صيام الصيف وأسراره.

للصوم أهداف وحكم كثيرة، من بينها: تحصيل خلق الصبر بإلزام النفس بالطاعة وإبعادها عن المعصية، فبمداومة الصيام ينمو في الإنسان خلق الصبر؛ فيكتسب دربة على ترك الشهوات المباحة ويستطيع التحكم في شهواته بصفة عامة؛ فيتأهل شيئا فشيئا في رمضان وبعده ليتحكم في شهواته المباحة والمحرمة، فإن الحائل بين الإنسان وبين الكمال الخلقي هو ضعف الإرادة، والانسياق وراء الأهواء والشهوات. والذي اكتسب خلق الصبر في شهر رمضان يكون أيسر عليه النهوض بالطاعات والاصطبار عليها واجتنابه للمعاصي. ولعل أرقى مدرسة لتعلم الصبر هي مدرسة الصيام في الصيف وذلك للمشقة الحاصلة في الصيام بسبب طول النهار وارتفاع حرارته، وإن الجزاء يكون على عظم المشقة كما سيأتي. وقد وعى الصحابة الكرام والصالحون من هذه الأمة هذا الأمر فعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث أبا موسى الأشعري على سرية في البحر، فبينما هم كذلك قد رفعوا الشراع في ليلة مظلمة، إذا هاتف فوقهم يهتف: يا أهل السفينة! قفوا أخبركم بقضاءٍ قضاه الله على نفسه، فقال أبو موسى: أخبرنا إن كنت مخبراً، قال: إن الله تبارك وتعالى قضى على نفسه أنه من أعطش نفسه له في يوم صائف، سقاه الله يوم العطش1.

وعن أبي موسى بنحوه إلَّا أنه قال فيه. قال: “إن الله قضى على نفسه أنّ من عطّش نفسه لله في يوم حارٍّ كان حقّا على الله أن يرويه يوم القيامة”2.

فكان أبو موسى يتوخى اليوم الشديد الحر الذي يكاد الإنسان ينسلخ فيه حرّاً فيصومه3.

الصيام في الصيف ليس هو الصيام في الشتاء، وفي كل خير، فإذا كان الصيام في الحر يعلو أجره وجزاؤه على قدر المشقة الحاصلة فيه فإن الرسول الكريم اعتبر الصيام في الشتاء نعمة وغنيمة، وذلك أن المسلم إذا عرف كيف يستفيد من صومه ووقته؛ فإنه سينال الأجر العظيم. قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة”4. وقال عمر بن الخطاب: “الشتاء غنيمة العابدين”5.

عبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصوم في الشتاء بالغنيمة الباردة لأنها تحصل بلا مشقة، وذلك لقصر النهار وبرودة الجو. فإذا كان الصيام في نهار الصيف شاقا لأنه يحتاج قوة، فإن صيام الشتاء يحتاج أيضا إلى قوة لطول ليله، فوجب أن يغتنمه المسلم في طول القيام.

قال الإمام الشاطبي: ” عظم الأجر ثابت لمن عظمت مشقة العبادة عليه، كالوضوء عند الكريهات، والظمأ والنصب في الجهاد، فإذن اختيار أبي موسى رضي الله عنه للصوم في اليوم الحار كاختيار من اختار الجهاد على نوافل الصلاة والصدقة ونحو ذلك، لا أن فيه قصد التشديد على النفس؛ ليحصل الأجر به، وإنما فيه قصد الدخول في عبادة عظم أجرها؛ لعظم مشقتها، فالمشقة في هذا القصد تابعة لا متبوعة، وكلامنا إنما هو فيما إذا كانت المشقة في القصد غير تابعة، وكذلك حديث الأنصاري (حديث جابر وسيأتي) ليس فيه ما يدل على قصد التشديد، وإنما فيه دليل على قصد الصبر على مشقة بعد المسجد ليعظم أجره، وهكذا سائر ما في هذا المعنى”6. خلاصة كلام الشاطبي أنه على المكلف أن لا يقصد التكليف لعين المشقة الواردة فيه بل عليه أن يقصد العمل الذي يعظم أجره لعظم مشقته من حيث هو عمل. وفي صحيح مسلم أن بني سلمة أرادوا أن يبيعوا دارهم البعيدة عن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويشتروا دارا قريبة من المسجد النبوي فنهاهم عن ذلك. قال جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ: كَانَتْ دِيَارُنَا نَائِيَةً عَنْ الْمَسْجِدِ فَأَرَدْنَا أَنْ نَبِيعَ بُيُوتَنَا فَنَقْتَرِبَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنَّ لَكُمْ بِكُلِّ خَطْوَةٍ دَرَجَةً7.

قال الشاطبي معلقا على الحديث: “وفي الشريعة من هذا ما يدل على أن قصد المكلف إلى التشديد على نفسه في العبادة وسائر التكاليف صحيح مثاب عليه، فإن أولئك الذين أحبوا الانتقال أمرهم عليه الصلاة والسلام بالثبوت لأجل عظم الأجر بكثرة الخُطا، فكانوا كرجل له طريقان إلى العمل: أحدهما سهل، والآخر صعب، فأُمِرَ بالصعب ووُعِدَ على ذلك بالأجر، بل جاء نهيهم عن ذلك إرشادا إلى كثرة الأجر..”8

فإذا تقرر هذا فلا ينبغي لعاقل أن يكثر من الشكوى والسخط، بل عليه أن يقبل على العمل وهو موقن بأن الله سيجزل له العطاء، فليسأل الله العون على العبادة كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل.

ومما يعزز هذا الأمر ما روي عن الحسن البصري رضي الله عنه أنه قرأ {واتقوا يوما ترجعون فيه الى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} البقرة 281، فقال: هذه موعظة وعظ الله بها المسلمين، وذلك أن الحور العين تقول لولي الله، وهو متكئ على نهر العسل وهي تعطيه الكأس، وهما في سرور ونعيم: أتدري يا حبيب الله متى زوجنيك الله ربي؟ فيقول: لا أدري. فتقول: نظر إليك في يوم صائف بعيد ما بين الطرفين وأنت في ظمأ الهواجر، فتباهى بك الملائكة، وقال: أنظروا يا ملائكتي إلى عبدي، ترك شهوته ولذته وزوجته وطعامه وشرابه رغبة فيما عندي، أشهدكم أني قد غفرت له، فغفر لك يومئذ وزوجنيك8.

الصيام في الصيف كان دأب الصالحين من هذه الأمة ولم يكن دأب أبي موسى الأشعري وحده، فقد روى أن معاذ بن جبل لما حضرته الوفاة قال: مرحباً بالموت زائر مغيب، وحبيب جاء على فاقة، اللهم إني كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكرى الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن لطول ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر9.

ولما نزل الموت بمحمد بن المنكدر بكى، فقيل له ما يبكيك فقال ما أبكي حرصًا على الدنيا ولا جزعًا من الموت، ولكن أبكي على ما يفوتني من ظمأ الهواجر وقيام ليالي الشتاء10.

وكان يقول عامر بن عبد قيس: “ما أبكي على دنياكم رغبة فيها، ولكن أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء”.11

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 – ينظر المستدرك على الصحيحين للحاكم، دار الحرمين للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 1417هـ / 1997 م ، وقال عنه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ( البخاري ومسلم ) 3/ 572. وينظر أيضا الترغيب والترهيب للحافظ المنذري، اعتنى به أبو عبيدة مشهور بن حنين آل سلمان وحسن المنذري ، ص 419.

2 – الترغيب والترهيب 420

3 –الترغيب والترهيب 420، وضعف الألباني هذا الحديث، ينظر ضعيف الترغيب والترهيب للألباني، مكتبة المعارف الرياض 1/154. وسواء صح الحديث أو ضعف فقد أجمع جمهور المحدثين على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال والقصص والمواعظ.

4 – مسند الإمام أحمد، طبعة دار الحديث القاهرة، الطبعة الأولى 1416هـ / 1995 م، 15/ 333.

5 – حديث موقوف على عمر بن الخطاب وهو صحيح: رواه أبو نعيم في “الحلية”، طبعة دار الفكر 1416هـ / 1996م، 1/51.

6 – الموافقات للشاطبي، تحقيق محمد عبد القادر الفاضلي، طبعة 1421هـ / 2000م، 2/97.

7 – صحيح مسلم، فضل كحثرة الخطا إلى المساجد، طبعة بيت الأفكار الدولية، ص 262.

8 – الموافقات 2/ 96.

8 – بحر الدموع لابن الجوزي، علق عليه وأخرج أحاديثه مصطفى محمود 1/ 75. الجوع لابن أبي الدنيا ، تحقيق محمد خير رمضان يوسف، طبعة 1421 هـ / 2000 م، ص 52- 53.

9 – مختصر منهاج القاصدين للحافظ المقدسي، اعتنى به شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط، ص 394. وقريب من هذا القول روي عن ابن عمر، ينظر سير أعلام النبلاء، طبعة مؤسسة الرسالة 1405هـ/ 1985 م، 2/ 349، ومثله أيضا روي عن ابن عمر، ينظر سير أعلام النبلاء 3/ 232.

10 – اغتنام الأوقات في الباقيات الصالحات قبل هجوم هام اللذات ومشتت الشمل ومفرق الجماعات لعبد العزيز محمد السلمان، مطابع دار طيبة، ط24، ص 146.

11 – حلية الأولياء لأبي نعيم، طبعة دار الفكر 1416هـ / 1996 م، 2/88.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: