خطبة الجمعة بين الإبداع والرتابة

انطلاقا من قوله تعالى:”وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ“(سورة الذاريات، 55)، ارتأيت أن أقدم ما بدا لي من ملاحظات على خطبة جمعة حضرتها بعنوان:” غزوة بدر”، فقد سردها الإمام على مسامعنا وكأني به أستاذا في قسم للإعدادي إن لم أقل ابتدائي وذلك تقديرا لفصاحته اللغوية، وهذا ما أردت أن أنوه به حتى لا يكون مقالي نقدا خالصا، وأنا أستمع له بإمعان ممنية النفس بأن يكون هناك ربط بين الغزوة وواقعنا، خصوصا أن هذه الغزوة بالذات مليئة بالعظات والعبر التي يمكننا أن نستنبطها منها ونسقطها على الواقع المعاش، ومن هذه العبر على سبيل المثال لا الحصر مايلي:

  • استشارة ذوو العقول الراجحة، اقتداء باستشارته صلى الله عليه وسلم لأصحابه المهاجرين والأنصار في الخروج للقتال .
  •    امتثال الصحابة رضوان الله عليهم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأرقى الأساليب (حين قال له سعد بن معاذ: “لو استعرضت بنا هذا البحرلخضناه معك” )ويمكن أن يربطه بالواقع الذي أصبح زمانا للجدال بدل الامتثال، ويا ليته كان جدلا نافعا، وإنما هو جدال عقيم لا يخرج بنتيجة تذكر.
  • العبرة بالثبات على القيم والمبادئ ولو كنا قلة، فعدد المشاركين في غزوة بدر لم يتجاوز ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا، كما أن عدتهم قليلة جدا مقارنة بجيش الكفار المجهز، وهذا يجعلنا نفهم واقع المسلمين أكثر حيث أنهم عدد كبير لكن وضعهم بين الأمم مزري، لأن العبرة بالكيف لا بالكم.

إلا أن إمامنا الخطيب غفل عن هذه العبر وغيرها وهذا ما يجعلنا نطرح مجموعة من التساؤلات من قبيل: هل أصبحت الخطبة مجرد فرض لابد من إقامته؟ أم أنها أكثر من ذلك وسيلة تربوية وفرصة عظيمة لإصلاح مجتمعنا ؟ ثم هل كل إمام يصلح لأن يكون خطيبا أم أن الأمر أبلغ من ذلك؟

إن فن الخطابة لطالما كان هدفه الإقناع منذ القديم، فكان أدعى لخطبة الجمعة أن تصل لهذا الهدف مع مراعاة زماننا الذي كثرت معه الفتن والشبهات مما يعني أن على خطباء مساجدنا الاجتهاد أكثر، فلا يكفي تحضير خطبة من تراثنا الغزير ولكننا نحتاج لخطيب يستطيع استنباط ما ينفع لواقعنا واستثماره في نوازلنا، هذا هو المطلوب: “الخطيب المبدع”.

إن مما لا يختلف عليه اثنان أن خطبة الجمعة فرصة عظيمة تتكرر مرة كل أسبوع، وهذا الأمر ليس عبثا وإنما هو نعمة من الله لتكون أمتنا في علاقة دائمة مع دينها وتنزله على واقعها لتجد فيه الملاذ والحل لكل إشكالاتها.

ختاما فإن من أهم التوصيات في هذا المجال أن نجعل من خطبة الجمعة قضية للنقاش رجاء العمل على ثغراتها وسدها، وذلك باعتبارها أبرز وسيلة لإصلاح المجتمع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: