تحول القاموس السياسي والتغيُّر الاجتماعي

يتسم المعجم القرآني بالشهادة التاريخية على خاصية التغير اللغوي الناتجة عن تحول حدث في المجتمع. أو ما يعني “أن التغير الاجتماعي، في بيئة من البيئات، يتبعه تغير في شيء من اللغة المستعملة في تلك البيئة”[1]، بتعبير رمضان عبد التواب.

ففي حالةِ الدولة التي تعد شكلا من أشكال التنظيم الاجتماعي، يؤدي التحول في الممارسة السياسية لديها إلى تحول في معجمها، بحيث يظهر قاموسٌ سياسي جديد، ويختفي آخر، وفي التاريخ السياسي العربي والإسلامي المثال الواضح لظهور مفردات سياسية واختفاء أخرى، بفعل التحولات التي يعرفها المجتمع.

وسأحيل هنا على معجم ألقاب السياسيين في التاريخ العربي والإسلامي، لفؤاد صالح السيد الذي خصصه لتتبع ألقاب السياسيين على اختلاف المراحل الزمنية والأمكنة الجغرافية، بدءا بالعصر الجاهلي وانتهاء بالقرن العشرين. وقد أحصى المؤلف في هذا القاموس ثمانية وتسعين وستمائة وألف لقب لسياسيين وحكام وزعماء عرب ومسلمين، تبعا لاختلاف العصور، وتباين طبيعة المجتمع الذي ظهروا فيه. ومن هذه الألقاب: الخلفاء، والسلاطين، والملوك، والأباطرة، والشاهات، والأقيال، والدايات، والبايات، والرؤساء، ورجال الدولة والوزراء، وغيرهم[2]

وبإطلالة سريعة على معجم الخطاب القرآني نجده قد رصد، في بعض مفرداته، خاصية التغير اللغوي الناجمة عن تحول حَدَثَ في المجتمع. ونضرب لذلك نموذجا بلفظَيْ المَلِك وفِرْعَوْن حين تردَّدا في القرآن الكريم في سياق مجتمع واحد هو المجتمع المصري. وعند التأمل يجد الناظر أن التباين في إطلاقهما، كما نقل الوحي الكريم، يتأسس على تحول خضع له المجتمع المصري القديم.

وعلى هذا الصعيد، ورد في القرآن الكريم لفظ الملك في سياق قصة يوسف عليه السلام، في قوله تعالى: “وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي.”[3] وقوله تعالى: “قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ[4]، في حين رُصدت مفردة فرعون في ثنايا قصة موسى عليه السلام: “وقَالَ المَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأرْضِ.”[5]، وقوله سبحانه: “وَقَاَل مُوسَى رَبَّنَا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَونَ وَمَلَأهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.”[6]

وغَنِيٌّ عن البيان، أن نبوة يوسف عليه السلام، سبقت نبوة موسى عليه السلام في الظهور على أرض الكِنَانَة، و”أن حكام مصر القديمة كانوا يُسمَّون الفراعنة، وبعد أن اكتُشفَ حَجَر رشيد، وتم فك ألغاز اللغة الهيروغليفية، عرفنا أن حُكْمَ الفراعنة قد اختفى لفترة، حين استعمر مصر ملوك الرعاة، وهم الذين يسمون الهِكسوس. وكانت هذه الفترة التي ظهر فيها يوسف(عليه السلام)… فلما استرجع الفراعنة حكم مصر طَرَدُوا الهكسوس.”[7] ولذلك سَمَّى القرآن الكريم الحاكم في زمن بعثة يوسف عليه السلام “ملكا ولم يسمه فرعون، لأن هذا الملك لم يكن من الفراعنة.”[8]

ومهما يكن من أمر هذه المعلومات التاريخية التي ذكرها بعض المؤرخين، وترددت أصداؤها في بعض التفاسير، يتبين أن القرآن الكريم ميَّز بين مفردتين أو مصطلحين سياسيين مختلفين، كل واحد منهما أُطْلِق في عهدٍ من تاريخ المجتمع المصري: عهد حَكَمَ فيه الفراعنة، وآخر تولى فيه عرش الحكم ملوك الهِكسوس[9]. وفي كل الأحوال فإن خاصية التغير اللغوي المعجمي هنا، حاصلة من لفظة “ملك” إلى لفظة “فرعون” في المعجم السياسي التاريخي المصري القديم.

وغني عن الذكر، أن ما يحدث من تحول أو تغير لغوي في المجتمعات له أسباب عديدة، كتأثير لغة في أخرى، واحتكاك الثقافات فيما بينها، والاستعمار الذي له “من القوة والنفاذ على معظم الظواهر اللسانية ما لا يمكن أن نقدره حق قدره (…) ينقل بعض التراكيب الخاصة إلى أوساط وبيئات مختلفة مما يؤدي إلى إحداث تغييرات في هذه التراكيب.”[10].. ولا يغيب عن الباحث في التاريخ القديم لأرض الكِنَانَة أن قوم الهكسوس “غزوا مصر في القرن السابع قبل الميلاد، وظلوا فيها نحو مائة عام.”[11]

الخلاصة أن بعض مفردات اللغة تحتاج قرائن سياقية اجتماعية لوضع اليد فيها على مدلول الخطاب، مثلما رأينا من تمييز في المعجم القرآني بين نظامين اجتماعيين، ساد فيهما قاموسان سياسيان من مفردات القاموس الأول لفظ “الملك”، ومن مفردات القاموس الثاني كلمة “فرعون”. وفي تقديري إنه من المهم جدا أخذ مثل هذه التغيُّرات اللغوية بعين الاعتبار حينما يحلل القاموس اللغوي في هذا المتن أو ذاك.

—————————————–

[1]  – رمضان عبد التواب، المدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث اللغوي، مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الثالثة 1997، ص. 131.

[2]  – فؤاد صالح السيد، معجم ألقاب السياسيين في التاريخ العربي والإسلامي، مكتبة حسن العصرية، بيروت، 2011.

[3] – يوسف، الآية 54.

[4] – يوسف، الآية 72.

[5] – الأعراف، الآية 127.

[6] – يونس، الآية 88.

[7] – – محمد متولي الشعراوي، تفسير الشعراوي، المجلد الحادي عشر، دار أخبار اليوم، 1991، ص. 6967- 6968.

[8] – – محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، الجزء الثاني عشر، الدار التونسية للنشر، تونس 1984، ص. 280

[9] – يُنظر في هذا الصدد بحث قيم في الموضوع على (النت) لفيصل بن علي الكرملي بعنوان: قال فرعون وقال الملك.

[10] – فيرديناند دي سوسير، محاضرات في علم اللغة العام، ترجمة عبد القادر قنيني، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2008، ص. 37.

[11] – كارلو ريو ردا، التاريخ المصور لتاريخ مصر القديمة، ترجمة محمد عبد المجيد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط. 1، 2009، ص.10.

اظهر المزيد

د.عبد الغني العجان

باحث في اللغة والأدب، المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: