” ضع وتعجل “

يرغب زبون البنك في تعجيل آداء ما عليه من أقساط للبنك.

في هذه الحالة يعفى زبون البنوك الربوية من مبلغ الفائدة المترتبة على الزمن كما يجب أن يعفى من مبالغ التأمين التي لا مبرر لها بعد الآداء المعجل. هذا الخصم يجعل الزبون راضيا لأنه ينظر إلى مصلحتة المادية المحققة بسبب تعجيل الآداء. إذا ما نظر إلى ما كان سيؤديه من فوائد مضاعفة ترتفع قيمتها كلما اتسع نطاق الزمن الفاصل عن العقد.

على خلاف الأمر في البنك الإسلامي. يطلب من الزبون آداء كل المبالغ المستحقة في ذمته ولو أبدى هذا الأخير رغبته في الآداء المعجل. ففي بيع المرابحة للآمر بالشراء مثلا يبيع البنك الإسلامي للزبون السلعة بثمنها مع هامش ربح، وبطريقة آداء مناسبة عن طريق أقساط شهرية. و في حالة ما إذا رغب الزبون في الآداء المعجل. فإن البنك لا يحط عليه شيئا من المبالغ التي التزم بها بمقتضى العقد.

وتحريرا للإشكال نتساءل: مادام البنك الإسلامي من مصلحته قبض الثمن والربح معجلا. فهل يمكنه أن ينحو نفس منحى البنوك التقليدية فيحط عن الزبون شيئا من الدين في حالة رغبته في تعجيل آداء ما بذمته ؟

وهل هناك موانع شرعية تمنع هذا التصرف؟ وإذا كانت هناك موانع. فهل تسعف الآراء الفقهية والاجتهادات المعاصرة في إيجاد مخرج مناسب تتحقق معه مصلحة البنك والعميل في هذه الحالة ؟

نفصل النقاش ونبسط الآراء الفقهية في الموضوع من خلال تناول قاعدة “ضع وتعجل “.

وذلك من خلال العناصر التالية:

1 ـ صورة المسألة المدروسة: “ضع وتعجل “

2 ـ ضع وتعجل من غير شرط بين المتعاقدين.

3 ـ ضع وتعجل بالشرط بين المتعاقدين.

 أ ـ المانعون وأدلتهم.

 ب ـ المجيزون وأدلتهم.

4 ـ قرار المجمع الفقهي المنعقد رقم 66/2/7 المنعقد في جدة بتاريخ 1992م

5 ـ توصيات المؤتمر السابع عشر لهيئات الرقابة الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية ” أيوفي ” المنعقد في أبريل من سنة 2019 م

1 ـ صورة المسألة المدروسة: ” ضع وتعجل

 روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه لما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يخرج بني النضير قالوا: يا رسول الله، إنك أمرت بإخراجنا، ولنا على الناس ديون لم تحل، فقال صلى الله عليه وسلم: “ضعوا وتعجلوا ” (1)

وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان لا يرى بأسا أن يقول: ” أعجل لك وتضع عني. ”

صورة مسألة ضع وتعجل: دين مؤجل وقع الصلح عليه بشرط وضع بعضه مقابل التعجيل بدفعه.

وقد جرى العرف في المؤسسات المالية أن الحسم الزمني في الديون المؤجلة يكون مقابل الحط منها. وهذا عين مسألة: ” ضع وتعجل

نستنتج بأن مسألة ضع وتعجل كما دل على ذلك أصلها في النصوص وتطبيقها في الواقع تعني وضع بعض الدين المؤجل أو التنازل عن جزء منه ودفع باقي الدين في الحال.

وقد فرق الفقهاء بين ضع وتعجل بشرط بين المتعاقدين. وضع وتعجل بدون شرط بينهما:

 2 ـ “ضع وتعجل” من غير شرط بين المتعاقدين

قد يبادر المدين من تلقاء ذاته دون شرط مسبق من صاحب الحق إلى التحلل من الدين وآداء ما بذمته معجلا، فيقابل صاحب الحق هذه المبادرة بحط بعض الدين.

يقول الإمام ابن حزم -رحمه لله-: “فلو عجل الذي عليه الحق بعض ما عليه بغير شرط ثم رغب إلى صاحب الحق أن يضع عنه الباقي أو بعضه فأجابه إلى ذلك، أو وضعه، أو بعضه، فكل ذلك جائز حسن وكلاهما مأجور؛ لأنه ليس ههنا شرط أصلا، لكن أحدهما سارع إلى الخيار في أداء بعض ما عليه فهو محسن، والآخر سارع إلى الإبراء من حقه فهو محسن، قال الله تعالى:(وافعلوا الخير) وهذا كله خير (1)

وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.

وهذا ما ذهب إليه مجمع الفقه الإسلامي في قراره 66″/2/7الحطيطة من الدين المؤجل لأجل تعجيله، سواء أكانت بطلب الدائن أم المدين (ضع وتعجل) جائزة شرعا، لا تدخل في الرﺑﺎ المحرم إذا لم تكن بناء على اتفاق مسبق”.

كما جاء في المعايير الشرعية: “يجوز للمؤسسة أن تتنازل عن جزء من الثمن عند تعجيل المشتري سداد التزاماته إذا لم يكن بشرط متفق عليه في العقد”.

3 ـ ضع وتعجلﺑﺎلشرط بين المتعاقدين.

اختلف الفقهاء في مسألة “ضع وتعجل” ﺑﺎلشرط بين المتعاقدين إلى قولين:

 القول الأول: المانعون لضع وتعجلﺑﺎلشرط.

ذهب إلى هذا القول جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة وأحد الوجهين للشافعية، وهو قول ابن عمر والمقداد وزيد بن ﺛﺎبت من الصحابة – رضي لله عنهم.

وفي هذا يقول الإمام مالك -رحمه لله-: “..فهذا الربا بعينه لا شك فيه

ويرى الإمام مالك أن مسألة ضع وتعجل هي بمنزلة الحالة التي يحل فيها الدين فيطلب المدين تأجيله بزيادة.

واستعمل المالكية هنا قياس مسألة “ضع وتعجل” على مسألة “أخرني وأزيدك”، بجامع أن كلا منهما جعل للأجل ثمنا، أي أنه لما زاد له في الزمان زاد له في العوض، ولما حط عنه من الزمان حط عنه من العوض. (3)

ولا يسمح المقام ببسط أدلة المانعين ومناقشتها. لذلك نكتفي بما تمت الإشارة إليه ليكون التركيز على أدلة المجيزين ومناقشتها.

القول الثاني: المجيزون ل ” ضع وتعجل” ﺑﺎلشرط بين الطرفين

ذهب إليه الإمام ابن تيمية وابن القيم وهو وجه عند الشافعية وقول عند الحنابلة وذهب إليه أيضا الإمام زفر من الحنفية، وهو ما قال به ابن عباس -رضي لله عنهما أنه ثبت عن ابن عباس -رضي لله عنهما- أنه أجاز “ضع وتعجل”، فقد سئل ابن عباس عن الرجل يكون له الحق على الرجل على أجل، فيقول: عجل لي وأضع عنك، فقال: لا ﺑﺄس بذلك.

وقال ابن عباس -رضي لله عنهما-” “إنما الرﺑﺎ أخّر لي و أزيدك، وليس عجل لي وأضع عنك”.

وأورد ابن القيم في إغاثة اللهفان أن رﺑﺎ الجاهلية المتفق على حرمته أن يقول “أنظرني وأزيدك”، وهذا يتضمن الأجل والدين، وذلك إضرار محض ﺑﺎلغريم ونفع محض للدائن، أما في مسألة “ضع وتعجل” فإن فيها إبراء لذمة الغريم من الدين، كما لا يوجد نفع محض للدائن، فمسألة “ضع وتعجل” ضد الرﺑﺎ صورة ومعنى.

والربا في اللغة الزيادة، وهذا المعنى غير موجود في “ضع وتعجل”، بل فيها نقص في الأجل والدين. “

من هذا العرض السابق يتبين أن مسألة “ضع وتعجل” هي من المسائل الخلافية بين الصحابة وبين الفقهاء مما يجعل باب الاجتهاد مفتوحا في موضوعها. وقد شكل تطور نشاط البنوك الإسلامية عاملا أساسيا فرض على المجتهدين في العصر الحاضر الرجوع لهذه القاعدة وتقليب نظر الفقهاء فيها والترجيح بين آرائهم تنقيبا عن المخارج السليمة التي تتحقق معها مصلحة البنك والزبون.

ولأهمية الموضوع في عمل البنوك الإسلامية فقد كان محط اجتهادات في مؤتمرات ومجامع فقهية معتمدة. ومنها مجمع الفقه الإسلامي وهيئة المعايير الشرعية. أيوفي.

4 ـ قرار مجمع الفقه الإسلامي.(4)

ورد في قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة التعاون رقم:

(66 / 2/7) لعام 1992 أن “ضع وتعجل “جائزة بشرط ألا تكون باتفاق مسبق، فقد ورد في نص القرار على أن: ” الحطيطة من الدين المؤجل لأجل تعجيله سواء بطلب الدائن أو المدين جائزة شرعا، ولا تدخل في الربا المحرم. إذا لم تكن بناء على اتفاق مسبق، وما دامت العلاقة بين الدائن والمدين ثنائية، فإذا دخل بينهما طرف ثالث لم تجز، لأنها تأخذ حكم حسم الأوراق التجارية “.

والظاهر أن قرار مجمع الفقه الإسلامي كان قرارا عاما، لكنه يبقى تراكما وتمهيدا للقرارات بعده ومن أهمها ما صدر هذه السنة 2019 عن مؤتمر أيوفي للهيئات الشرعية الذي انتقل من القول بجواز ضع وتعجل إلى دعوة الجهات الرقابية إلى الالتزام بالحط من الدين عند السداد المبكر.

ونتناول فيما يلي نص هذه التوصيات.

 5 ـ توصيات المؤتمر السابع عشر لهيئات الرقابة الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية ” أيوفي “ (5) المنعقد في أبريل من سنة 2019 م

أورد المؤتمرون هذه التوصيات تحت عنوان: إلزام الجهات الرقابية للبنوك الإسلامية بالحط من الدين عند السداد المبكر، وهي كما يلي:

أولاً: الحط من الدين موافق لقواعد الشريعة والسماحة في التعامل فهو من الصلح بين المسلمين، ومن حسن الاقتضاء، ومن الإرفاق بالمدين.

ثانيا: يجوز الحط من الدين عند السداد المبكر باتفاق عند الحط، وليس باتفاق مسبق في العقد، وبهذا قال ابن عباس وزفر من الحنفية وابن تيمية وابن القيم من الحنابلة، وبجواز هذه الحال صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي، وعدد من المعايير الشرعية الصادرة عن المجلس الشرعي، ومنها المعيار الشرعي بشأن المرابحة والمعيار الشرعي بشأن ربح المعاملات.

ثالثا: لا يجوز الاتفاق المسبق في العقد بين الدائن والمدين على الحط من الدين عند السداد المبكر، لئلا يُتذرّع به إلى ممنوع، وبمنع هذه الحال صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي، وعدد من المعايير الشرعية.

رابعا: يدعو المؤتمر البنوك المركزية والجهات الرقابية إلى الالتزام بالمعايير الشرعية لأيوفي، والتنسيق مع جهات الفتوى الرسمية قبل إصدار تعليمات إلزامية لعموم المؤسسات المالية الإسلامية إن كان للتعليمات تعلق شرعي، مع اعتماد ما يصدر من تلك التعليمات من الهيئة الشرعية المركزية (حال وجودها.)

 أظن أن هذه التوصيات فتحت الباب للهيئات الشرعية لبلورة الصيغة المناسبة لإلزام البنوك بالحطيطة من الدين عند السداد المبكر ويزكي هذا ما صدر من المعايير الشرعية في موضوع المرابحة وغيرها.

والذي يظهر أيضا أن إلزام الجهة الرقابية يختلف عن الإلزام العقدي، الذي يضع شرطا في صلب العقد بين الطرفين، وذلك أن الإلزام العقدي أي بوضعه شرطا أوليا في صلب العقد، يجعل البنك ملتزما بهذا الشرط حتى لو غيرت الجهة الرقابية تعليماتها، لأن تغيير الشرط يجب أن يتم بعد موافقة الطرف الآخر في العقد. بينما طلب الجهة الرقابية تضمين ذلك في السياسات والإجراءات وعدم ذكرها في العقد يجعل البنك غير ملزم بها في حالة أن غيرت الجهة الرقابية تعليماتها.

كما إن إلزام الجهات الرقابية بالحطيطة من الدين بمثابة التزام أدبي لو ترك أمره للبنك لما أخذ به إلا ناذرا، فكان إلزام الجهات الرقابية مبدأ له مبرراته ومصالحه.

وأرى أنه إذا كانت بعض الاجتهادات تلزم العميل بالتصدق لجهة خيرية عند مماطلته. فمن باب العدل أن نشجع العميل الذي عجل بآداء الدين قبل حلول أجله. حتى نشجع غيره لينحو نفس المنحى ويسلك الطريق نفسه. فتتحقق بذلك مصلحته ومصلحة البنك.

,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,

 (1) المحلى لابن حزم

 (2) أخرجه الحاكم في المستدرك، وأخرجه البيهقي في السنن .

 (3) المنتقى للباجي 1/64/65 دار الكتاب العربي

(4) تأسس مجمع الفقه الإسلامي الدولي تنفيذا للقرار الصادر عن مؤتمر القمة الإسلامي الثالث “دورة فلسطين والقدس” المنعقد في مكة المكرمة بالمملكة العربية السعودية في الفترة من 19 – 22 ربيع الأول 1401هـ (25 – 28 يناير 1981م)

(5) أيوفي: هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية تأسست (الهيئة) بموجب اتفاقية التأسيس الموقعة من عدد من المؤسسات المالية الإسلامية بتاريــخ 1 صفر 1410 هـ الموافق الموافق 26 فبراير 1990في الجزائر.

وقد تم تســجيل الهيئة في11 رمضان 1411هـ الموافق27 مارس 1991م في دولة البحرين بصفتها هيئة عالمية ذات شخصية معنوية مستقلة غير هادفة للربح . وتهدف الهيئة إلــى تطوير فكر المحاســبة والمراجعة للمؤسســات المالية الإســلامية وتتولى إصدار معايير شرعية توجه عمل البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية والجهات الرقابية لهذه المؤسسات.

اظهر المزيد

حميد خالد

أستاذ التربية الإسلامية. ماستر في الدراسات الإسلامية بالمعهد العالي للدراسات الإسلامية بالقاهرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: