خاصية الربانية وتجلياتها في النظام الأسري

يمثل نظام الأسرة في الإسلام جزء مهماً من النظام الإسلامي الشامل الذي جاء لينظم ويصلح جميع شؤون الحياة، والفرق بين النظام الإسلامي وغيره من النظم الأخرى أنه نظام إلـهِي.
وقد عدد علماء الأمة وفقهاؤها الخصائص العامة للإسلام فكانت: الربانية والإنسانية والشمول والوسطية والتوازن والواقعية والجمع بين التوحيد والتشريع ثم الجمع بين الثبات والمرونة.
وجاءت خصائص نظام الأسرة في الإسلام تابعة للخصائص العامة للإسلام، حيث إن من عظمة النظام وتماسكه أن تكتسب وحداته نفس خصائص الكلية، وعلى هذا فخصائص نظام الأسرة هي الخصائص العامة للإسلام والتي منها خاصية الربانية.
إن المنهج الذي يقوم عليه الزواج ويستمر به للوصول إلى غايته منهج رباني خالص، لأن مصدره وحي الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يصح أن يقوم الزواج على منهج أساسه الأعراف أو التقاليد أو الشهوات أو العواطف، إنما لابد أن تكون كل هذه الأسس على منهج الله سبحانه وتعالى، فأي انحراف عن منهج الله وقانونه في إنشاء الزواج، خطبة أو عقداً أو معاملات ومعاشرة أو حتى فُرْقة، يهدم كل ما يبنى عليه .
فبالنظر إلى آيات القرآن التي تتحدث عن الزواج والعلاقات الناتجة عنه نجد هذا الربط بالعقيدة واضح كل الوضوح في مايلي:
1- أن بعضها يبدأ بهذا النداء المحبب الذي يستجيش قلوب المؤمنين إلى عاطفة العلاقة بالله، ويذكرها بالغاية الإلـهية، يقول سبحانه وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن ياتين بفاحشة مبينة) ، ويقول عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها) . ويقول عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها) . ويقول سبحانه:(يا أيها الذين أمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً) .
وهكذا نجد أن أحكام الأسرة من ميراث وممارسة عادلة للولاية، وعدة وطلاق، وحرمة بيوت وتربية الأبناء، تبعث جميعاً من شفافية الإيمان ومن الاستجابة الواعية لمقتضياته.
2- ربط القرآن بين العقيدة وبين الالتزام بأحكام الأسرة فقال تعالى : (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى) ، وقـال عـز وجل: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً) ، وقال تعالى :(قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن) … فقد عد الله سبحانه وتعالى الالتزام بأحكام الأسرة من طاعة الوالدين والإحسان إلى الأقارب والالتزام بالآداب العامة مثل: غض البصر والعفة، من عبادة الله تعالى.
3- عقّب الله تعالى على الأحكام والتشريعات المتعلقة بتنظيم الأسرة بما يشعر بربانية مصدرها، حيث يستجيب الناس لها في ثقة وطمأنينة، قال تعالى : (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر) . أما آية المواريث فقد جاء التعقيب عليها بقوله تعالى:(فريضة من الله).
ومما جاء في السنة النبوية الشريفة حول أحكام الأسرة ما يوحي بهذا الربط بالربانية في اختيار الزوجة حيث قال صلى الله عليه وسلم: « تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحَسبها وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك » وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد » .
وقد ربط صلى الله عليه وسلم في بيان الالتزام بالحقوق والواجبات بين الزوجين بالعقيدة والإيمان، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن من أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله ».
أما حكمة ربط أحكام الأسرة بالعقيدة فيمكن تلخيصها في الآتي:
أ- إحياء الضمير الإنساني وإيقاظه والضرب على وتر التقوى وذلك لأن أحكام الأسرة مما يناط تنفيذه والاستجابة له بتقوى وحساسية الضمير، فالتنصل من الانصياع للتوجيهات الربانية والتحايل على النصوص بمقدور الإنسان إذا وضع تقوى الله ظاهرياً ونام في داخله الحارس والرقيب .
ب- تأكيد حقيقة شمول معنى العبادة في الإسلام، بحيث لا تقتصر على بعض الشعائر، بل تتعدى ذلك لتصبح الحياة كلها بكل وقائعها وتصرفاتها من خطبة وزواج وتربية الأولاد إلى غير ذلك مما يشمله نظام الأسرة شريطاً متصلاً من العبادة والقربة إلى الله .
ج- حماية الأسرة من التمزق والصراع.
د- عدم التحيز وسهولة الانقياد، فالمنهج الرباني لا يتحيز لأي طرف من أطراف البيت، فلا يفرق بين الزوج لكونه رجلاً أو الزوجة لكونها امرأة، ولا يفرق بين الأولاد في البيت ذكوراً وإناثاً، ولكنه المنهج العدل القويم الذي إذا أدرك أطراف البيت هذه السمة فيه يسهل انقيادهم له، ولكون الاستجابة لأوامره ونصوصه نابعة من أصل الإيمان بقوله تعالى:(وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبيناً).
ولا يعني ربانية المصدر باعتباره خصيصة للزواج الإسلامي نزع الجانب الإنساني منه، إن المنهج الرباني للزواج يعتني ببشرية الإنسان، ويلبي كل حاجاته في إطار يحافظ على الرقي بهذا الإنسان، وإسعاده وتكريمه، والسمو به في توازن بين إنسانية الإنسان وروحانيته .
وتتجلى النزعة الإنسانية في نظام الأسرة في:
أ- أن عقد الزواج يقع على أكرم مخلوق ألا وهو الإنسان، ومن هنا وجدنا الإسلام يفرد له أحكاماً لا توجد في غيره من العقود .
ب- رتب الإسلام على العلاقة الزوجية حقوقاً مشتركة يقف على رأسها العشرة بالمعروف.
ج- قدم الإسلام الجانب الإيجابي على الجانب المادي في الزواج، فجعل من المودة والرحمة والسكن أهدافاً عليا من الزواج.
د- المهر في الإسلام من تكريم المرأة وليس ثمناً لها، وقد رغب الإسلام في التقليل منه عند عقد الزواج و عدم المغالاة فيه.
هـ – النفقة في الإسلام إنما تجب على الزوج، وليس مقابل قيام المرأة بخدمة الزوج ورعاية الأبناء في البيت.
و- للجنين في الإسلام حرمة فلا يجوز قتله حتى ولو كان ابن زنى، كما حدث مع الغامدية إذ أمهلها النبي صلى الله عليه وسلم حتى وضعت ابنها وفطمته ثم رجمها دونه.
ز- نهى الإسلام عن بعض صور الأذى للمرأة والتي كانت تنتشر في مجتمع الجاهلية مثل: الظهار والإيلاء والإمساك للظهار، يقول سبحانه : (ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا).
ح- مبادرة الأبناء برعاية الوالدين عند الكبر، ومبادرة القريب الغني للإنفاق على قريبه الفقير.

اظهر المزيد

د. يوسف القسطاسي

دكتوراه الدولة في الفقه والأصول بجامعة القاضي عياض المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: