منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حكايات حقيقية عشتها مع أناس حقيقيين في شوارع المغرب (1) -أمي مينة إمرأة ثرية في دار العجزة “تيط مليل”-

0
اشترك في النشرة البريدية

لا زلت أتذكر ذات يوم بالدار البيضاء في سنة 2011، كنت أتجول في شوارع المدينة، وكان من طبعي أن أكثر من ملاحظة تصرفات الناس والتلميح في وجوههم، كنت أرى فيهم السعيد والتعيس مثلي، ثم أمضي نحو تلك البناية العجيبة التي آلفت زيارتها. فقد كانت تبدو لي كناطحة السحاب التي تحرس بعيونها الفقراء والمشردين، وتلقي بجمالها على الشارع وتمنحه الهيبة والقداسة، لكن دون أن يشجعني فضولي للدخول إليها …

وفي يوم تجرأت على اﻻقتراب من بابها الضخم، وفي أول وهلة لمحت امرأة عجوزا مشدودة إلى جدران العمارة الشاهقة. نظرت إلي وابتسمت في وجهي ابتسامة ساحرة، وفي لحظة كأني أسمع صوتا يهمس في أذني قائلا: “بني اقترب”، كأن أحدهم يكلمني من حيث لا أعلم، شعرت كأنني في فيلم سينمائي أو حلم في يقظة، فأخدت بيدي إلى جيبي فلامست أناملي بعض الدريهمات أخذتها وسلمته للعجوز صدقة. فنظرت إلي وهي تحملق باستغراب، وقالت: “أويلي أنا ماشي طﻻبة “. بخجل كبير وحيرة بادية على محياي قلت لها: “سمحيلي خالتي” ثم انصرفت وبي خجل غريب.

غادرت البناية وعقلي محشو بمئات الأساطير والخرافات. فالذي حدث معي لم أكن أتوقعه يوما.

 في طريق العودة الى سيدي معروف بقي صوتها يقلقني. من تكون تلك السيدة؟ لماذا كانت تشد على حائط البناية؟ ما سر تلك اﻻبتسامة السحرية؟؟

المزيد من المشاركات
1 من 51

انتصف الليل وما يزال تفكيري مشغولا بها فكلما أسدلت جفوني رأيت عيناها وتكرر في مسمعي تلك العبارة: “أنا مشي طلابة” ” “أنا مشي طلابة”،  ثم ترحل….ظل فؤادي ينبض حتى الصباح ، في الصباح لم أتمالك نفسي، فعدت مسرعا إلى تلك البناية ورابطت في مقهى بجانبها أنتظر لعلي أصادف تلك العجوز مرة أخرى، فاستجاب لي القدر بعد آذان المغرب فإذا بي ألمحها قادمة إلى نفس المكان، فانتابني شعور بالخوف إنه ليس من عادتي مبادرة الغريب بالكلام ، وبعد تردد وتردد قلت في نفس: أبعد 25 سنة عشتها في فيافي شرق المغرب أخجل وأعجز عن الحديث إلى عجوز؟؟

فاقتربت منها وجلست مطمئنا وألقيت عليا التحية: سلام عليكم لميمة

أجابتني: وعليكم السلام أولدي

وبعد تعارف قصير قصصت عليها ما كان يخالج تفكيري ليلا

ابتسمت وكأني أرى أبواب فؤادها تنفتح ثم انطلقت تسرد لي أطوار حياتها وما لاقته من قساوة الدهر    ………ذهب المال والرفاهية وضاع كل شيء يا ولدي!!

 

 إنها أمينة من مراكش عمرها 64سنة توفي زوجها لها بعد أن ترك لها ثلاثة أبناء

ابنها الأول صاحب شركة (…) والثاني يعيش في ايطاليا، أما الثالث فلا تدر المسكينة أحي هو أم ميت. وبسببه قدمت من مراكش إلى البيضاء، في انتظار المجهول ….!!

فجلست بجانبها أصغي الى قلبها المكلوم حتى منتصف الليل، طلبت منها أن تذهب لبيتها فالليل قد انتصف.

 فقالت: لا أملك ولا أكتري بيتا، أفترش الأرض زهرا وغطائي السماء زخرفا.

 شعرت بالحزن الشديد حيالها فما بيدي حلية. تركتها في مكانها ثم انصرفت وقد وعدتها بأن أبقي قصنها سرا بيني وبينها.

عدت في مساء اليوم الموالي  فجلست أمام تلك المقهى أنتظر قدومها مرت الدقائق ثم الساعات دون أن يظهر لها أثر، خالجني القلل وانتابتني أفكار سيئة فربما قد أصابها مكروه أو تعرضت لأذى، لم أتمالك نفسي، دخلت المقهى فسألت النادل عنها، فلم يأبه بسؤالي كررت السؤال مرة أخرى، وبعد إلحاح ، قال:  لقد أخدها صاحب المقهى الى دار العجزة.

 أصابني الذهول وأحسست بخيبة أمل كبيرة، فانصرفت وأنا أحبس الدمع في عيناي، وكل تفكيري منصب حول العجوز خاصة وأني قد جئتها بطلبتها، فقد طلبت مني قفازات لتحمي يداها من برد الليالي.

 في صباح اليوم الموالي عدت إلى المقهى أبحث عن مالكها، سألت فدلوني عليه، التقيت وبعد حوار قصير دار الكلام فيه حول العجوز المسكينة، طلبت منه أن يأخذني إلى حيث ذهب بها. لم يرفض الرجل طلبي. ركبنا السيارة وكل بهجة وابتسامة لا تفارق محياي.

توجهنا الى دار العجزة ب “تيط مليل” فكانت تلك أول مرة أدخل إلى ذلك المركز الاجتماعي ذو البناية القديمة المهترئة، تجاوزنا بابه الصدئ وعند مسافة كل متر أبصر عجوزا هارما ضعيفا. وأغلبهم من ذوي اﻻحتياجات الخاصة لا يتحركون إلا بشق الأنفس.

 تساقط وجهي من هول ما رأيت، وتساقط أكثر عندما لم نجد أحد من إداريي المركز، لقد كان يوم الأحد والجميع في عطلة. لم تكن هناك سوى حارسة رفضت طلبنا بزيارة أمي مينة، لأنه كان ممنوع على الذكور الولوج الى قسم النساء. لكن مع بعض الإغراءات التي قدما صاحب المقهى وافقت. فالتأمت قطع وجهي من جديد. دخلنا فاقشعر بدني من هول ما رأت عيني، لم أصدق داك الوضع الذي تعيشن فيه العجائز، زحمة كبيرة ورائحة الفضلات تملأ المكان. انساب وجهي بين الوجوه والرؤوس ذهبت مسرعا نحو أمي مينة، لما رأتني مقبل عليها تذكرتني فنادت: ولدي ولدي أنس  قد جاء. عنقتني وهي تصرخ أنس أنس أنس …. هي تعرف بأني لست أنس لكنها نادتني بذلك الاسم لأنها أخبرتهم في المركز أن له ابن اسمه أنس وسيأتي إليها قريبا.

أنس هو ابنها الأصغر توفي داخل تلك البناية الشامخة (الفندق) ما جاء إليه ليقضي شهر عسله، فأمي أمينة من صدمة الحادث لم تصدقه وتتناساه رغم مرور ما يقارب عشر سنوات، فتركت خافها هناك في مراكش العائلة والأموال والمسكن الفخم وكل شيء وأتت لتعانق أسوار الفندق وكلها أمل أن ابنها سيعود إليها يوما.

عانقتني طويلا ثم أعطيتها القفزات قبل انصرافي طلبت مني في الزيارة المقبلة أن أحضر لها معي مذياعا تستأنس به .

فصرت أزور المركز في كل أسبوعين بمعية جمعية “رياض الخير” نحمم العجزة ونغير ملابسهم ونؤنسهم بالحديث، نأتيهم في الأعياد مصحوبينا بالهدايا والأنشطة، حتى صرنا لبعصنا البعص عائلة جديدة، أحسوا خلالها كأننا ابناءهم من صلبهم. ودام الحال كذلك لثلاث سنوات قبل أن أغادر الدار البيضاء.

في سنة 2014  وصلتني رسالة عبر الهاتف مفادها بأن أمي امينة ستكون ضيفة في حلقة من حلقات برنامج تلفزيوني اسمه “قصة الناس”.

فانتظرت الحلقة بشوق كبير، فلما أذيعت تابعتها من البداية إلى النهاية، تابعت فيها تلك المرأة القوية التي تركت وراءها كل شيء جميل وخرجت يدفعها الشوق لأنها تبحث عنه وتلامس جدران آخر منزل نزله في حياته. في لحطة سألتها مقدمة البرنامج: هل لك عائلة تزورك بدار العجزة؟ أجاب: مات الجميع بموت ابني. لم يبقى لي سوى ابن واحد أرسله القدر هو من يزورني ويسأل عن أحوالي. اشترى لي هذا الراديو وهذه القفازات وو و و.

بعد انتهاء حلقة البرنامج، تعرف إليها أحد أبنائها وجاء إلى المركز واصطحبها معه إلى خارج المغرب.

لن أنسى  أمي مينة هي من علمتني الحب علمتني الحياة علمتني التحدي  ….عدت لبني تجيت فحققت أمنيتها التي وعدتها إياها حصولي على شهادة البكالوريا  سنة 2015 .

 

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.