حصنوا أنفسكم بأذكار الصباح والمساء

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أحلى وأجمل وأروع شيء في هذا الوجود، هو عندما يتصل المخلوق بالخالق، فيأنس بقربه، ويتلذذ بمناجاته.
قال بعض الصالحين: مساكين أهل الدنيا، خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل: وما أطيب ما فيها: قال: ذكــر الله.
فمهما ملك الإنسان من هذه الدنيا من المناصب والأموال والعقارات والقصور وكثرة الشهوات والملذات، وهو بعيد عن الله فهو في تعاسةٍ وشقاٍء ونكدٍ وهمٍّ، قال تعالى: ﴿ وَمَن أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾1.
فشتان بين من بدأ يومه غافلا عن الله، متعرضا لكل أنواع الإذايات من إنس وجن وهوامّ، جاعلا الشيطان له قرينا مصداقا لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ* وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾2.
وبين من يستفتح يومه رابطا صلته بربه يناجيه بكلامه، ويتضرع إليه بالأدعية التي أوحى الله بها لنبيه صلى الله عليه وسلم، فينال الأجر العظيم، و يقوي صلته برب العالمين، فيشرح صدره، ويحفظ له نفسه وجوارحه من كل الشرور، ما يعلمها، وما غابت عنه. ولا يستغرق ذلك منه إلا دقائق معدودة تكون سهلة على من وفقه الله لها وكان من الأحياء، عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ)3، فالغافل كالميت، والذاكر كالحي، وكفى بهذا تشجيعًا وترغيبًا في الذكر، ليكون المؤمن من الأحياء، ذاكرًا لله على كل أحواله، بل إن الذكر هو باب شرائع الإسلام، فمن سهل عليه وكان لسانه رطبا بذكر الله، سهلت عليه كل شرائع الإسلام، وهذا دواء مجرب من الصيدلية النبوية، فعن عبد الله بن بُسر رضي الله عنه، قال: (لما شكا الرجلُ حاله قال: يا رسول الله! إن شعائر الإسلام قد كثرت عليَّ، فأخبرني بأمر أتشبَّثُ “أتمسك” به، قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله) 4. وقوله: ” بأمر أتشبث به“، أي ليسهل عليَّ أداؤه، أو ليحصل به فضل ما فات من شعائر الإسلام من غير الفرائض، ولم يرد الاكتفاء به عن الفرائض والواجبات”. وهكذا فقد بات واضحا أنه على كل مؤمن ومؤمنة، أن يكون كثير الذكر، حتى يكون بعيدًا عن مشابهة الأموات، فالغافل شبيه الميت، والذاكر شبيه الحي، قال تعالى: ﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾5.
وكلَّما كان العبد أكثر ذكرًا لله – تعالى – كان أكثر إحساسًا، فيرى المعروف معروفًا، والمنكر منكرًا، والحق حقًّا، والباطل باطلاً، قال تعالى: ﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيّتًا فَأَحْيَيْنَاهُ، وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾6.
والمطلع على فائدة كل ذكر من أذكار الصباح والمساء؛ مما ورد في كتب السنن، يجدها بمثابة درع واق من كل الآفات، كلما زادت سماكته لم يتأثر صاحبه. بل قد تصل قوة الدرع أن يعود السهم فيصيب من أطلقه من شياطين الإنس والجن. فإذا كان أصحاب النفوذ تحصينا لأنفسهم يوظفون أشخاصا أقوياء لحماية أجسادهم، فإن الذاكر لله؛ المحافظ على ورده اليومي من أذكار الصباح والمساء، يكون قد أمّن على نفسه بملائكة يحفظونه من كل أذى، مصداقا لقوله تعالى: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾7. قال قتادة – رحمه الله – : وفي بعض القراءات: ” يَحْفَظُونَهُ بأَمْرِ اللَّهِ “، كما جاء في الحديث أنهم قالوا: “يا رسول الله، أرأيت رُقَى نسترقي بها، هل ترد من قَدَر الله شيئا؟ فقال: “هي من قَدَر الله”8، من حديث أبي خزامة، وقال: حديث حسن.
وقال كعب الأحبار– رحمه الله -: ” لو تجلَّى لابن آدم كل سهل وحَزْن، لرأى كل شيء من ذلك شياطين، لولا أن الله وكَّل بكم ملائكة عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم، إذا لتُخُطّفتم”، “والسَّهْل من الأرض: خِلاف الحَزْنِ، وهي أرض منبسطة لا تبلغ الهضْبة، والجمع: سُهولٌ. والحَزْن من الأرض: ما غلُظ، وفي الحديث: (اللّهُمَّ لاَ سَهْلَ إِلاَّ مَا جَعَلْتَهُ سَهْلاً، وَأَنْتَ تَجْعَلُ الْحَزْن إِنْ شِئْتَ سَهْلاً).. وقال أبو أمامة: “ما من آدمي إلا ومعه ملك يَذُود عنه، حتى يسلمه للذي قُدّر له”9. وقال مجاهد رحمه الله: “ما من عبد إلا له مَلَك موكل، يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوامّ، فما منها شيء يأتيه يريده إلا قال الملك: وراءك؛ إلا شيء يأذن الله فيه فيصيبه”.10
وقال أبو مِجْلَز– رحمه الله -: جاء رجل من مُرَاد إلى علي- رضي الله عنه – وهو يصلي، فقال: “احترس، فإن ناسًا من مراد يريدون قتلك. فقال: إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدّر، فإذا جاء القَدَرُ خَلّيا بينه وبينه، وإن الأجل جنة حَصِينة”11.
وحتى يؤدي ورد الصباح والمساء دوره، لابد أن نحافظ على وقته، ومحل ورد الصباح في الإبكار؛ وهو الغدو بعد صلاة الصبح وقبل طلوع الشمس، ومحل ورد المساء في العشي وهو الآصال بعد صلاة العصر قبل الغروب.
قال ابن القيم رحمه الله: قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾12، فالإبكار: أول النهار، والعشي : آخره، وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾13، وهذا تفسير ما جاء في الأحاديث: أن من قال :كذا وكذا حين يصبح وحين يمسي: أن المراد به: قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، وأن محل هذه الأذكار بعد الصبح، وبعد العصر”14.
فأفضل وقت ورد الصباح، قبل طلوع الشمس، و ورد المساء، قبل غروبها، والأمر في ذلك واسع ولله الحمد، فلو أخر ورده الصباحي إلى ما بعد طلوع الشمس، والمسائي إلى ما بعد غروبها، فلا بأس، إلا أن المبادرة أولى”15.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
1 – سورة طه، الآية 124.
2 – سورة الزخرف، الآيتان 36 – 37.
3 – صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب فضل ذكر الله عز وجل، ح6044.
4 – رواه الترمذي، وصححه الألباني.
5 – سورة فاطر، الآية 22.
6 – سورة الأنعام، الآية 122.
7 – سورة الرعد، من الآية 11.
8 – رواه الترمذي في السنن، برقم (2065)
9 – تفسير القرآن العظيم، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ)، تحقيق سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع،الطبعة الثانية 1420هـ – 1999 م،(4/ 439).
10 – تفسير ابن كثير، (4/438).
11 – رواه الطبري في تفسيره، (16/378).
12 – سورة غافر، الآية 55.
13 – سورة ق، الآية 39.
14 – الوابل الصيب، لابن القيم، ص183.
15 – راجع أذكار طرفي النهار، بكر بن عبد الله أبو وزيد، ص17.

اظهر المزيد

بن سالم باهشام

أستاذ العلوم الشرعية بخنيفرة المغرب. عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. عضو رابطة علماء المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: