رمضان شهر الجهاد

أسرار شهر رمضان

لقد شرع الله تعالى لعباده صيام شهر رمضان، وجعله فرضاً من فرائض الإسلام، ذلك الشهر العظيم الذي تضمن أسراراً عجيبة، وفوائد جليلة؛ لو تدبرها الإنسان وتأمل في معانيها لأدرك عظيم فضل الله عليه وعلى الناس. ومن فضائل هذا الشهر العظيم أن شرفه بحدثين عظيمين؛ نزول القرآن الكريم وليلة القدر، ولأنه شهر المجاهدة والمرابطة سن فيه الرسول صلى الله عليه وسلم الاعتكاف في العشر الأواخر، وقاد فيه الرسول الكريم غزوات وفتوحات لنصرة الإسلام، من أشهرها غزوة بدر و فتح مكة. فما معنى المجاهدة يا ترى ؟

المجاهدة:

يقول الله تعالى في سورة العنكبوت الآية 69 “والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ” والأصل في المجاهدة مخالفة الهوى والنفس عن المألوفات والشهوات واللذات، ويحملها على خلاف ما تهوى في عموم الأوقات، ويلجمها بلجام التقوى والخوف من الله تعالى، فلا تتم المجاهدة إلا بالمراقبة، وهي التي أشار إليها الرسول صلى الله عليه وسلم حين سأله جبريل عن الإحسان ” (الإحسان أن تَعبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فإنْ لمْ تَكُنْ تَراهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ…) رواه البخاري ومسلم [ ويظهر ذلك جليًّا باستسلام العبد لأمر ربه وهو صائم يجوع ويظمأ، ويكبح جماح شهوته، لا يمنعه من ذلك إلا حب الله تعالى وإتباع أوامره، وابتغاء ثوابه، وخشية عقابه..

ولهذا نجد أن الله تعالى نسب الصيام إليه، وتولى جزاء الصائمين؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلاَّ الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِه”) رواه البخاري ومسلم) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ؛ يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ)

ولا شك أن هذا المقام من أجل مقامات التقوى، وأعظم أسبابها؛ قال تعالى: (يَا أيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ( [البقرة: 183.

ولا يتحقق كمال التقوى للصائم إلا إذا صامت الجوارح عن المعاصي، ليلاً ونهاراً؛ فيحفظ العين من النظر إلى ما حرم الله، والأذن أن تستمع إلى ما لا يرضاه الله، واللسان أن ينطق بما يبغضه الله من غيبة ونميمة وكذب، ويجنب البطن أكل الربا والرشوة والغش، والرجل أن تمشي إلى معاصيه، واليد أن تمتد أو تفعل ما حرم الله.

فالله تعالى ما شرع الصيام إلا ليثمر التقوى في قلوب العباد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” ]مَنْ لَمْ يَدَعْ قَولَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) [رواه البخاري.

 ورحم الله أبا بكر سهل بن مالك الغرناطي إذ يقول:

إذا لم يكن في السَّمـعِ مني تَصـاونٌ *** وفي مُقْلَتي غَضٌّ، وفي مَنطِقي صَمْتُ

فحَظِّي إذَنْ مِن صَومي الجُوعُ والظَّمَا *** وَإنْ قُلْتُ: إنِّي صُمْتُ يوماً فَما صُمْتُ

شهر التوبة والسباق:

قال الله تعالى” سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21)الحديد) سابقوا إلى مغفرة من ربكم أي: سارعوا بالأعمال الصالحة التي توجب المغفرة لكم من ربكم. وقيل: سارعوا بالتوبة، لأنها تؤدي إلى المغفرة،جاء في كتاب إحياء علوم الدين للغزالي رحمه الله ،أن الصوم ثلاث درجات: صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص.
 فأما صوم العموم: فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة.
وأما صوم الخصوص: فهو كف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام. 
وأما صوم خصوص الخصوص: فصوم القلب عن الأفكار الدنيوية وكفه عما سوى الله عز وجل بالكلية، وهذه رتبة الأنبياء والصديقين والمقربين.
وأما صوم الخصوص وهو صوم الصالحين فهو كف الجوارح عن الآثام وتمامه بستة أمور:
 الأول: غض البصر وكفه عن الاتساع في النظر إلى كل ما يذم ويكره وإلى كل ما يشغل القلب ويلهي عن ذكر الله عز وجل. 
الثاني: حفظ اللسان عن الهذيان والكذب والغيبة والنميمة والفحش والجفاء والخصومة والمراء وإلزامه السكوت وشغله بذكر الله سبحانه وتلاوة القرآن؛ فهذا صوم اللسان، وقد قال سفيان الثوري:” الغيبة تفسد الصوم”. وروى ليث عن مجاهد: خصلتان يفسدان الصيام: الغيبة والكذب. وقال صلى الله عليه وسلم (( الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلاَ يَجْهَلْ وَلاَ يَرْفُثْ فَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إنِّي صَائِمٌ إنِّي صَائِمٌ )) متفق عليه و اللفظ للبخاري.
الثالث: كف السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه لأن كل ما حرم قوله حرم الإصغاء إليه، ولذلك سوّى الله عز وجل بين المستمع وآكل السحت، فقال تعالى: (( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ)) [المائدة/42]، وقال عز وجل: (( لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ )) [المائدة/63]، فالسكوت على الغيبة حرام، وقال تعالى: (( إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ )) [النساء:144] الرابع: كفُّ بقية الجوارح عن الآثام من اليد والرجل عن المكاره، وكف البطن عن الشبهات وقت الإفطار فلا معنى للصوم وهو الكف عن الطعام الحلال ثم الإفطار على الحرام..
الخامس: أن لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار بحيث يمتلئ جوفه، ويتكاسل عن العبادة، لأن الصيام عبادة وليس تغيير لأوقات الأكل والشرب…
السادس: أن يكون قلبه بعد الإفطار معلقاً مضطرباً بين الخوف والرجاء. فقد روى عن الحسن البصري أنه مر بقوم وهم يضحكون، فقال: إن الله عز وجل جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه يستبقون فيه لطاعته فسبق قوم ففازوا وتخلف أقوام فخابوا، فالعجب كل العجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه السابقون وخاب فيه المبطلون، أما والله لو كشف الغطاء لاشتغل المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. وعن الأحنف بن قيس أنه قيل له: إنك شيخ كبير وإن الصيام يضعفك!! فقال: إني أعده لسفر طويل والصبر على طاعة الله سبحانه أهون من الصبر على عذابه.

شهر التزكية :

قال الشاعر:

وَمَا يَرْدَعُ النَّفْسَ اللَّجُوجَ عَنْ الْهَوَى ♦♦♦ مِنْ النَّاسِ إلَّا حَازِمُ الرَّأْيِ كَامِلُهْ
فليس المقصود من الصيام في الإسلام هو إتعاب النفس وتعذيبها، كما يتوهمه بعض الناس، وإنما المقصود منه تربيتها وتزكيتها وتعليمها؛ التحلي بمكارم الأخلاق والصبر عن الشهوات، وترويضها على الطاعات، كما روى ابن ماجه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الصيام نصف الصبر). فالله غني عنَّا وعن عملنا، وما كتب علينا الصيام إلا لمنفعتنا، ولإعداد نفوسنا للسعادة والتقوى، والفوز بلقائه، ومجازاته الجزاء الأوفى، كما في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه))، قال تعالى: ﴿ مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأِنْفُسِهِمْ ﴾ [الروم: 44. [
 ولذلك قال بعض العلماء: كم من صائم مفطر، وكم من مفطر صائم. والمفطر الصائم هو الذي يحفظ جوارحه عن الآثام ويأكل ويشرب، والصائم المفطر هو الذي يجوع ويعطش ويطلق جوارحه.
فالصائم يجوع وأمامه ما لذ وطاب من أشهى أصناف الطعام، ويعطش وبين يديه الماء البارد العذب الزلال، ويعف نفسه ويكف شهوته وإلى جنبه زوجته؛ كل ذلك يمنع نفسه منه بلا رقيب إلا الله تعالى.

وبذلك يتدرب العبد ويُعدُّ نفسه للمصابرة والمرابطة في سبيل الله؛ يتحمل شظف الحياة والجوع والحرمان؛ فإن جاهد نفسه وغلبها على شهواتها وملذاتها؛ كان أقدر على مجاهدة عدوه الخارجي؛ فإن وقع عداوة النفس أشد من وقع عداوة الكافرين والمنافقين. إن الصوم يضعف شهوة النفس، ويكبح هواها؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)) ]رواه البخاري ومسلم[.

إن المتأمل لهذه الحكم والأسرار وغيرها، ليدرك ويتيقن أن الله تعالى لم يشرع الصوم، ولم يكلف به تعذيباً للعباد، ولا انتقاماً منهم، وإنما شرعه رحمة بهم ورأفة بحياتهم، وتيسيراً عليهم؛ كيف لا يكون ذلك وهو القائل في ختام آية الصيام)يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ]البقرة: 185 [.

شهر الفرح بعطاء الله :

رمضان شهر التوبة النَّصُوح والإقلاع عن الذُّنوب والمعاصي، والشكر لله على نِعمة الإسلام، فهو شهر الفرح والانجماع على الله تعالى، شهر المجاهدة والبذل والعطاء،شهر التزكية والمناجاة،شهر الاعتكاف والمرابطة والدعاء.. شهر الفرح بالعتق من النار….

عن أنس بن مالك – رضِي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ماذا يستقبلكم وتستقبلونه)) ثلاث مرات، فقال عمر: يا رسول الله، وحيٌ نزل؟ قال: ((لا))، قال: عدو حضر؟ قال: ((لا))، قال: فماذا؟ قال: ((إنَّ الله يغفر في أول ليلة من شهر رمضان لكلِّ أهل هذه القبلة)) وأشار بيده إليها فجعل رجل بين يديه يهز رأسه ويقول: بخ بخ، فقال رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يا فلان، ضاقَ به صدرك؟)). قال: لا، ولكن ذكرت المنافق، فقال: ((إنَّ المنافقين هم الكافرون، وليس للكافرين في ذلك شيء) الترغيب والترهيب: (2/ 105)، كنز العمال (23717)، جمع الجوامع؛ للسيوطي )5281

عن سعيد بم المسيب،عن سلمان رضي الله عنه،قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان وقال:(أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم، شهر مبارك شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعا، من تقرب فيه بخصلة من الخير أو أدى فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزاد فيه رزق المؤمن، فمن أفطر صائما كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار،وكان له مثل أجر من غير أن ينقص من أجره شيء، قالوا:ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم، قال:يعطي الله هذا الثواب لمن فطر صائما على تمرة أو شربة ماء أو مدقة لبن، وهو شهر أوله رحمة ووسطه مغفرة وآخره عتق من النار، فمن خفف عن مملوكه فيه غفر الله له وأعتقه من النار،فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتان ترضون بهما ربكم، وخصلتنان لا غنى لكم عنهما.فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا اله الا الله، وتستغفرونه، وأما اللتان لا غنى لكم عنهما: فتسألون الله الجنة، وتعوذون به من النار، ومن أشبع فيه صائما سقاه الله تعالى من حوضي شربة لا يظمأ بعدها أبدا )). أخرجه ابن خزيمة في “صحيحه” 1887

 فهنيئاً لمن أدرك شهر رمضان، ووفقه الله وأعانه على عبادة الصيام.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: