صلة الرحــــــــم

تعرف مجتمعاتنا المفتونة حالة من التشتت والتمزق، إذ تحطمت فيها روابط المجتمع وروابط الأسر، التي طالما نادى الإسلام بتوثيق عراها بصلة الأرحام وجعلها من الأصول الكبرى التي دعا إليها.
جاء في حديث متفق عليه أن أبا سفيان لما سأله هرقل عما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم قال “فما يأمركم به نبيكم؟ فأجابه، يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والصلة”.
إن مثل مجتمعنا في هذا العصر كالثمرة الفجة (التي لم تنضج) التي انفصلت من شجرة الحياة فتعفنت وفسدت ونبذتها الحياة. نبذتها لأنها استغنت بمنهجها عن منهج الله الذي يحث على جمع شتات المجتمع وتأصيل المحبة بين أفراده، وذلك بالإحساس بوشائج الأرحام وتوقي هضمها وظلمها. يقول الله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا) النساء الآية1.

أ- تعريف الأرحام

الأرحام هم من ترتبط بهم بصلة القرابة والنسب وهم على التوالي الآباء والأمهات، والأجداد والجدات، والإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، وأولاد الأخ وأولاد الأخت، والأخوال والخالات، ثم يليهم من الأقرباء، الأقرب فالأقرب..  وهؤلاء سموا من طرف الشرع أرحاما لسببين:
– لاشتقاق الرحم من اسم الرحمن، وهذا ما أكده النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: عن الله عز وجل ” أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم، وشققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته“. ولا يخفى ما في الاشتقاق من باعث إلى الرحمة، ومن دافع إلى العطف والحنان نحو من له حق الصلة من ذوي القرابة والنسب.
– لانحدار القرابة من الأصل الذي ينتمي إليه الإنسان، وهذا ما عناه النبي صلى الله عليه وسلم في توجيهاته الكريمة في وجوب الصلة والتحذير من القطيعة.

ب- بم تكون صلة الرحم؟

تكون صلة الرحم ببذل المال للفقراء من ذوي القربى، والزيارة التي توطد أواصر القربة، وتؤصل المحبة وتزيد في التراحم. وتكون صلة الرحم بالتناصح والصون والإيثار والإنصاف. وتكون بالكلمة الطيبة، والوجه الطلق، واللقاء الحسن، والابتسامة الودود. وتكون في غير ذلك من أعمال الخير والتغافل عن الزلات. وفي الحديث الذي رواه البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما يبين لنا الرسول صلى الله عليه وسلم صلة الرحم في أبسط أشكالها وأقلها كلفة فيقول: “صلــــوا أرحامكم ولو بالسـلام“.
قال القاضي عياض رحمه الله: “لا خلاف في أن صلة الرحم واجبة في الجملة، وقطيعتها معصية كبيرة. والأحاديث تشهد لهذا. ولكن الصلة درجات بعضها أرفع من بعض، وأدناها ترك المهاجرة، وصلتها بالكلام ولو بالسلام ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة. فمنها واجب، ومنها مستحب. فلو وصل بعض الصلة ولم يصل إلى غايتها لا يسمى قاطعا. ولو قصر عما يقدر عليه لا يسمى واصلا”.

ج- عقوبة قاطع الرحم

لقد تساهل الناس في الرحم وما ذاك إلا بسبب جهلهم بجسامة هذا الإثم. روى البخاري ومسلم والترمذي عن جبير بن مطعم رضي الله عنه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “لا يدخل الجنة قاطع.” قال سفيان: يعني قاطع رحم.
– قاطع الرحم يعجل الله به العقاب في الدنيا قبل الآخرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم“.
– كما لا يتقبل الله عمل قاطع الرحم؛ روى أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن أعمال بني آدم تعرض كل خميس ليلة الجمعة، فلا يقبل عمل قاطع رحم“.
– بل يحرم المجلس الذي فيه قاطع الرحم من رحمة الله: روى الأصبهاني من حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما قال: “كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا يجالسنا اليوم قاطع رحم. فقام فتى من الحلقة فأتى خالة له قد كان بينهما بعض الشيء فاستغفر لها واستغفرت له، ثم عاد إلى المجلس فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الرحمة لا تتنزل على قوم بينهم قاطع رحم“.

– كما يحرم القوم الذين بينهم قاطع الرحم من نزول الملائكة: روى الطبراني مختصرا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الملائكة لا تتنزل على قوم بينهم قاطع رحم“.
– بل إن دعاء القوم لا يقبله الله مادام فيهم قاطع رحم: روى الطبراني ورواته محتج بهم في الصحيح من حديث الأعمش قال: كان ابن مسعود رضي الله عنه جالسا بعد الصبح في حلقة فقال: “أنشد الله قاطع رحم لما قام عنا، فأنا نريد أن ندعو ربنا، وإن أبواب السماء مرتجة مغلقة دون قاطع الرحم”.
– كما لا يقبل الله صدقة الفرد، وأقرباؤه في حاجة إليه: روى الطبراني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “… يا أمة محمد، والذي بعثني بالحق لا يقبل الله صدقة من رجل وله قرابة محتاجون إلى صلته ويصرفها إلى غيرهم والذي نفسي بيده، لا ينظر الله إليه يوم القيامة“.

د- جزاء واصل الرحم

كما للقطيعة نتائج وخيمة، لصلة الرحم ثمرات طيبة يجنيها المؤمن:
– صلة الرحم شعار الإيمان بالله واليوم الآخر لما روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت“.
– صلة الرحم تزيد في العمر وتوسع الرزق: روى البخاري والترمذي ولفظه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم فإن صلة الرحم محبة في الأهل ومثراة في المال (أي مكثرة) منشأة في الأثر (زيادة في العمر)”. بل إن من كرم الله ومنته على عباده أنه يزيد في مال الإنسان وإن كان فاجرا بسبب صلته للرحم. روى الطبراني وابن حبان في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “….حتى إن أهل البيت ليكونوا فجرة، فتنمو أموالهم، ويكثر عددهم إذا تواصلوا“.
– صلة الرحم تدفع عن الواصل ميتة السوء لما روى أبو يعلى عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم سمعه يقول: “الصدقة وصلة الرحم يزيد الله بهما في العمر ويدفع بهما ميتة المكروه والمحذور”.

– صلة الرحم تعمر الديار وتثمر الأموال لما روى الطبراني والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله ليعمر بالقوم الديار، ويثمر لهم الأموال، وما نظر إليهم منذ خلقهم بغضا لهم، قيل وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: بصلته الرحم“.
– صلة الرحم تغفر الذنب وتكفر الخطايا لما روى ابن حبان والحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: إني أذنبت ذنبا عظيما فهل لي من توبة، فقال: هل لك من أم؟ قال: لا، قال: فهل لك من خالة؟ قال: نعم، قال: فبرهــا.
– صلة الرحم تيسر الحساب وتدخل صاحبها الجنة لما روى البزار والطبراني والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ثلاثة من كن فيه يحاسبه الله حسابا يسيرا وأدخله الجنة برحمته، قالوا: وما هي يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟ قال: تعطي من حرمك وتصل من قطعك وتعفو عمن ظلمك، فإذا فعلت ذلك يدخلك الله الجنة“.

– صلة الرحم ترفع الواصل إلى الدرجات العلى يوم القيامة لما روى البزار والطبراني عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا أدلكم على ما يرفع الله به الدرجات؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: تحلم على من جهل عليك وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك“.
على الأخت المؤمنة أن تشمر على ساعد الجد والعمل لتبصر الولد منذ سن الوعي والتمييز بحقوق القرابة والرحم لتنمو في نفسيته نزعة التطلع إلى الاجتماع بالآخرين، وتتأصل في ذاتيته محبة من تربطه وإياهم رابطة النسب حتى إذا بلغ الولد سن الرشد والنضج العقلي قام بواجب العطف والإحسان إلى مكروبهم وفقيرهم. وهذا لا يتأتى إلا بتأديب الولد على هذه الخصال وتعويده على هاتك الفضائل والمكارم وهذا هو غاية البر ومنتهى الصلة. فما أحوجنا إلى أمهات مربيات يعلمن أولادهن هذه الفضائل والخصال.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: