ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة

قُتِل طفل من بني إسرائيل ولم يُعرف قاتله، فطلب منهم موسى أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ففعلوا، فأحياه الله تعالى، فأخبرهم بمن قتله ثم مات، والآية موضوع الدراسة أتت بعد هذه القصة ليتعظ بها اليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أولا ويتعظ بها كل مؤمن إلى قيام الساعة ثانيا.

لوحة من إبداع الفنان صهيب أعظم

قال الحق سبحانه:﴿ثم قست قلوبكم﴾: ثم قست قلوب كفار بني إسرائيل كلهم أو قلوب أبناء أخي المقتول، ومعنى قست: جفت وغلظت.﴿من بعد ذلك﴾، من بعد أن أحيا المقتول لهم الذي –ادارءوافي قتله، فأخبرهم بقاتله، وبالسبب الذي من أجله قتل.

فعن ابن عباس قال: لما ضرب المقتول ببعض البقرة جلس حيا، فقيل له: من قتلك؟ فقال: بنو أخي قتلوني. ثم قُبض. فقال بنو أخيه حين قبض: والله ما قتلناه! فكذبوا بالحق بعد إذ رأوه، فقال الله تعالى: ﴿ثم قست قلوبكم من بعد ذلك﴾. فأخبر تعالى أن قلوبهم بسبب طول الأمد صارت كالحجارة قسوة، وبعضها أشد قسوة من الحجارة.

قال السمرقندي: “فتأويل القسوة في القلب ذهاب اللين والرحمة والخشوع”. وقال أيضا: ويبس القلب أن ييبس عن ماءين أحدهما: ماء خشية الله والثاني: ماء شفقة الخلق.وقيل قسوتها بمعنى: خلوها من الإنابة والإذعان لآيات الله تعالى.

وقال الإمام القشيري في تدبره لهذه الآية:فحين لم تساعدهم العناية ولم يخلق الله (لهم) الهداية، لم تزدهم كثرة الآيات إلا قسوة.

والذي نستفيده نحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم من هذه الآية هو الابتعاد عن منافذ قسوة القلب والبحث عن علاج لها دائما.

روى الترمِذِي عن عبدِ اللهِ بنِ عمر قال:قال رسول اللهِ صلى الله عليهِ وسلم: “لا تكثِروا الكلام بِغيرِ ذِكرِ اللهِ فإِن كثرة الكلامِ بِغيرِ ذِكرِ اللهِ قسوةٌ لِلقلبِ وإِن أبعد الناسِ مِن اللهِ القلب القاسِي[1].

لما أخبر الله تعالى عن قسوة قلوب بني إسرائيلوهي قلوب لا تلِين أبدًانهى المؤمِنِين عن مِثلِ حالِهِم، فقال: ﴿ألم يأنِ لِلذِين آمنوا أن تخشع قلوبهم لِذِكرِ اللهِ وما نزل مِن الحق ولا يكونوا كالذِين أوتوا الكِتاب مِن قبل فطال عليهِم الأمد فقست قلوبهم وكثِيرٌ مِنهم فاسِقون﴾. فأرشدهم إلى ذكر الله تعالى فهو غداء للقلوب وعلاج لها من قسوتها خاصة إذا اقترن مع الذكر صحبة صالحة وصدق وإرادة قوية من المسلم على الاستقامة.

قال ابن عجيبة عن علامات القلب القاسي وعن العلاج لداء القسوة:”وللقلب القاسي علامات: منها جمود العين، وطول الأمل، وعدم الحزن على ما فاته من الطاعات وما صدر منه من السيئات، وعدم الفرح بما يصدر منه من الطاعات، فإن المؤمن تسره حسناته وتسيئه سيئاته، ودواؤه: صحبة الفقراء الذاكرين الخاشعين، والجلوس بين يدي العارفين الكاملين، وتعاهد الصيام، والصلاة بالليل والناس نيام، والتضرع إلى الحي القيوم الذي لا ينام”[2].


[1]– سنن الترمذي، أبواب الزهد، رقم: 2411. الحديث ضعفه الألباني. وقال عنه المنذري: رواه الترمذي والبيهقي وقال الترمذي: حديث حسن غريب.ومعناه صحيح فإن القلب القاسي لا يرحم، ومن لا يرحم لا يرحم، فهو بعيد من الله تعالى بسبب قسوته على خلق الله.

[2]– البحر المديد في تفسير القرآن المجيد، ابن عجيبة، 1/ 121.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: