جزاء حامل القرآن

– حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الوَارِثِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” يَجِيءُ القُرْآنُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ حَلِّهِ[1]، فَيُلْبَسُ تَاجَ الكَرَامَةِ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ زِدْهُ، فَيُلْبَسُ حُلَّةَ الكَرَامَةِ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ ارْضَ عَنْهُ، فَيَرْضَى عَنْهُ، فَيُقَالُ لَهُ: اقْرَأْ وَارْقَ، وَيُزَادُ بِكُلِّ آيَةٍ حَسَنَةً “: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ»[2].

وروي الحديث بصيغة أخرى فعَنِ المسيِّب بْنِ رَافِعٍ3، قَالَ: يَجِيءُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَافِعٌ مُطَاعٌ، ومَاحِلٌ [3]مُصَدَّق، فيَشْفَعُ لِصَاحِبِهِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ اجْزِهِ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ بِي، وَيَسْهَرُ بِي، وَيَنْصَبُ[4] بِي، فَاجْزِهِ، فَيُقَالُ: حُلَّة الْكَرَامَةِ ، فَيَقُولُ: يَا رب أجزه ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ بِي، وَيَسْهَرُ بِي، وَيَنْصَبُ بِي، فَأجْزِهِ، فَيُقَالُ: تَاجُ الْكَرَامَةِ ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أجْزِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ بِي، وَيَسْهَرُ بِي، وَيَنْصَبُ بِي، قَالَ: فَيُقَالُ: رِضْوَانِي لَا سَخَطَ بَعْدَهُ . قَالَ: فَإِلَى ذَلِكَ تَنْتَهِي شَفَاعَةُ القرآن “[5].

وروي بصيغة أخرى في معجم الطبراني  عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ وَمَاتَ فِي الْجَمَاعَةِ بَعَثَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ السَّفَرَةِ وَالْحُكَّامِ، وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَهُوَ يَنْفَلِتُ مِنْهُ، وَلَا يَدَعُهُ فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، وَمَنْ كَانَ حَرِيصًا عَلَيْهِ وَلَا يَسْتَطِيعُهُ وَلَا يَدَعُهُ بَعَثَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ أَشْرَافِ أَهْلِهِ، وَفُضِّلُوا عَلَى الْخَلَائِقِ كَمَا فُضِّلَتِ النُّسُورُ عَلَى سَائِرِ الطُّيُورِ، وَكَمَا فُضِّلَتْ عَيْنٌ فِي مَرْجٍ[6] عَلَى مَا حَوْلَهَا، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا لَا يُلْهِيهُمْ رَعِيَّةُ الْأَنْعَامِ عَنْ تِلَاوَةِ كِتَابِي؟ فَيَقُومُونَ فَيُلْبَسُ أَحَدُهُمْ تَاجَ الْكَرَامَةِ، وَيُعْطَى الْفَوْزَ بِيَمِينِهِ، وَالْخُلْدَ بِشِمَالِهِ، فَإِنْ كَانَ أَبَوَاهُ مُسْلِمَيْنِ كُسِيَا حُلِّةً خَيْرًا مَنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، فَيَقُولَانِ: أَنَّى هَذِهِ لَنَا؟ فَيُقَالُ: بِمَا كَانَ وَلَدُكُمَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ[7].

شرح الحديث :

عِنْدَ دُخُولِ الْجَنَّةِ وَتَوَجُّهِ الْعَامِلِينَ إِلَى مَرَاتِبِهِمْ عَلَى حَسَبِ مَكَاسِبِهِمْ ينال صاحب القرآن جزاء عظيما عبر عنه الحديث بقوله : ” اقرأ وارق ” وعبر عنه  بقوله ” تاج الكرامة “، وهذا الجزاء لمن يُلَازِمُهُ بِالتِّلَاوَةِ وَالْعَمَلِ لَا مَنْ يَقْرَؤُهُ وَهُوَ يَلْعَنُهُ، أَيْ إِلَى دَرَجَاتِ الْجَنَّةِ أَوْ مَرَاتِبِ الْقُرْبِ (وَرَتِّلْ) ، أَيْ لَا تَسْتَعْجِلْ فِي قِرَاءَتِكَ فِي الْجَنَّةِ الَّتِي هِيَ لِمُجَرَّدِ التَّلَذُّذِ وَالشُّهُودِ الْأَكْبَرِ كَعِبَادَةِ الْمَلَائِكَةِ (كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ) ، أَيْ قِرَاءَتُكَ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْجَزَاءَ عَلَى وَفْقِ الْأَعْمَالِ كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً (فِي الدُّنْيَا) مِنْ تَجْوِيدِ الْحُرُوفِ وإعطائها حقها (فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا) وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ دَرَجَاتِ الْجَنَّةِ عَلَى عَدَدِ آيَاتِ الْقُرْآنِ، وَجَاءَ فِي حَدِيثِ « قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” عَدَدُ دَرَجِ الْجَنَّةِ عَدَدُ آيِ الْقُرْآنِ، فَمَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ فَلَيْسَ فَوْقَهُ دَرَجَةٌ ” قَالَ الْحَاكِمُ: ” هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ[8]. فَالْقُرَّاءُ يَتَصَاعَدُونَ بِقَدْرِهَا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَنَالُ هَذَا الثَّوَابَ الْأَعْظَمَ إِلَّا مَنْ حَفِظَ الْقُرْآنَ وَأَتْقَنَ أَدَاءَهُ وَقِرَاءَتَهُ كَمَا يَنْبَغِي لَهُ .

قال أحد الصالحين : “فَإِذَا قَامَ صَاحِبُ الْقُرْآنِ بِقِرَاءَتِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ ذَكَرَهُ وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ نَسِيَهُ “، ومن كرامة الله تعالى على هذه الأمة أن من عقد العزم على حفظ القرآن وعمل لذلك ومات ولم يُتم حفظ القرآن، أو لم يستطع رغم كثرة المحاولة إما بسبب عجمة أو كبر سن أو أمية أو غير ّلك فالله سبحانه وتعالى يبعثه مع حملة القرآن فقد رُوى   أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَظْهِرَهُ أَتَاهُ مَلَكٌ يُعَلِّمُهُ فِي قَبْرِهِ وَيَلْقَى اللَّهَ وَقَدِ اسْتَظْهَرَهُ ” وَفِي حَدِيثِ الطَّبَرَانِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ  «وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَهُوَ يَتَفَلَّتُ مِنْهُ وَلَا يَدَعْهُ فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، وَمَنْ كَانَ حَرِيصًا عَلَيْهِ وَلَا يَسْتَطِيعُهُ وَلَا يَدَعُهُ بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ أَشْرَافِ أَهْلِهِ»  .

وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْمَنْزِلَةُ الَّتِي فِي الْحَدِيثِ هِيَ مَا يَنَالُهُ الْعَبْدُ مِنَ الْكَرَامَةِ عَلَى حَسَبِ مَنْزِلَتِهِ فِي الْحِفْظِ وَالتِّلَاوَةِ لَا غَيْرَ، وَذَلِكَ لِمَا عَرِفْنَا مِنْ أَصْلِ الدِّينِ أَنَّ الْعَامِلَ بِكِتَابِ اللَّهِ الْمُتَدَبِّرَ لَهُ أَفْضَلُ مِنَ الْحَافِظِ وَالتَّالِي لَهُ إِذَا لَمْ يَنَلْ شَأْنَهُ فِي الْعَمَلِ وَالتَّدَبُّرِ، وَقَدْ كَانَ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ هُوَ أَحْفَظُ مِنْ الصِّدِّيقِ وَأَكْثَرُ تِلَاوَةً مِنْهُ وَكَانَ هُوَ أَفْضَلَهُمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِسَبْقِهِ عَلَيْهِمْ فِي الْعِلْمِ بِاللَّهِ وَبِكِتَابِهِ وَتَدَبُّرِهِ لَهُ وَعَمَلِهِ بِهِ، وَإِنْ ذَهَبْنَا إِلَى الثَّانِي وَهُوَ أَحَقُّ الْوَجْهَيْنِ وَأَتَمُّهُمَا فَالْمُرَادُ مِنَ الدَّرَجَاتِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا بِالْآيَاتِ سَائِرُهَا وَحِينَئِذٍ تُقَدَّرُ التِّلَاوَةُ فِي الْقِيَامَةِ عَلَى قَدْرِ الْعَمَلِ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَتْلُوَ آيَةً إِلَّا وَقَدْ أَقَامَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهَا، وَاسْتِكْمَالُ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ لِلنَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ثُمَّ لِلْأُمَّةِ بَعْدَهُ عَلَى مَرَاتِبِهِمْ وَمَنَازِلِهِمْ فِي الدِّينِ وَمَعْرِفَةِ الْيَقِينِ، فَكُلٌّ مِنْهُمْ يَقْرَأُ عَلَى مِقْدَارِ مُلَازَمَتِهِ إِيَّاهُ تَدَبُّرًا وَعَمَلًا . وَقَدْ قَالَ اللَّهُ – تَعَالَى – {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}[9]  فَمُجَرَّدُ التِّلَاوَةِ وَالْحِفْظِ لَا يُعْتَبَرُ اعْتِبَارًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْمَرَاتِبُ الْعَلِيَّةُ فِي الْجَنَّةِ الْعَالِيَةِ .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – زينه

[2] – سنن الترمذي 5/ 178  ، ورُوي عن أبي هريرة أيضا موقوفا . قال الترمذي  عن الجديث الموقوف :  “وهَذَا أَصَحُّ عِنْدَنَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ شُعْبَةَ” , ورواه الدارمي الدارمي بسند حسن4/2087  , ورواه الحاكم في المستدرك 1/ 738  وقال عنه : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ ( البخاري ومسلم ) . ورواه الامام البيهقي في شعب الايمان موقوفا ينظر 3/ 379 .

3 – هو المسيب بن رافع الأسدي الكاهلي، أبو العلاء الكوفي، الأعمى، ، وكانت وفاته سنة خمس ومائة، وهو ثقة روى له الجماعة كما في “التقريب” (ص532 رقم 6675) ، فقد وثقه ابن معين والعجلي، وذكره ابن حبان في “الثقات” , انظر: “الجرح والتعديل” (8 / 293 رقم 1348) ، و”الثقات” (5 / 437) ، و”التهذيب” (10 / 153 رقم 291) .

[3] – أي: خصم مجادل. / النهاية في غريب الحديث (4 / 303) .

[4] – يتعب بي ، والمقصود به التعب الذي يطرأ على قارئ القرآن خاصة إذا أكثر القراءة

[5] – التفسير من سنن سعيد بن منصور1/ 65    .ينظر أيضا  مصنف ابن أبي شيبة 6/ 130 . سنده ضعيف، وقد صحّ معناه عن أبي هريرة رضي الله عنه .

[6] – أَرضٌ واسعةٌ فِيهَا نَبْتٌ كَثيرٌ تَمْرُجُ فِيهَا الدَّوابُّ.

[7] – المعجم الكبير للطبراني 20/ 72

[8] – شعب الايمان للبيهقي 3/ 380 .

[9] – [ص: 29]

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: