حلف الفضول

[ حَدِيثُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ حِلْفِ الْفُضُولِ ]

“قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ التّيْمِيّ أَنّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَوْفِ الزّهْرِيّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ: لَقَدْ شَهِدْت فِي دَارِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا مَا أُحِبّ أَنّ لِي بِهِ حُمْرَ النّعَمِ، وَلَوْ أُدْعَى بِهِ فِي الإسْلامِ لأَجَبْت.”[1]

وسبب هذا الحلف ما يرويه ابن هشام بقوله: “وَأَمّا حِلْفُ الْفُضُولِ فَحَدّثَنِي زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ الْبَكّائِيّ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ إسْحَاقَ قَالَ: تَدَاعَتْ قَبَائِلُ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى حِلْفٍ فَاجْتَمَعُوا لَهُ فِي دَارِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ جُدْعَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ، لِشَرَفِهِ وَسِنّهِ، فَكَانَ حِلْفُهُمْ عِنْدَه:ُ بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطّلِبِ، وَأَسَدُ بْنُ عَبْدِ الْعُزّى، وَزُهْرَةُ بْنُ كِلابٍ، وَتَيْمُ بْنُ مُرّةَ. فَتَعَاقَدُوا وَتَعَاهَدُوا عَلَى أَنْ لا يَجِدُوا بِمَكّةَ مَظْلُومًا من أهلها وغيرهم ممن دَخَلَهَا مِنْ سَائِرِ النّاسِ إلاّ قَامُوا مَعَهُ وَكَانُوا عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ حَتّى تُرَدّ عَلَيْهِ مَظْلمَتُهُ، فَسَمّتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ الْحِلْفَ: حِلْفَ الْفُضُولِ.”[2]

وسبب تسميته بهذا الاسم ما يرويه البيهقي في سننه الكبرى:” تشبيها له بحلف كان بمكة أيام جرهم على التناصف، والأخذ للضعيف من القوي، وللغريب من القاطن، قام به رجال من جرهم يقال لهم الفضل بن الحارث والفضل بن وداعة والفضل بن فضالة، فقيل حلف الفضول جمعا لأسماء هؤلاء.” [3]

والإمام السهيلي صاحب الروض الأنف، الذي يعتبر كتابه إيضاحا  لسيرة ابن إسحاق وما اختصره منها ابن هشام في سيرته، يزيد في توضيح أسباب الحلف قائلا:” وَكَانَ أَوّلَ مَنْ تَكَلّمَ بِهِ وَدَعَا إلَيْهِ الزّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَكَانَ سَبَبُهُ أَنّ رَجُلاً مِنْ زُبَيْدٍ قَدِمَ مَكّةَ بِبِضَاعَةِ فَاشْتَرَاهَا مِنْهُ الْعَاصِي بْنُ وَائِلٍ وَكَانَ ذَا قَدْرٍ بِمَكّةَ وَشَرَفٍ فَحَبَسَ عَنْهُ حَقّهُ فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ الزّبَيْدِيّ الأحْلافَ: عَبْدَ الدّارِ وَمَخْزُومًا وَجُمَحَ وَسَهْمًا وَعَدِيّ بْنَ كَعْبٍ، فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُوهُ عَلَى الْعَاصِي بْنِ وَائِلٍ وَزَبَرُوهُ أَيْ انْتَهَرُوهُ فَلَمّا رَأَى الزّبَيْدِيّ الشّرّ أَوْفَى عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ(جبل بمكة يطل على الحرم) عِنْدَ طُلُوعِ الشّمْسِ وَقُرَيْشٌ فِي أَنْدِيَتِهِمْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، فَصَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ:

يَا آلَ فِهْرٍ لِمَظْلُومٍ بِضَاعَتُهُ … بِبَطْنِ مَكّةَ نَائِي الدّارِ وَالنّفَرِ

وَمُحْرِمٍ أَشْعَثٍ لَمْ يَقْضِ عُمْرَتَهُ … يَا لَلرّجَالِ وَبَيْنَ الْحِجْرِ وَالْحَجَرِ

إنّ الْحَرَامَ لِمَنْ تَمّتْ كَرَامَتُهُ … وَلَا حَرَامَ لِثَوْبِ الْفَاجِرِ الْغُدَرِ

فقام في ذلك الزّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَقَالَ مَا لِهَذَا مُتَرّكٌ. فَاجْتَمَعَتْ هَاشِمٌ وَزُهْرَةُ وَتَيْمُ بْنُ مُرّةَ فِي دَارِ ابْنِ جُدْعَانَ، فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا، وَتَحَالَفُوا فِي ذِي الْقَعْدَةِ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ قِيَامًا، فَتَعَاقَدُوا، وَتَعَاهَدُوا بِاَللّهِ لَيَكُونَنّ يَدًا وَاحِدَةً مَعَ الْمَظْلُومِ عَلَى الظّالِمِ حَتّى يُؤَدّى إلَيْهِ حَقّهُ، مَا بَلّ بَحْرٌ صُوفَة وَمَا رَسَا حِرَاءٌ وَثَبِيرٌ مَكَانَهُمَا، وَعَلَى التّأَسّي فِي الْمَعَاشِ، فَسَمّتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ الْحِلْفَ حِلْفَ الْفُضُولِ وَقَالُوا: لَقَدْ دَخَلَ هَؤُلَاءِ فِي فَضْلٍ مِنْ الْأَمْرِ، ثُمّ مَشَوْا إلَى الْعَاصِي بْنِ وَائِلٍ فَانْتَزَعُوا مِنْهُ سِلْعَةَ الزّبَيْدِيّ فَدَفَعُوهَا إلَيْهِ.”[4] لم يذكر بني المطلب لأنهم وهاشم شيء واحد كما في الحديث.

ومن آثار حلف الفضول في الإسلام ما رواه ابن إسحاق:”وَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِي اللّيْثِيّ أَنّ مُحَمّدَ بْنَ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التّيْمِيّ حَدّثَه:ُ أَنّهُ كَانَ بَيْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا، وَبَيْنَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَالْوَلِيدُ يَوْمَئِذٍ أَمِيرٌ عَلَى الْمَدِينَةِ .. مُنَازَعَةً فِي مَالٍ كَانَ بَيْنَهُمَا بِذِي الْمَرْوَةِ. فَكَانَ الْوَلِيدُ تَحَامَلَ عَلَى الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فِي حَقّهِ لِسُلْطَانِهِ فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: أَحْلِفُ بِاَللّهِ لَتُنْصِفَنّي مِنْ حَقّي أَوْ لَآخُذَن سَيْفِي، ثُمّ لَأَقُومَن فِي مَسْجِد رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثُمّ لَأَدْعُوَن بِحِلْفِ الْفُضُولِ. قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ الزّبَيْرِ(وهو أسدي)، وَهُوَ عِنْدَ الْوَلِيدِ حِينَ قَالَ الْحُسَيْنُ رَضِيَ اللّه عَنْهُ مَا قَالَ: وَأَنَا أَحْلِفُ بِاَللّهِ لَئِنْ دَعَا بِهِ لَآخُذَن سَيْفِي، ثُمّ لَأَقُومَنّ مَعَهُ حَتّى يُنْصَفَ مِنْ حَقّهِ أَوْ نَمُوتَ جَمِيعًا. قَالَ: فَبَلّغْتُ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ الزّهْرِيّ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ وَبَلّغْت عَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ اللّهِ التّيْمِيّ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ أَنْصَفَ الْحُسَيْنَ مِنْ حَقّهِ حَتّى رَضِيَ.”[5]  

يتبين مما سلف أن الإسلام لم يكن انقلابا جذريا على كل القيم الجاهلية خيرها وشرها، بل لقد حافظ على مكارم الأخلاق، بل ما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلا ليتمّمها. وفي المقابل حارب بلا هوادة كل مظاهر الظلم، والشرك ظلم عظيم، والاعتداء على الحرمات والأعراض والأموال والنسل والدماء بالربا والزنا والقذف والسرقة وقتل النفس بغير الحق وأكل أموال الناس بالباطل.. وغيرها من الرذائل التي حاربها الإسلام، وعضد القيم النبيلة وتممها بما شرع الوحي أو ندب الناس إلى فعلها والتخلق بخصالها من مثل الكرم والصدق ونصرة المظلوم والتعاون على البر والتسامح وحفظ الأمانة ونجدة المكروب وحب الخير للناس.. وغيرها من الفضائل.


[1]  السيرة النبوية لابن هشام – ج 1/ ص 102، (م.س)

[2] ن.م و نفس الصفحة.

[3] أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي سنن البيهقي الكبرى– مكتبة دار الباز-مكة المكرمة ،1994-  تحقيق محمد عبد القادر عطا- الجزء 6/10 – ص 367

[4] نقله منير محمد الغضبان في التحالف السياسي في الإسلام– دار السلام/ القاهرة ط 2/ 1988م- ص 20/21

[5] السيرة النبوية لابن هشام – ج 1/ ص 102- 103، (م.س)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: