ هذِهِ الأَرْضِ. اهْدِمُوا مَذَابِحَهُمْ. وَلَمْ تَسْمَعُوا لِصَوْتِي. فَمَاذَا عَمِلْتُمْ؟ 3فَقُلْتُ أَيْضًا: لاَ أَطْرُدُهُمْ مِنْ أَمَامِكُمْ، بَلْ يَكُونُونَ لَكُمْ مُضَايِقِينَ، وَتَكُونُ آلِهَتُهُمْ لَكُمْ شَرَكًا»} [قضاة 2].

 وقد علق المرحوم عبد الوهاب المسيري على مسألة تحيز الإله لشعبه بقوله: “ورغم أن الإله، حسب بعض نصوص العهد القديم، يفصح عن نفسه في الطبيعة والتاريخ ويتجاوزهما… إلا أننا نجده داخل الإطار الحلولي الكموني يتحول من كونه حقيقة مطلقة تعلو على المادة “الكونية الطبيعية أو التاريخية” ويصبح امتداداً لما هو نسبي، وامتداداً للشعب اليهودي على وجه الخصوص. فيصبح الخالق امتداداً لوعي الأمة بنفسها، فيظل إلهاً قومياً خاصاً مقصوراً على الشعب حتى تصبح وحدانية الإله من وحدانية الشعب / اليهودي وحده،  بينما نجد أن للشعوب الأخرى آلهتها؛ الاتجاه نفسه في أفكار دينية مثل الاختيار والوعد الإلهي وأرض الميعاد التي تصبح مقدسة ومختارة تماماً مثل الشعب. وتلاحم الإله بالأرض والشعب هو الثالوث الحلولي، ولهذا ظلت اليهودية دين الشعب اليهودي وحده، ونجد أن الغرض الإلهي يتركز في هذا الشعب دون سواه، فقد اختير من بين جميع الشعوب ليكون المستودع الخاص لعطف يَهْوَه”[19].

ثالثاً. آثار القيم الدينية المحرفة على مسألة الحوار

قد يعتقد البعض أن العهد القديم أصبح أمرا تاريخيا، لا أثر له في العالم المعاصر، أو له أثر محدود عند اليهود على أبعد تقدير؛ ومن ثمة فإعاقته لقيم الحوار ربما يكون متصورا في زمن مضى، أما في واقعنا فلا يتصور ذلك. ويبدو لي هذا الاعتقاد مجانبا للصواب، وينطوي على سوء تقدير لخطورة القيم الدينية المحرفة الكامنة في العهد القديم، وآثارها المدمرة على مستوى الأفكار والأعمال معا، بما في ذلك مناقضتها لقيم الحوار والتعارف والتعاون بين بني البشر. وبواعث هذا التقدير الخطير لنصوص العهد القديم أنه ممتد في أبعاد مختلفة، وترك آثاره الواضحة فيها، فأول تلك الأبعاد هو الامتداد التاريخي فقد كان العهد القديم طوال قرون عديدة المصدر الرئيس للثقافة والمعرفة لدى شعوب كثيرة، وبرغم القطيعة التي حدثت في أوربا بين الكنيسة ومؤسسة الحكم إلا أن التعاليم الكنسية بقيت تلقي بظلالها على ميادين أخرى كثيرة، و”يمكن القول إن التاريخ الإسرائيلي كان معروفاً على نطاقٍ واسع ومادة من مواد التربية والثقافة الدينيتين في أوروبا”[20]، مما يستحيل معه التخلص من آثاره التي تسكن العقل الباطن لتلك الشعوب. ثم الامتداد البشري، لأن العهد القديم قاسم مشترك بين الديانتين اليهودية والنصرانية، وأكثر المسيحيين واليهود اليوم ما زالوا يتمسكون بحرفية الكتاب المقدس ومنها العهد القديم، ويجلّون نصوصه عن النقد والتحليل، وهذا مرتبط أيضا بالامتداد الجغرافي، نظرا لكثرة الأمم المسيحية وانتشارها في مختلف قارات المعمورة. أضف إلى ما سبق أن الغرب المسيحي توفرت له أسباب القوة المادية في الحقب المتأخرة، فأصبح مركز التاريخ المعاصر وبؤرته، وحوَّل باقي الشعوب والحضارات إلى هوامش تدور في فلكه، معتمدا في ذلك الامبريالية وما تبعها من إلحاق ثقافي وعاطفي أحيانا. كما أن وسائل الاتصال الحديثة لعبت دورا خطيرا في تكريس قيم الغرب ومعتقداته ورموزه لدى الأمم الأخرى، ومع غلبة الوسائل المعتمدة على الصورة –الثابتة والمتحركة-، لم تعد الرسائل الثقافية والخطابات التي يبعثها الغرب قاصرة على النخب المثقفة، بل أصبحت ثقافة عامة تتلقاها كافة الشرائح والفئات على اختلاف ألسنتها وأعمارها.

        وبرغم أن الغرب المسيحي قطع مراحل كثيرة في سبيل التخلص من الثقافة الدينية الموروثة، ابتداء من الإصلاح الديني، وفلسفة الأنوار، وحركة الأنسنة، وصولا إلى الحداثة وما بعدها، إلا أنه لا يمكن الإدعاء أنه فك جميع أسباب الوصل مع الأفكار الدينية المشوشة، ولا يقتصر ارتباطه معها على الأوساط المتدينة القليلة نسبيا، بل هو ارتباط عام يشمل كل الغرب، فلا تزال روح نصوص العهد القديم تسكنه وإن لم يصرح بها في الثقافة المعلنة، بحيث ينبغي “…لفت الانتباه إلى وجود وجهين للحضارة: وجه بارز خارجي يطفو على السطح، ووجه خفي داخلي يسكن في الأعماق، وما يطفو على السطح لا يعكس دائما حقيقة الوجه الداخلي، إن الوجه الخارجي يعبر عنه الخطاب المنطوق  (Le dit) أو ما يمكن تسميته بالثقافة المكتوبة أو العالِمة، أما الوجه الداخلي فيمثله الخطاب المسكوت (Le non dit) أو ما يمكن تسميته بالثقافة الرمزية. إن الثقافة المنطوقة تصدر عن “الأنا الواعية” التي تمارس رقابة ذاتية للخضوع لمقتضيات السلطة “الإيديولوجية”، أما الثقافة الرمزية فتصدر عن المخيال الجمعي المؤثث بتلك المعادلات الثابتة، والذي يمثل جوهر الحضارة”[21].

        انطلاقا من هذا المدخل سأحاور رصد بعض الآثار السلبية لتعاليم العهد القديم في عالمنا المعاصر، ومدى إسهامها في إعاقة الحوار وعدم اعتماد قيمه وضوابطه في الكثير من العلاقات البينية التي يفرضها العمران البشري.

1. في مجالي العلم والحضارة

بصمات العهد القديم واضحة في بعض فروع المعرفة، سأذكر منها هنا بعض الشذرات، إذ ليس بالمستطاع في هذه العجالة الإحاطة بالموضوع؛ فالعلوم الإنسانية على سبيل المثال، -بالرغم من أن تسميتها تشير إلى محاولة العقلية الغربية الثائرة الانفكاك عن العلوم اللاهوتية- متأثرة في بعض فروعها بنصوص العهد القديم، خصوصا تلك العلوم التي يرتبط منهجها بنقل النصوص ودراستها، كعلم التاريخ. ولم تسلم العلوم التجريبية أيضا من بعض التأثير.

فكرة السامية

        لقد باتت فكرة السامية وكأنها حقيقة لا يمكن دحضها أو التشكيك فيها، ففي التاريخ تقسم شعوب العالم إلى شعوب سامية وأخرى غير سامية، وفي مجال اللسانيات تتوزع اللغات إلى سامية وغيرها، ولا يكاد المرء يصدق مدى الرسوخ الذي اكتسبته فكرة السامية رغم أن مصدرها النص التوراتي المحرف، الذي يزعم أن شعوب العالم تنسلت عن أبناء نوح الثلاثة سام وحام ويافث [تكوين 9]. والغريب أن تدخل هذه الفكرة بقوة في أعمال المؤرخين المسلمين بل والمفسرين، ولا أدري بأي منهج تحكموا في نص العهد القديم فقبلوا منه الجزء المتعلق بالتقسيم الثلاثي وفكرة السامية، ورفضوا فكرة الشعوب الملعونة وما نُسب لنوح عليه السلام من قبائح؟

ويذهل المرء من العقلية الغربية التي تدعي العلمية والتمحيص، ثم وجدناها تعتمد فكرة السامية دون سند علمي موثق، بل يستغرب كيف سنت بعض الدول الغربية قانونا يجرم معاداة السامية أو يشكك فيها، وليس ببعيد عنا ما نال رجاء جارودي من عقوبة لقاء تأليفه كتاب “الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية”.

انحراف وجهة العلم

قد يبدو أن العلم التجريبي بمنأى عن تأثير العقائد، وهو كذلك من ناحية منهج البحث فيه، غير أن للاعتقاد دورا حاسما في توجيه العلم وتسخير نتائجه، وبإمكان المتأمل أن يقتفي آثار الروح التوراتية –المتغلغلة في وجدان الغرب- في بعض فروع العلم الطبيعي، سأكتفي بالإشارة إلى بعض ذلك مما له تأثير في قيم الحوار:

        لقد رأينا كيف تزخر نصوص العهد القديم بقيم الصراع على مختلف الصعد، فلا غرو أن نجد صدى ذلك العنف والصراع يتردد في بعض زوايا العلم التجريبي، بدءاً بالسعي الحثيث نحو كسب القوة العسكرية فوق ما تقتضي الحاجة إلى الردع وتحقيق النصر، إلى درجة امتلاك أسلحة تكفي لتدمير كوكب الأرض أكثر من مرة كما كتب رجاء جارودي في إحدى كتاباته النقدية للغرب، وبمجرد الإطلاع على القاموس الغربي في ميادين الحضارة والعلم، تدرك النَّفَس الصدامي الذي يحرك عجلة العلم والتكنولوجيا لدى القوم، من مثل الحديث عن غزو الفضاء، واستغلال الموارد، والتحكم في البيئة، ومجابهة الكوارث الطبيعية… قاموس تغلب فيه معاني الإخضاع والتحكم والتحدي للخالق وللطبيعة؛ ولعل معترضا يقول بأن هذه الوجهة العنيفة التي ولاَّها العلم، مردُّها إلى تخلي الغرب عن قيمه الدينية التي ترشد العلم وكفره بالقيم الأخلاقية التي تلجم جماح البحث العلمي، وما حدث ذلك إلا بعد إقصاء التعاليم الروحية المبثوثة في العهدين القديم والجديد. فأبادر بالقول إن عقدة الاكتفاء والاستغناء عند الغرب، واعتداده بالعقل لا شك وأنه تضخم بسبب موجات الإلحاد والعالمانية، وإقصاء الديم من دائرة العلم والسياسة وتدبير شؤون الحياة، ولكن ليس بإمكاننا نكران أن هذا التضخم قد صادف قابلية مبدئية للصراع والعنف نُشِّئ عليها الضمير الغربي من خلال تعاليم الدين المحرف، فإذا كان العلم الحديث –عند ملاحدة الغرب- قد اعتبر وجود الإله مجرد فرضية مستبعدة، وإذا كانت فلسفة الإلحاد قد تحدثت عن موت الإله، فإن العهد القديم قد تكلم عن مصارعة حقيقية بدنية بين الإنسان والإله، فماذا بقي بعد ذلك من عنف وصراع؟

لقد أعلنت التوراة عن معركة خسرها الإنسان في حربه مع الإله، إنها معركة الخلود حيث طُرد من الجنة قبل أن يظفر بالأكل من شجرة الخلود، لكن الإنسان يحاول أن يستثمر غنائم معركته الرابحة (معركة المعرفة) ليتدارك هزيمته، فها هو يسخر العلم الحديث (في مجال علوم الحياة خاصة) ليحسم قضية الخلود، أليست الروح التوراتية وراء توجيه البيولوجيا وجهة متنطعة؟ وإلا كيف نفسر هذا السباق المحموم نحو التحكم في الحياة وتحقيق البشر الخالد، نتذكر في هذا السياق أبحاث الهندسة الوراثية والاستنساخ والجينوم البشري… وكثير منها لا توجهه أغراض نبيلة؛ كما نتذكر ذلك المسخ البشري الذي سيُؤجج الصراع والفتن إلى أبعد حدودها، ويدوس كل قيم الحوار والتعايش البشري، نتذكر الدجال وعلاقته باليهود (أهل العهد القديم) وكيف أنه سيخوله التحكم في العلوم الطبيعية، القدرة على قتل إنسان ثم إحيائه –نوعا من الحياة- مرة واثنتين. أليس في كل ذلك إشارات واضحة إلى أن العقائد التوراتية الفاسدة الكامنة في كثير من النفوس البشرية كمون الشرر في القش، حتى إذا ما سنحت سانحة أججت نار الصراع والحقد؟

2. في مجالي السياسة والاجتماع

عالم السياسة أقرب المجالات إلى التأثر بالقيم الدينية الفاسدة، فهو عالم تحكمه أصلا معادلات الصراع على النفوذ، ومنطق القوة والغلبة، فإذا انضاف إلى ذلك تسويغ ديني لذلك المنطق، حكم على الحوار والسلم بالإعدام، واستحالت إمكانية التعايش بين الشعوب، وسأذكر طرفا من تأثير العقائد الفاسدة في السياسة والعلاقات الاجتماعية.

العنصرية

لقد كانت فكرة “شعب الله المختار”[22] وبالا على البشرية، ارتُكبت بسببها الحروب القذرة وسفك الدم البشري بغزارة من أجل تحقيق فكرة طائشة تصور للإنسان تفوقه وعلوه على بقية الآدميين؛ ولقد شهدنا في هذا الزمان المتأخر استحكام هذه العقيدة الفاسدة من نفوس الصهاينة من اليهود، وكيف استمرأوا القتل والعدوان وتلذذوا بالدمار والتخريب والتهجير، اعتبارا منهم أن الأغيار من الفلسطينيين والعرب لا يرقَوْن إلى درجة البشر بل هم “كوييم”[23] لا حرج في إبادتهم والتنكيل بهم، فذلك تقرب إلى الخالق وعبادة له، ما دام الإله هو نفسه يمقُت تلك الشعوب وقد حكم عليها باللعنة.

كما شهد بعضنا –ممن لا يزال على قيد الحياة- تسخير نفس الفكرة المقيتة من قيل النازية، وارتكابها لفظاعات في حق الشعوب على اعتبار أن الشعب الآري هو الأرقى والأفضل والأجدر بالحياة، كما مارست الفاشية الفكرة نفسها، وكما مارسها الرجل الأبيض في إبادته لشعوب المايا والأزتيك في الأمريكتين، وتهجيره للسود واستعبادهم…وبالرغم من أن النصارى في أول شأنهم قد عانوا من اضطهاد اليهود لهم، إلا أنهم  ارتكبوا الجرم ذاته في حق غيرهم، فقد تملكتهم الروح التوراتية البائسة، لأنهم نهلوا من المورد نفسه الذي تتلمذ عليه يهود.

الحراك النسوي

رسخ الاعتقاد اليهودي في الأذهان، كون المرأة أدنى مكانة من الرجل، وأنها مصدر الغواية والإغراء، لذلك ينبغي لها أن تكون تحت سيادة الرجل، وبقيت هذه الفكرة ثابتا في المخيال الغربي، يظهر للعلن إن أمكنه ذلك، ويختفي في الثقافة الرمزية إن وجد مجابهة ورفضا؛ وقد أجج هذا المعتقد صراعا بين الجنسين، اعتبرته رائدة الحركة النسوية بفرنسا “سيمون دو بوفوار Simone de Beauvoir” أكبر من الصراع الطبقي: “إن صراع المرأة ضد الرجل هو مثل صراع البروليتاري ضد البرجوازية، لأنهما معا مضطهدان، يل تستدرك لاحقا بالقول: ما دام هذا الصراع، صراع المرأة ضد الرجل، هو صراع بين نصف الإنسانية ونصفها الآخر، فهو أهم من صراع الطبقات.”[24]

ولقد استطاع الغرب، بقوته في الإلحاق والتنميط، أن يصدر هذا الصراع الوهمي إلى بقية شعوب العالم، فأضحى جبهة عالمية مفتوحة على كل أشكال التنابز وحرب كسب المواقع بين النساء والرجال، وقد تمكن الغرب من أن ينتزع العالم العربي الإسلامي، من دورته الحضارية، ويلحقه بدورته الخاصة، ويجعله يعيش نفس مشاكله وصراعاته؛ وبدل أن تبقى العلاقة بين الجنسين تدبَّر ضمن شبكة العلاقات الاجتماعية المترابطة، وتعالج اختلالاتها بشكل سلس كما يعالَج كل خلل ناتج عن الاجتماع البشري، أصبحت تلك العلاقة متوترة إلى أبعد الحدود وتنطوي على خلفيات من الصراع المتوهم الذي تغذيه الاعتقادات الدينية الباطلة.

خاتمة

لقد اعتنت هذه الدراسة ببيان آثار التعاليم الدينية الفاسدة (العهد القديم) في تحجيم قيم الحوار، وإعاقة التواصل في مستوياته المختلفة، ولقد تنقلت بين النصوص المقدسة لدى اليهود والنصارى، مجلية ما فيها من اختلال قيمي، كاشفة عن رسائلها التي تعج بالعنف والصراع، ثم يمَّمت شطر جملة من العلاقات التي يفرزها الاجتماع البشري لتنظر كيف تم استقبال تلك الرسائل، وكيف تم تنزيلها في عالم الناس. ولئن كانت هذه الكلمة الموجزة قد غلبت عليها جوانب الوصف والرصد والتحليل، إلا أنها تفتحنا على ترسانة مهمة من الإشكالات، التي تتطلب جهدا متواصلا من أجل تحصين الذات ومواجهة الغزاة، فلنا أن نتساءل: ما السبيل إلى تحصين الذات من الآثار المدمرة للعقائد الفاسدة؟ وهل يمكن كسب هذا الرهان دون الدخول إلى مضمار المنافسة والمجابهة، من خلال نشر القيم الإسلامية الحضارية، وإقامة الشهادة على الناس؟ فإنه ما غزي قوم في أرضهم إلا ذلوا، ثم هل وفرت منظومتنا التربوية أسباب الحصانة من العقائد الفاسدة، وهل استطاعت ترسيخ الحوار لدى الناشئة؟ وهل استطاع العلماء والمفكرون تخليص التراث الإسلامي مما علق به من شوائب الإسرائيليات والأفكار الدخيلة؟

وعوداً على بدء، نقول إنه لا حوار بغير تعقُّل وبصيرة، ولا حوار بغير رجوع إلى قيم أخلاقية راسخة في النفس؛ ومن ثمة فإن المعركة الحقيقية التي ينبغي أن تخوض غمارها الإنسانية، هي معركة كسب الخلق القويم، والظفر بنور العلم النافع، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


[1] . أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، وابن عساكر في تاريخ دمشق، وابن حجر في تخريج مشكاة المصابيح، والسيوطي في تدريب الراوي، وغيرهم، بطرق كثيرة عن أبي هريرة وابن عمر وغيرهما، وحكموا عليها بين الإرسال والإعضال، وصحح بعضهم بعض طرقه.

[2]. جوناثان سويفت(1667-1745) ، أديب وسياسي إنكليزي-إرلندي، اشتهر بمؤلفاته الساخرة المنتقدة لعيوب المجتمع البريطاني في أيامه، من مؤلفاته المشهورة “خرافة مغطس” 1704A Tale of a Tub) ) مثل ساخر عن تاريخ المسيحية وانفصالها إلى طوائف حاقدة.

[3] . الشيخ محمد مصطفى المراغي، رسالة لمؤتمر الأديان العالمي في موضوع الزمالة الإنسانية، (انعقد بلندن في 3 يوليو 1936)، مطبعة الرغائب، مصر 1936، ص 4-5.

[4] . القائل: أنطون بافلوفيتش تشيخوف (1860-1904)، طبيب وكاتب مسرحي ومؤلف قصصي روسي، ينظر إليه على أنه من أفضل كتاب القصص القصيرة على مدى التاريخ، ومن كبار الأدباء الروس. كان لمسرحياته تأثير عظيم على دراما القرن العشرين.

[5] . أنظر: مقاييس اللغة لابن فارس. لسان العرب لابن منظور، الصحيح في اللغة للجوهري، مادة حور.

[6] . تفسير معالم التنزيل، للإمام البغوي، حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر – عثمان جمعة ضميرية – سليمان مسلم الحرش، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الرابعة، 1417هـ – 1997م.

[7]. النكت والعيون، تفسير أبي الحسن علي الماوردي البصري، تحقيق السيد بن عبد المقصود وآخرين، دار الكتب العلمية 1993.

[8]. مدارك التنزيل وحقائق التأويل، للإمام عبد الله بن أحمد النسفي، تحقيق مروان محمد الشعار، دار النفائس، الطبعة الثانية 2007.

[9]. أنظر  إظهار الحق للشيخ رحمة الله بن خليل الرحمن الهندي، تحقيق محمد عبد القادر خليل ملكاوي، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية، ط / 1989، العربية السعودية، ص 98 وما بعدها.

[10]. أنظر من اليهودية إلى الصهيونية (الفكر الديني اليهودي في خدمة المشروع السياسي الصهيوني)، أسعد السحمراني، دار النفائس، بيروت ط 2/ 2000م، ص 53-55.

[11]. التوراة والإنجيل والقرآن والعلم، موريس بوكاي، ترجمة نخبة من الأساتذة، دار الكندي، ط 1 / 1978، بيروت، ص 20-21.

[12] . التلمود كلمة مشتقة من الجذر العبري “لامد” الذي يعني الدراسة والتعلم كما في عبارة “تلمود توراه” أي “دراسة  الشريعة”. ويعود كل من كلمة تلمود العبرية وكلمة تلميذ العربية إلى أصل سام واحد. والتلمود من أهم الكتب الدينية عند اليهود، وهو الثمرة الأساسية للشريعة الشفوية، أي تفسير الحاخامات للشريعة المكتوبة “التوراة”. ويخلع التلمود القداسة على نفسه باعتبار أن كلمات علماء التلمود كان يوحي بها الروح القدس نفسه “روح هقودش” باعتبار أن الشريعة الشفوية مساوية في المترلة للشريعة المكتوبة. موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، عبد الوهاب المسيري،  دار الشروق، القاهرة، ط 1/ 1999، المجلد 5، ص 125.

[13]. التناقض في التوراة وأثره في الأعمال السلبية لليهود، حامد عيدان حمد الجبوري، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، سنة 2007 م، ص 19-20.

[14] . حول تاريخ الدراسات النقدية للعهد القديم داخليا وخارجيا، أنظر: نقد نماذج لروايات العهد القديم من خلال القرآن الكريم والدراسات الحديثة، أسامة أبو نحل، 2006 موقع مؤسسة فلسطين للثقافة، www.thaqafa.org

وأنظر: تاريخ نقد العهد القديم من القرن 15 إلى القرن17، ألقاها سمير القدوري بدار الحديث الحسنية بالرباط، يوم الأربعاء 20 أكتوبر 2010م، منشورة على موقع ملتقى أهل التفسير: www.tafsir.net/vb/tafsir26422/#ixzz28YdbY7g5

[15] .  محمد الحسيني إسماعيل، البابا شنودة الثالث يروي كيف صارع الإنسان ” الإله ”.. وكيف أسره، موقع الإسلام والعالم www.islamegy.wordpress.com/articles/jacob-god-wrestling ، وفي هذا المقال يورد تفسير البابا شنودة الثالث للنص المذكور وتأكيده للمعنى الظاهر من ألفاظه، في: ” سنوات مع أسئلة الناس”، الجزء السابع،ص 33 – 34، كاتدرائية العباسية، رقم الإيداع بدار الكتب: 4456/1993م، الترقيم الدولي: I.S.B.N : 977- 5345 – 07 – 3

[16] . دراسات في الكتاب المقدس –سفر التكوين-، القُمُّص تادرس يعقوب الملطي، عن موقع المكتبة القبطية: http://www.calloflove.net/copticlibrary/bible/biblestudy/old/01Gen/00.htm

[17] . فسر بابا شنودة الثالث ذلك بقوله: “والمقصود بأبناء الله هنا أبناء شيث وأبناء أنوش، أما بنات الناس فهن نسل قايين“، وقال: “أخطأ شهود يَهْوَه في فهم ما ورد في الإصحاح السادس من سفر التكوين، فاعتقدوا أن أبناء الله هم الملائكة وقد تزوجوا بنات الناس، وبنوا على هذا الأساس أفكارًا كثيرة”. كتاب لاهوت المسيح، وكتاب شهود يهوه وهرطقاتهم، موقع المكتبة القبطية الأرثوذكسية:

http://st-takla.org/books/pope-sheounda-iii/watchtower/angels.html

[18] . أنظر في تفصيل فكرة السامية وشعب الله المختار: من اليهودية إلى الصهيونية، مرجع سابق، ص 31-40، 173-177.

[19] . موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، مرجع سابق، ج5 ص78.

[20] . نقد نماذج لروايات العهد القديم من خلال القرآن الكريم والدراسات الحديثة، موقع فلسطين للثقافة، سبق ذكره.

[21] . المرأة/المرأة: مقاربة حضارية، مصطفى المرابط، مجلة المنعطف، عدد مزدوج 15-16، سنة 2000، ص 45-46. نشير إلى أن النص المقتطف يتحدث عن الثوابت التي تسكن الغرب في نظرته للمرأة، والتي لا تظهر في الخطاب المعلن، وأزعم أن تلك الثوابت الخفية سواء في قضية المرأة أو غيرها، مصدرها أساسا روح الثقافة الدينية التي مرجعها العهد القديم.

[22] . مصطلح “الشعب المختار” ترجمة للعبارة العبرية “هاعم هنفحار”… وإيمان بعض اليهود بأنهم شعب مختار مقولة أساسية في النسق الديني اليهودي، وتعبير آخر عن الطبقة الحلولية التي تشكلت داخل التركيب الجيولوجي اليهودي وتراكمت فيه. والثالوث الحلولي مكون من الإله والأرض والشعب، فيحل الإله في الأرض، لتصبح أرضاً مقدسة ومركزاً للكون، ويحل في الشعب ليصبح شعباً مختاراً، ومقدساً وأزليا… وهذه بعض سمات الإله، ولهذا السبب يشار إلى الشعب اليهودي بأنه “عم قادوش” أي الشعب المقدس، وقد جاء في سفر التثنية 14/2 [لأنك شعب مقدس للرب إلهك.  وقد اختارك الرب لكي تكون له شعباً خاصاً فوق جميع الشعوب الذين على وجه الأرض]… وتسيطر فكرة الشعب المختار، بعد علمنتها، على الفكر الصهيوني بجميع اتجاهاته.  وقد أكد آحاد هعام، منطلقاً من المفاهيم النيتشوية الخاصة بالسوبرمان، أن اليهود أمة متفوقة “سوبر أمة” على حد قوله… بل إن فلسفة بوبر الحوارية هي تعبير مصقول عن فكرة الاختيار، فالحوار الحق ممكن بين الإله واليهود، أساساً بسبب التشابه بينهما، وهو أمر ليس متاحاً لكل الأمم. أنظر: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، مرجع سابق، ج5، ص 88-92.

[23] . لفظ كوييم كان اليهود يطلقونه على الوثنيين، ثم أصبح يطلق على كل من ليس يهوديا، والكوييم أو الأمميين أصبح لها تفسير في منتهى الاحتقار لكل شخص غير يهودي، وهو أن الكوييم حيوانات خلقهم الإله على صورة آدميين ليخدموا اليهود. أنظر: التناقض في التوراة وأثره في الأعمال السلبية لليهود، حامد عيدان حمد الجبوري، دار الكتب العلمية، لبنان، ط1/2007، ص 186. وانظر: من اليهودية إلى الصهيونية، مرجع سابق، ص173 وما بعدها.

[24] . نقلا عن مصطفى المرابط، مجلة المنعطف، مرجع سابق.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.