ذكرى مولد النبي المحمود والاحتفال المنشود

بسم الله الرحمان الرحيم، الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد:

ما إن يهل هلال شهر ربيع الأول حتى تتجدد أشواق المشتاق، عبر الآفاق، إلى إمام مكارم الأخلاق، وراكب البراق، سيدنا محمد التواق، صلى عليه الخلاق، إلى يوم التلاق، وتتجدد مع ذكرى ميلاده الاحتفالات، وتتعالى في المحافل الابتهالات، وتتزاور العائلات، وتتَناسى الاختلافات.

أعظم بها من ذكرى وافتنا هذه الأيام:

شهر الربيع وافانـا أقبل علينا هنأنا

رسول الله فيه أتانا للدين حقا هدانا

حق لربيع الأول إذن أن يفتخر على سائر الشهور باختيار المولى جل وعلا له ليكون شهر ميلاد منقذ البشرية ومخرجها من الظلمات إلى النور بإذن ربها، وحق ليوم الاثنين أن يفخر على باقي أيام الأسبوع بأن جعله الله يوم ميلاد سيد العالمين صلوات ربي وسلامه عليه ما هبت النسائم وما ناحت في الأفق الحمائم.

قد يقول قائل وما الحاجة إلى الاحتفال بذكرى ميلاد الحبيب المصطفى، فإن ذلك لم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة والسلف وهم القدوة المثلى؟

الجواب: لقد عقد العلامة جلال الدين السيوطي الشافعي (المتوفى عام911هـ) في الجزء الأول من مصنفه الكبير “الحاوي للفتاوي” بابا عنونه ب:”حسن المقصد في عمل المولد” قال فيه بعد كلام: سئل شيخ الإسلام حافظ العصر أبو الفضل بن حجر ( وما أدراك ما الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي المتوفى عام 852هـ) عن عمل المولد فأجاب بما نصه: أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسنة وإلا فلا، ثم قال مؤَصِّلا: وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت، وهو ما ثبت في الصحيحين من (أن النبي صلى الله عليه وسلم قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ فَقَالُوا هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ أَنْجَى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا فَنَحْنُ نَصُومُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ فَصَامَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ)[1]، فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة.

ثم قال رحمه الله: وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم… فهذا ما يتعلق بأصل عمله، وأما ما يعمل فيه فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم ذكره من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة…”[2].

لله درك يا ابن حجر، هكذا شأن العلماء المحققين، أضف إلى هذا ما نقله الشيخ شمس الدين الشامي الشافعي أيضا عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن ظفر الشامي (ت565هـ): قال: وسمعت شيخنا أبا عبد الله بن أبي محمد النعمان يقول: سمعت الشيخ أبا موسى الزرهوني يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فذكرت له ما يقوله الفقهاء في عمل الولائم في المولد فقال صلى الله عليه وسلم: ” من فرح بنا فرحنا به “[3]، فافهم أيها القارئ رحمني الله وإياك.

وقد ظهر لي ـ والله أعلم ـ من جواب رسول الله حين سئل عن سبب مواظبته على صيام الإثنين والخميس، أنه عليه السلام يحتفل بمولده كل أسبوع، وهذا نص الحديث:”عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: (ذاك يوم ولدت فيه وأنزل عليّ فيه)[4].
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: “ولد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الاثنين، واستنبئ يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين، وخرج مهاجراً من مكة إلى المدينة يوم الاثنين وقدم المدينة يوم الاثنين ورفع الحجر الأسود يوم الاثنين”[5].

فكيف لا نحتفل بمن أنقذنا الله به من الضلال والخسران المبين؟ وحرر من العبودية لغير الله أمثال عمر بن الخطاب وأبي ذر الغفاري، لقد جاء محررا للبشرية منذ ولادته قبل نبوته كما يدل على ذلك تحرير أبي لهب لجاريته ثويبة لما بشرته بولادة هذا المحرر العظيم. فاحتفالنا برسول الله بعض من واجب الاعتراف بالجميل له صلوات ربي وسلامه عليه.

فإن قيل قد ورد ضد هذا الكلام عن بعض العلماء الأعلام، قلت: صحيح أن من العلماء من يمنع الاحتفال بذكرى مولد رسول الله، ويعتبر ذلك بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، بحجة ترك حبيبنا المصطفى الاحتفال بمولده واقتداء السلف به في ذلك، ولكن الترك لا يعني بالضرورة المنع[6]، وبالاطلاع على أدلة الفريقين يتبين أن منتهى المسألة وأنصف القول فيها أنها محل خلاف، ومن القواعد التي وضعها علماء أصول الفقه في هذا الشأن:

“لا ينكر المختلف فيه وإنما ينكر المجمع عليه”

“لا يقين مع اختلاف”، فلا يلومنَّ التاركُ الفاعلَ، ولا الفاعلُ التاركَ.

أعود فأقول: إنها إذن مناسبة للفرح بالبشير النذير والسراج المنير، الذي أضحت الصلاة عليه حاضرة في شتى مناحي حياة الناس، حتى إنك لتلفي العروس يزفها موكبها إلى زوجها بالصلاة على رسول الله، والفلاحون يفتتحون حرثهم بالصلاة على رسول الله، وعمال البناء تسمعهم تارة تارة وهم منهمكون فيه يرفعون أصواتهم بالصلاة على رسول الله، والبحارة يخوضون بفلكهم البحر بالصلاة على رسول الله، ونساجات الزرابي الأصيلة ينسجنها بالصلاة على رسول الله،… فلا غرو إذن أن يكون إحياء هذه الذكرى ذا شان لدى فئة عريضة من الناس لحرصهم عليها وإكبارهم لها ـ خاصة فيما مضى ـ إذ تسمع في العديد من المساجد في هذه الأيام قراءات جماعية متزنة ـ تأخذك نغمتها أخذاـ لقصيدتي الإمام شرف الدين البوصيري المصري رحمه الله (المتوفى عام697هـ)، الميمية المشهورة بالبردة والأخرى الهمزية، وكلاهما من أروع وأنفس ما نظم في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، تتوج يوم ثاني عشر ربيع النبوي بحفل بهيج فيها أو في غيرها من الأماكن، كما تعقد بهذه المناسبة العطرة الندوات والمحاضرات في الشمائل المحمدية وكذا القراءات في كتب السيرة النبوية عموما، وتنظم فيها المسابقات، حتى إن المناسبة عطلة لطلبة المدارس العتيقة في المغرب لا تقل عن أسبوع.

كل هذا محمود غير مردود، لكن ليس هو المنشود، إذ ما جدوى أن نجتمع على مدح رسول الله ثم ننام عن الصلاة أو نكون من تاركيها بالكلية، وما معنى أن نحتفل بذكرى ميلاده عليه السلام وبناتنا ونساؤنا قد هجر كثير منهن التستر الذي أمرهن به وهو الناصح الأمين، علما أنهما( أقصد الصلاة والنساء) آخر ما وصى به أمته وهو يودعها صلى الله عليه وسلم إلى جوار الباقي سبحانه، ثم ما ينفع أن ننشغل بقصائد مدحه ونتفنن في تطريبها، ونهجر الذكر الحكيم والقرآن العظيم وهوالشفاء لما في الصدور الذي أنزل عليه، وقد وصَّانا به فقال:”أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا كتاب الله فاعملوا به “[7]، ويبقى أعظم ما يحز في القلب أن تتخذ هذه الذكرى موعدا لشرك القبور، ففيها يحتفى بالأضرحة، إذ يشهر لها في الإعلام، وتنصب حولها الخيام، لمدة أيام، وتشد لها الرحال، من النساء والرجال، وينشط السحر والدجل، ويشيع السفور والفجور والخمور!!

فواعجبا لمن باعوا دينهم وعلمهم بعرض من الدنيا قليل، وانقلبوا قادة إلى الأموات، بدل أن يكونوا قادة العباد إلى الحي الذي لا يموت، فماذا بعد الحق إلا الضلال، نعوذ بالله من الضلال.

هذه هي الطريقة المذمومة في الاحتفال، لا أصل الاحتفال، رغم أن منهم من يعلل حضوره في هذه المواسم وتنظيم الندوات فيها بأنها فرصة لذكر مناقب وشيم المدفونين في تلك الأضرحة قصد تقديرهم واتخاذهم قدوة.

جميل جدا، لكني أقول: إن من القواعد المقررة في مجال الدعوة والإرشاد: “لا تغشى منكرا إلا بغية تغييره”، فاخرجوا أيها “العلماء” من قاعات المحاضرات التي لا يحضرها إلا نزر يسير من الناس، واغشوا الوافدين على هذه الأضرحة لنصحهم وتنبيههم إلى أن هؤلاء الصالحين لا يرضون إطلاقا بما يصنع عند قبورهم من المنكرات والفواحش والكبائر، إنهم برءاء من ذلك تماما، وسيكونون خصما لهم يوم الحساب.

أما محامد أهل هذه الأضرحة ومكانتهم فلا يخفى على عاقل أنها هي التي دفعت بالغافلين والسذج من المسلمين إلى الوفود إليها للتبرك بأصحابها واقتراف ما أسخط الله فيها وبجوارها، فلو لم يعظموهم، ما أتوا قبورهم ولا عصوا خالقهم عندها.

حقيق بنا أن نجعل من هذه المناسبة العطرة والذكرى الغالية وقفة مراجعة ومساءلة لحقيقة المحبة الواجبة علينا لهذا الرسول الأعظم والنبي الأكرم، فليس لبس الجديد، وأكل اللذيذ، وإنشاد النشيد، وقول عيد سعيد، برهان محبة نبينا الحميد، إلا أن يقترن ذلك بالاتباع “قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم[8]، الاتباع الشامل السليم، لا الاتباع المظهري العقيم.

إن الأسئلة العريضة التي تتجدد كل يوم، ومع حلول كل ذكرى ميلاده صلى الله عليه وسلم هي: ما قدر رسول الله عندنا؟ ما حظنا من الصلاة عليه؟ ما موقع سنته من حياتنا اليومية؟ أين شوقنا إليه من شوقه إلينا؟ ماذا قدمنا لهذا الدين الذي أوذي هو والرعيل الأول من أجل إيصاله إلينا؟ …

ألا فليتذكر كل مسلم ولتتذكر كل مسلمة أننا سنلتقي بهذا الرسول الكريم يوم العرض على الله، فلنساءل أنفسنا بأي وجه نلقاه.

إن الاحتفال الحقيقي يكون بزيادة الأعمال الزاكيات، والصدقات الباقيات، إلى غير ذلك من القربات، ولنحرص على أصول هذا الدين الذي جاءنا به هذا الهادي الأمين، فإن “من حرم الأصول حرم الوصول”، وأصل الأصول: الصلاة، الصلاة، الصلاة، فهي المناجاة والنجاة، وكذا حسن الخلق، فإن حسن الخلق يورث في الدنيا محبة الناس، وفي الآخرة جوار خير الناس، صلى عليه رب الناس.

ولنذكر شفقته صلى الله عليه وسلم علينا، فو الذي نفسي بيده ما في البشرية جمعاء من آدم وإلى قيام الساعة أحد أشد شفقة على أحد من نبينا الرءوف الرحيم على أمته صلوات ربي وسلامه عليه، فما من نبي إلا قال:” رب إن قومي كذبون فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المومنين” إلا سيدنا محمد فكان يقول:” اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون“، وقال يوما بعد أن ذكر شيئا من أخبار سيدنا إبراهيم وسيدنا عيسى مع قومهما:” اللهم أمتي أمتي وبكى[9]، هذه الشفقة لم تنقطع بلحاقه بالرفيق الأعلى، وإنما هي ماضية إلى يوم القيامة، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: ” حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ، تُحْدِثُونَ وَيَحْدُثُ لَكُمْ، وَوَفَاتِي خَيْرٌ لَكُمُ تُعْرَضُ عَلَيَّ أَعْمَالُكُمْ فَمَا كَانَ مِنْ حَسَنٍ حَمِدْتُ اللَّهَ، وَمَا كَانَ مِنْ سَيِّءٍ اسْتَغْفَرْتُ اللَّهَ لَكُمْ[10]، وكذا حديث الشفاعة المشهور الذي جاء فيه أن كل نبي ورسول يقول: نفسي نفسي، ويقول هو عليه السلام:” أنا لها” ” أنا لها” صلى عليك الله يا رءوف يا رحيم.

إنها لذكرى تستحق منا كل تقدير واهتمام، لا التجاهل والإهمال.

وأختم بالتواصي بالإكثار من الصلاة على هذا الحبيب، والإلحاح على القريب المجيب أن يكرمنا في هذه الدنيا بالحياة على سنته، والفوز بشفاعته في يوم الوعيد، إنه ولي حميد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ـ هذه رواية مسلم كتاب الصيام باب صوم يوم عاشوراء.

[2] الحاوي للفتاوي، الجزء الأول ص 282 و283 بتصرف، وللتوسع يرجى الرجوع إلى نفس الجزء من هذا المصنف، فقد أفاض السيوطي في بيان المسألة.

[3] سبل الهدى والرشاد في هدي خير العباد” للعلامة الشافعي شمس الدين محمد بن يوسف الصالحي الشامي المتوفى سنة 942 هـ ،ج1ص363 الباب الثالث عشر أقاويل العلماء في عمل المولد الشريف واجتماع الناس له وما يحمد من ذلك وما يذم، وقد استفاض في ذلك.

[4] رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود.

[5] رواه الإمام أحمد في مسنده والطبراني في الكبير وزاد فيه: “وفتح بدرا يوم الاثنين ونزلت سورة المائدة يوم الإثنين “اليوم أكملت لكم دينكم”.

[6] / يرجى في هذ الصدد النظر في رسالة العلامة المحدث المغربي أبي الفضل سيدي عبد الله بن الصديق الغماري “حسن الفهم والدرك لمسائل الترك”.

[7] ـ رواه البزار في مسنده رقم الحديث 6135، الجزء الثاني عشر مسند عبد الله بن عمر. والحديث بنحوه في صحيح مسلم وغيره

[8] سورة آل عمران الآية 31.

[9] القصة بتمامها في صحيح مسلم والنسائي عن سيدنا عمرو بن العاص.

[10] رواه البزار في مسنده والهيثمي في بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث عن سيدنا ابن مسعود وقال رجاله رجال الصحيح.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: