حج المرأة في ضوء الواقع المعاصر

مقدمة

لقد جعل الله تعالى الاستطاعة مناط التكليف فقال: (( لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا )) (البقرة: 286)، وقال أيضا: (( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )) (التغابن: 16). وكان من مقاصد هذه الاستطاعة رفع الحرج عن العباد، كما يخبرنا عز وجل في كتابه: (( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ )) ( الحج: 78)، وتطهيرهم وتزكيتهم لتسمو روحهم ويزدادوا إيمانا وقربا من مولاهم، (( مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون َ)) (المائدة: 6).

ويرتبط مفهوم الاستطاعة بظروف الناس وأحوالهم وواقعهم زمانا ومكانا، يتسع أحيانا ويضيق أخرى. ويبقى الأمر الأهم في كل هذا تحقيق مقاصد التكليف بالقيام بالمأمورات وفق هذه الاستطاعة.

وفريضة الحج لا تخرج عن هذا الإطار، بل قُيدت بالاستطاعة نصا لقوله تعالى: (( وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً )) (آل عمران: 93)، وقوله صلى الله عليه وسلم جوابا عن سؤال جبريل عليه السلام عن الإسلام: “الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا”[2].

ولعل مفهوم الاستطاعة في الحج أوضح لارتباطهما ارتباطا وثيقا، ولعل هذا هو السر في عدم تحديد نوعية هذه الاستطاعة في القرآن الكريم والحديث الشريف حفظا للنفوس والعقول والأموال. ثم إن واقع المسلمين المعاصر يوسع من مفهوم هذه الاستطاعة، ويجعل ما كان غير مستطاع بالأمس مستطاعا اليوم؛ وذلك لما عرفه العالم اليوم من تقدم في فنون العلوم من طب وصناعة ونظم الحياة…

من هنا اخترت أن يكون عنوان مداخلتي “حج المرأة والمريض في ضوء الواقع المعاصر“، وأقصد بالمريض هنا المريض مرضا مزمنا طبعا. وما دفعني لاختيار هذه الفئة ما وجدت في آراء الفقهاء السلف من أقوال تقضي بتضييق مفهوم الاستطاعة في ضوء ما عرفه واقعهم بإضافة عنصر ثان وهو المحرم، وقد اشترطت نفقة المحرم على المرأة.

وهنا نسأل:

ألا يمكن للمرأة أن تحج اليوم من غير محرم في ظل ما عرفته نظم الحياة من تطور، خاصة أن وجود المحرم يقتضي نفقة مالية مضاعفة، وهو ما قد يتعذر تحقيقه اليوم ؟

هذا ما ستحاول هذه المداخلة الإجابة عنه عبر المحورين الآتيين:

المحور الأول: تغير مفهوم الاستطاعة في ضوء الواقع المعاصر.

1- أثر الواقع في تغير الرأي الفقهي.

2- أثر الواقع في تغير الاستطاعة.

3- نماذج من تغير الفتوى تبعا لتغير الاستطاعة.

المحور الثاني: حج المرأة في ضوء الواقع المعاصر.

1- حج المرأة بغير محرم في الرأي الفقهي.

2- الغاية من وجود المحرم.

3- المرأة بغير محرم في الواقع المعاصر.

خاتمة أضمنها نتائج وتوصيات.

المحور الأول: تغير مفهوم الاستطاعة في ضوء الواقع

1- أثر الواقع في تغير الرأي الفقهي

بعد سد باب الاجتهاد حصلت فجوة بين الشريعة والواقع بما يطلبه من أحكام وفتاوى وآراء لينصلح بها، أو ليواكب بها الإنسان موكب الشريعة التي إنما جاءت لتخرجه من ظلمات الشرك والظلم إلى نور التوحيد والعدل. لكن بعد سد باب الاجتهاد بدت آراء السابقين هي صاحبة الكلمة في واقع متغير مختلف تماما عن سابقه. من هنا أصبحت شريعة الله عز وجل مجرد أفكار نظرية لا تستطيع أن تؤثر في الناس أو تصلح واقعهم أو توجه حياتهم. بل حتى التنزيل مادام أنه يحتاج إلى اجتهاد فقد غدا ضربا من الخلط والتخبط.

وهذا ما دفع ابن القيم رحمه الله إلى الإعلان في كتابه “إعلام الموقعين عن رب العالمين” أن:_لا بد من “فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما… فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله، كما توصل شاهد يوسف بشق القميص من دبر إلى معرفة براءته وصدقه، وكما توصل سليمان صلى الله عليه وسلم بقوله ائتوني بالسكين حتى أشق الولد بينكما إلى معرفة عين الأم…”[3]

الفتوى تتغير بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد، والحكمة في ذلك أن الشريعة بنيت على مصالح العباد في المعاش والمعاد. قال: “هذا فصل عظيم النفع جدا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به. فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل. فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه، وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها …”[4].

إن حدوث الفجوة بين الشريعة والواقع إنما هو بتوقف البحث في المسائل الفقهية والأصولية من جهة. ومن جهة أخرى باتباع وتقليد السابقين والتزام آرائهم وفتاواهم.

وقد لا نبالغ إذا قلنا إن الفقه الإسلامي اليوم، في ظل ما حصل في الحياة الإنسانية من تحولات كبرى، يبقى قاصرا عن تحقيق مقاصد الشرع، إن هو أغفل التعامل مع الواقع. نعم، لدينا الكتاب والسنة وتراث الأسلاف، ولكن كيف نطبق ذلك ؟ إن التطبيق من غير فقه الواقع، أو فقه محل التطبيق، سيكون لا محالة تحريفا لدين الله عز وجل، وتضييقا لدعوته سبحانه وتعالى، وتضييقا على عباده. ولنا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وهدي الصحابة رضوان الله عليهم خير مثال وأوضح دليل على حسن الاجتهاد والدعوة بشمول ووعي وعمق فهم لأوامر الإسلام ونواهيه ولواقع التنزيل.

وأكتفي هنا بالمثالين الآتيين[5]:

1- إن الله سبحانه وتعالى لم يبعث رسولاً إلا لمعالجة قضية من قضايا الفساد والظلم، ويصلح وضعًا من الأوضاع المنحرفة. ولم يكن الله عز وجل ليهلك قومًا بالكفر وحده، حتى ينضم إليه الفساد في المعاملات والعلاقات الاجتماعية، كما أهلك الله قوم شعيب بنقص المكيال والميزان، وقوم لوط باللواط[6].

هكذا يخبرنا القــرآن الكريم أن برنامج التغيير يكون بحسب ما في الواقع من فساد أو انحراف، حجمًا وكمًا وكيفًا، ويتأكد لنا هذا في قضية موسى عليه السلام الذي بعثه الله عز وجل لإصلاح فساد سياسي ممثل في فرعون وآخر اقتصادي ممثل في قارون، إضافة إلى الشرك بالله عز وجل.

2- وتأليف القلوب استمر من عهد النبوة إلى عهد عمر رضي الله عنه، فأسقط سهم المؤلفة قلوبهم حيث إن الناس لم يعودوا في حاجة إلى تأليف. يقول الشيخ القرضاوي: “فإن عمر إنما حرم قومًا من الزكاة كانوا يتألفون على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ورأى أنه لم يعد هناك حاجة لتأليفهم وقد أعز الله الإسلام وأغنى عنهم. ولم يجاوز الفاروق الصواب فيما صنع، فإن التأليف ليس وصفًا ثابتًا دائمًا، ولا كل من كان مؤلفًا في عصر يظل مؤلفًا في غيره من العصور. وإن تحديد الحاجة إلى التأليف، وتحديد الأشخاص المؤلفين، أمر يرجع إلى أولي الأمر، وتقديرهم لما فيه خير الإسلام ومصلحة المسلمين”[7].

2- أثر الواقع في تغير الاستطاعة

وقد جعل الله سبحانه وتعالى الاستطاعة مناط التكليف في سائر الأحكام. و عبرت كثير من آيات القرآن الكريم عن هذه الاستطاعة بصيغ مختلفة منها قوله تعالى: (( لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا )) (البقرة:285)، وقوله: (( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ )) (الحــج: 78)، وقوله: (( مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ))، كما جعل الله سبحانه الدعاء بعدم التكليف بما لا يطاق جاريا على لسان المومنين (( رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ)) (البقر: 286). وفي أوضح تعبير عن الاستطاعة نجد قوله تعالى: (( وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً )) (آل عمران: 93).

وقد نتجت عن هذه الاستطاعة قواعد جليلة تؤطر الفقه الإسلامي وأحكامه، بل تؤطر حياة المسلم والمجتمع، منها: “الضرورات تبيح المحظورات”، و”المشقة تجلب التيسر”، و”لا تكليف بما لا يطاق”…

ولعل تقييد التكاليف بالاستطاعة، ومنها الحج، يدل على أن هذه الشريعة تتميز بالتيسر، مصداقا لقوله تعالى: (( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )) (التغابن: 16). كما أن ترك هذه الاستطاعة غير محددة يعني أنها تخضع لظروف المكلف وواقع التكليف؛ ذلك أن الاستطاعة “ليست واحدة في كل العصور، وعند الأفراد وفي كل الأزمان، حتى عند الفرد الواحد، حيث تتغير نظرته إلى الأشياء وحكمه عليها، مع نمو مداركه واتساع تجاربه وزيادة علمه”[8]، فلكل استطاعة حكمها وتكليفها. ويبقى على المسلم أن يسعى دوما للارتقاء بها حتى تستوعب هذه الأحكام وتلك التكاليف.

وتتغير الاستطاعة بتغير واقع المكلف، وبمكن أن نجمل ذلك في:

ا- التأثيرات البيئية الطبيعية:

ونقصد بالبيئة الطبيعية كل ما يتعلق بالمنطقة التي يعيش فيها الإنسان، من تكوين، وموقع جغرافي، وتضاريس، وما يحيط بها من ظروف طبيعية ومناخية[9]. وقيدنا هذه التسمية بالطبيعية أو الجغرافية تمييزًا لها عن البيئة الاجتماعية أوالسياسية… وأما البيئة -على الإطلاق- فهي تمثل كل العوامل الخارجية التي لها تأثير مباشر أو غير مباشر على الفرد[10]، وعلى مناشط الحياة، بل وتوجه هذه الحياة وفق خصائصها وميزاتها.

ب- النفس البشرية:

إن الإنسان ببشريته هو المحور الذي عليه تدور الاستطاعة، منه تبدأ وإليه تنتهي، ولا يمكن أن نتكلم عن استطاعة بدون إنسان أو إنسان بدون استطاعة، لعلاقة التحكم بين الطرفين ومن كليهما، فيتكيف الإنسان معها أو يكيفها طبقًا لمقتضيات التشريع بما وهبه الله عز وجل من استعدادات فطرية تختلف من إنسان إلى آخر، كل حسب طبعه ومزاجه وخصائصه النفسية. لكن رغم هذا، هناك ما هو مشترك بين جميع البشر وإن اختلفت نسبته من إنسان إلى آخر، وذلك ما اصطلح على تسميته بـ “طبيعة الإنسان”[11].

جـ- الحركة الاجتماعية:

وأقصد بالحركة الاجتماعية كل العلاقات التي تربط الإنسان بأخيه الإنسان، أيــاً كان نوعها: دينية، اقتصادية، سياسية، عائلية، ثقافية، وكذلك نمط العيش وكل التغيرات التي تطرأ على حركة الإنسان والمجتمع… والملاحظ في عصرنا أن الحركة الاجتماعية هذه عرفت تحولات كبرى إذا ما قورنت بالقرون السابقة.

3- نماذج من تغير الفتوى تبعا لتغير الاستطاعة

1- عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: “بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت! قال: مالَكَ ؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “هل تجد رقبة تعتـقها ؟ قال: لا، (وفي رواية قال: ما أملك رقبة غيرها، وضرب على صفحة رقبته) قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال: لا، (وفي رواية: هل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام ؟) فقال: هل تجد إطعام ستين مسكيناً ؟ قال: لا، (وفي رواية قال: والذي بعثك بالحق ما لنا طعام)، قال: فمكث النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما نحن على ذلك أُتي النبيَّ صلى الله عليه وسلم بعرق فيها تمر، قال: أين السائل ؟ قال أنا، قال: خذ هذا فتصدق به، فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله، فوالله ما بين لا بتيها – يريد الحرتين- أهل بيت أفقر من أهلي بيتي، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعمه أهلك[12].

إن هذه الواقعة تبين كيف تغيرت الاستطاعة للفرد الواحد تبعا لحالته وفي قضية واحدة هي قضية الجماع في نهار رمضان، وتدرجت الأحكام بتدرج استطاعته وقدراته.

2- وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: “كانت بي بواسير، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، فقال: صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب[13].

ونستفيد من هذا الحديث:

– أن الواجب يؤدى في أي حال من الأحوال، وبالقدر الممكن والمستطاع، مصداقـًا لقول الله عز وجل: (( لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا )) (البقرة:285).

– أن الواجب لا يجوز أن يهمل كلية إذا تعذر القيام به على الوجه المطلوب وبالاستطاعة الكاملة.

3- وعن جابر بن عبد الله قال:” أقبل رجلٌ بناضحين وقد جَنَحَ الليلُ فوافق معاذًا يُصلي فتركَ ناضحَهُ وأقبل إلى معاذٍ، فقرأ بسورة البقرةِ أو النسـاءِ، فانطـلقَ الرَّجلُ وبلغهُ أنَّ معاذًا نالَ منهُ، فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فشكا إليه معاذًا، فقالَ النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معاذُ أفتانٌ أنتَ [أو: أفاتِنٌ ثلاث مرار] فلولا صليتَ بسبِّحِ اسمَ ربكَ والشمسِ وضحاها والليلِ إذا يغشى، فإنه يصلي وراءكَ الكبيرُ والضعيفُ وذو الحاجة[14].

وفي رواية أخرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والسقيم، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء”[15].

وهنا أثرت استطاعة المأمومين (الكبير والضعيف والسقيم وذي الحاجة في استطاعة معاذ رضي الله عنه ومن هو مثله، فالرسول صلى الله عليه وسلم طلب الرأفة بأصحاب الحالات الخاصة، بالصغير والكبير والضعيف والسقيم وذي الحاجة…

إن استقراء أقوال الشارع (صلى الله عليه وسلم) وتصرفاته، واعتبار عموم الشريعة الإسلامية ودوامها، كل ذلك دفع ابن عاشور رحمه الله للقول: “مقصد الشريعة الأعظم، نوط أحكامها المختلفة بأوصاف مختلفة تقتضي تلك الأحكام، وأن يتبع تغير الأحكام تغير الأوصاف”[16]. وما تغير الأوصاف إلا تغير حالات التكليف واستطاعات المكلف.

المحور الثاني: حج المرأة في ضوء الواقع المعاصر

قبل أن نعرض لحج المرأة في الواقع المعاصر نتعرف أولا على حج المرأة بغير محرم في الرأي الفقهي وعن العلة من وجود المحرم.

1- حج المرأة بغير محرم في الرأي الفقهي

القول الأول : وهو وجود ذي المحرم، قال به أبو حنيفة وأحمد وجماعة[17]، واعتمدوا في ذلك على أدلة منها:

1- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً يكون ثلاثة أيام فصاعداً، إلا ومعها أبوها، أو ابنها، أو زوجها، أو أخوها، أو ذو محرم منها[18].

2- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر ميسرة يوم إلا مع ذي محرم”[19].

3- عن قَزَعة مولى زياد قال: سمعت أبا سعيد وقد غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثنتى عشرة غزوة قال: “أربع سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قال يحدثهن عن النبي صلى الله عليه وسلم فأعجبتني وآنقنني: أن لا تسافر امرأة مسيرة يومين ليس معها زوجها أو ذو محرم، ولا صوم يومين: الفطر والأضحى، ولا صلاة بعد صلاتين بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجدي، ومسجد الأقصى[20].

4- عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم[21].

5- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذو محرمة منها[22].

6- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم“، فقال رجل: يا رسول الله إنّي أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا، وامرأة تريد الحج فقال: “اخرج معها[23].

ولفظ مسلم: “سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يقول : “لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم“، فقام رجل فقال يا رسول الله إنّ امرأتي خرجت حاجّة، وإنّي اكتتبت في غزوة كذا وكذا قال: “انطلق فحج مع امرأتك“.

القول الثاني : تخرج المرأة إلى الحج إذا وجدت رفقة مأمونة، وبه قال مالك والشافعي[24] وابن تيمية[25]، واستُدل بأدلة منها:

1- عن جابر وبن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وأنس وعائشة رضي الله عنهم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم سُئل ما السبيل؟ قال: “الزاد والراحلة[26].

ووجه الدلالة : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يشترط المحرم.

2- روى الإمام أحمد عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية: “ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ” قال رجل يا رسول الله ما السبيل؟ قال: ” الزاد والراحلة ” ووجه الدلالة كسابقه.

3- عن عدي بن حاتم رضي الله عنه: “أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “يوشك أن تخرج الظعينة[27] من الحيرة تؤمّ البيت لا جوار معها، لا تخاف إلا الله[28]، ووجه الدلالة: خروج الظعينة بلا محرم.

4- قالوا : ولأنّه سفر واجب، فلم يُشترط له المحرم كالمسلمة إذا تخلصت من أيدي الكفار.

2- العلة من وجود المحرم

بعد عرض الموقفين المختلفين من المحرم لأداء الحج نبحث الآن العلة من وجود المحرم حتى يمكننا الترجيح بين القولين.

إن النقاش السابق حول المحرم يدلنا على وجود موقفين فقهيين:

الأول: متشبث بالنصوص وتوجيهات النبي صلى الله عليه وسلم، فهو لم يناقش العلة، وإنما أراد الامتثال لأمر النبي صلى الله عليه وسلم.

والثاني: متشبث بالعلة الكامنة وراء هذه النصوص وتلك التوجيهات وبمقاصدها، فرأى أن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يؤخذ بمقاصده لا بعلته، فذهب الشافعي رحمه الله مثلا إلى القول: “لا يشترط المحرم بل يشترط الأمن على نفسها”[29]. فالشافعي هنا رحمه الله يبين المراد من اشتراط رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحرم.

وهذا ما سار عليه كثير من العلماء، فقال أصحابه: “يحصل الأمن بزوج أو محرم أو نسوة ثقات”، وقال بعضهم: “يلزمها -أي الحج- بوجود امرأة واحدة، وقد يكثر الأمن ولا تحتاج إلى أحد، بل تسير وحدها في جملة القافلة وتكون آمنة”.

والإمام مالك لا يشترط الزوج أو المحرم في سفر الفريضة، وقال الباجي من المالكية: “إن الكبيرة غير المشتهاة يجوز سفرها بلا زوج ولا محرم، ورفض القاضي عياض هذا القول لأن المرأة مظنة الطمع والشهوة حتى لو كانت كبيرة، ولوجود السفهاء الذين لا يتورعون عن الفحشاء في الأسفار”[30].

ونجد الرأي نفسه عند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث يقول: “وتحج كل امرأة آمنة مع عدم محرم”[31].

وما يؤكد هذه العلة ما نجده في حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه: “بينا أنا عند الني صلى الله عليه وسلم إذا أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل”. فقال: “يا عدي، هل رأيت الحيرة؟” قلت: “لم أرها، وقد أنبئت عنها”. قال: “فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلا الله” [البخاري: 3328 ]. وهذا صريح في استتباب الأمن وبيان العلة من عدم خروج المرأة للحج من غير محرم.

والذي تجدر الإشارة إليه أن الأحكام لها مقاصد شرعت من أجلها، والمقاصد منوطة بعلل، وحيث وجدت العلة وجد الحكم، وحيث انتفت العلة انتفى الحكم.

3- حج المرأة بغير محرم في الواقع المعاصر

إن الاطمئنان إلى أن للشريعة مقاصد وغايات، وللأحكام عللا هو السبيل لتحقيق خلود أحكام الشرع وتطبيقها في واقع متغير معقد، من غير حرج ولا تضييق على العباد. وهذا يدفعنا إلى ترجيح القول بحج المرأة بغير محرم، وذلك لاعتبارين:

الأول: وقد سبق بسط بعض القول فيه من أن العلة في اشتراط رسول الله صلى الله عليه وسلم المحرم هو غياب الأمن وخشية الفتنة ومظنة الخلوة بالأجنبي كما في الحديث: “سمعت النبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يخطب يقول:‏”‏لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو ‏‏محرم،‏ ‏ولا تسافر المرأة إلا مع ذي ‏‏محرم“. ‏‏فقام رجل فقال: “يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا”، قال: “انطلق فحج مع امرأتك” [مسلم 2391 ]. ولعل الحديث يبين قيمة المحرم والغاية من وجوده والمتمثلة في سد ذريعة الخلوة برجل.

واليوم، يتم الحج عبر مجموعات ووفود تحفظ للإنسان كرامته وعرضه وحرمته، منذ أن يخرج من بيته حتى يعود إليه، رجلا كان أو امرأة. أما الخلوة في هذه الحالة صعب تحققها إلا لمن قصدها وخطط لها عن سبق. وأما الأمان فتقدم الحياة المعاصرة جعله متوفرا وبطريقة يرتاح لها، خاصة أن أجهزة الأمن تضمن للحاج والمسافر السلامة منذ أن يخرج من بلده حتى يعود إليها.

الثاني: إن اشتراط المحرم للمرأة في الحج يضيق من حدود الاستطاعة؛ ذلك أن عوض نفقة حج المرأة نكون أمام نفقتين (للمرأة والرجل). وهذا من الأمور التي يتعذر توفرها لغالبية الناس اليوم، خاصة مع غلاء الأسعار وبعد المسافات وغير ذلك.

يقول ابن قدامة رحمه الله: “ونفقة المحرم في الحج عليها (أي على المرأة)، نص عليه أحمد، لأنه من سبيلها، فكان عليها نفقته، كالراحلة. فعلى هذا يعتبر في استطاعتها أن تملك زادا وراحلة لها ولمحرمها، فإن امتنع محرمها من الحج معها، مع بذلها له نفقته، فهي كمن لا محرم لها، لأنها لا يمكنها الحج بغير محرم”[32].

خاتمة

* النتائج:  جعل الله سبحانه وتعالى الحج الركن الخامس من أركان الإسلام، وقيده بالاستطاعة (( وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً )) (آل عمران: 93). وقد رأينا أن هذه الاستطاعة تضيق وتتسع تبعا للواقع وتغيراته. كما رأينا أن تغير الواقع له أثر في تغير الرأي الفقهي، وخلصنا إلى أن الاستطاعة لها أثر أيضا في تغير الفتوى والرأي الفقهي.

في ضوء هذا درست الأقوال التي تقول بوجوب المحرم، والأقوال التي تقول بجواز الحج بغير محرم، ووقفت عند العلة من وجود المحرم فوجدت أنها توفير الأمن للمرأة وضمان عدم الخلوة. وحيث إن الواقع المعاصر تتوفر فيه كل شروط الأمن والسلامة للمرأة، خاصة مع وجود رفقات مأمونات، وحيث إن اشتراط المحرم يضيق من الاستطاعة لأنه يكلف نفقة حاجين عوض نفقة حاج واحد أي المرأة، رجحت الرأي القائل بجواز حج المرأة بغير محرم.

* التوصيات:  أقترح أن تنبثق عن هذه الندوة لجان عمل مهمتها بحث تفاصيل الاستطاعة والتقعيد لها في ضوء ما استجد في الحياة المعاصرة، ويجتمع الباحثون في العلوم الشرعية مع نظرائهم في العلوم الكونية التي لها ارتباط بالموضوع.

كما أقترح أن تعمل الندوة على بحث أعمق ودقيق لحج مختلف فئات المسلمين (المرضى، العجزة، الصبيان، النساء، …) في ضوء ما توفره العلوم المعاصرة والتقدم الصناعي من خدمات. وينبري لهذا الباحثون في الشرعيات والباحثون في الكونيات التي لها علاقة بالموضوع. وعلى الله قصد السبيل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشر هذا البحث في مجلة “منار الهدى” العدد 14 خريف 2009 في الصفحات من 113إلى 126.

[1] – هذا الموضوع جزء من مداخلة بعنوان” حج المرأة والمريض في ضوء الواقع المعاصر” قُدمت إلى ندوة الحج الكبرى حول “الاستطاعة في الحج في ضوء المقاصد الشرعية والواقع المعاصر” التي عقدتها وزارة الحج السعودية بمكة المكرمة أيام 3-4-5 ذي الحجة 1429.

[2] – صحيح البخاري 48.

[3]_ ابن القيم، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، 1973، دار الجيل، بيروت، 1/87.

[4]– نفسه  3 / 3.

[5] – للاطلاع على نماذج من تقدير الواقع في الكتاب والسنة واجتهاد الصحابة راجع أحمد بوعود فقه الواقع أصول وضوابط، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة 2006، ص 86-135.

[6] – وهبة الزحيلي، التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، ط1، 1991، دار الفكر المعاصر، بيروت،  12 / 18.

[7] – راجع القرضاوي، فقه الزكاة، ط4، 1998، مؤسسة الرسالة، بيروت، 2 / 295.

[8] – عمر عبيد حسنه في تقديمه لكتاب فقه الواقع أصول وضوابط لأحمد بوعود، ص 7.

[9] – انظر عبد الواحد القاضي، الإسلام والبيئة، دار الاعتصام للطبع والنشر والتوزيع، القاهرة، ص 11، وعلي عبد الواحد وافي، الوراثة والبيئة، ط2، 1970، دار نهضة مصر للطبع والنشر، القاهرة، ص87.

[10] – محمد كامل عويضة، علم النفس الاجتماعي، مراجعة محمد رجب البيومي، ط1، 1996، دار الكتب العلمية، ص 167.

[11] – منصور زويد المطيري، الصياغة الإسلامية لعلم الاجتماع.. الدواعي والإمكان، كتاب الأمة 33، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الدوحة، ص 106 وما بعدها.

[12] – صحيح البخاري، كتاب الصيام، صحيح مسلم بشرح النووي، باب تحريم الجماع في نهار رمضان ووجوب الكفارة الكبرى فيه 7 / 235.

[13] – صحيح البخاري 1050، مسند الإمام أحمد 19840، سنن ابن ماجة 1223.

[14] – أخرجه البخاري.

[15] – صحيح البخاري 662.

[16] – مقاصد الشريعة الإسلامية ص 136.

[17] – ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ط10، دار الكتب العلمية، بيروت 1988، 1/322.

[18] – مسلم : 1339.

[19] – مسلم : 1339.

[20] – البخاري : 1864، مسلم : 827.

[21] – البخاري : 1036، مسلم : 1338.

[22] – مسلم : 1339.

[23] – البخاري : 1862، مسلم : 1341.

[24] – ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد 1/322.

[25] – الصنعاني، سبل السلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام، ط1، 1991، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، 2/372-373.

[26] – مسند الدارقطني 2/215.

[27] – جاء في المصباح المنير مادة ( ظ ع ن ): ظعن ظعنا من باب نفع ارتحل، والاسم ظعن بفتحتين، ويتعدى بالهمزة وبالحرف، فيقال أظعنته وظعنت به، والفاعل ظاعن والمفعول مظعون، والأصل مظعون به لكن حذفت الصلة لكثرة الاستعمال، وباسم المفعول سمي الرجل، ويقال للمرأة ظعينة فعيلة بمعنى مفعولة لأن زوجها يظعن بها، ويقال الظعينة الهودج، وسواء كان فيه امرأة أم لا، والجمع ظعائن وظعن بضمتين، ويقال الظعينة في الأصل وصف للمرأة في هودجها، ثم سميت بهذا الاسم وإن كانت في بيتها لأنها تصير مظعونة .

[28] – البخاري 3328.

[29] – النووي، شرح صحيح مسلم، ط2، 1992، دار إحياء التراث العربي، بيروت. 9/104.

[30] – نفسه.

[31] – ابن تيمية، الفتاوى الكبرى، تحقيق محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا، ط1، 1408-1987، دار الكتب العلمية، بيروت، 5/38.

[32] – راجع ابن قدامة المقدسي، المغني، ط1، 1405، دار الفكر، بيروت، 3/85.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: