الهجرة حقيقتها وأبعادها

مقدمة
قال أبو يعلى الزواوي رحمه الله: (قد علمت وفقنا الله وإياكم أن السلف يحفلون للهجرة ولا يحتفلون بها… وأما الاحتفال بالهجرة لم يجر إلا في عهدنا هذا وهو حسن ما لم يعتريه ما اعترى الموالد في مصر كما علمتم، وليقتصر على التنويه بالهجرة إجمالاً وتفصيلاً) .
قبل أن نتحدث عن الهجرة النبوية ومعاني الهجرة، نبدأ أولا بالتاريخ لهذا الحدث العظيم، والحكمة من اتخاذه تاريخا للمسلين إلى قيام الساعة.
ما يزال التقويم يثير اهتمامات الناس وانشغالاتهم، لاتصاله بحياتهم اليومية العامة والخاصة، والتقاويم أنواع عديدة، ولكثير من الأمم تقويمها الخاص بها، سواء كان شمسيا أو قمريا أو خليطا بينهما، أو ربما قمريا نجميا، أي طبقا لمنازل القمر، وحيث اختلفت الأمم في كيفية حساب السنين، فإن التاريخ يختلف باختلاف التقويم، والتواريخ المشهورة في العالم خمسة: التاريخ العربي، والتاريخ الميلادي، والتاريخ الفلاحي، والتاريخ القبطي، والتاريخ العبري.
1 – تعريف التاريخ لغة واصطلاحا:
أ – التاريخ لغة: هو تعريف الوقت، نقول: أرّخ الكتاب ليوم كذا: وقّته.
ب – التاريخ اصطلاحا: هو تحديد وقت الحادث ونحوه، وضبط المدة الزمنية بينه وبين حدث آخر.
2 – منشأ التاريخ العربي:
كان العرب في الجزيرة العربية يتبعون الحساب القمري، ويعتمدون في ذلك على الرؤية البصرية للهلال، ولم يعتمدوا تقويما خاصا بهم على الأرجح، رغم اعتمادهم السنة القمرية، وتقسيمها إلى اثني عشر شهرا، وتسميتها بأسماء مختلفة، وإنما اعتمدوا في تأريخهم لأحداث حياتهم على حوادث تاريخية مشهورة، مثل: عام الفيل، وحرب الفِجار، وإعادة بناء الكعبة،… وبعد مجيء الإسلام بقي العرب عموما والمسلمون خصوصا فترة من الزمن على ما كانوا عليه من قبل، يؤرخون بالأحداث الهامة، واستمر ذلك حتى بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، حيث لم تعط السنوات تواريخ رقمية تدل عليها، وإنما أعطيت أسماء تدل على أشهر الحوادث التي وقعت بها، ففي السنوات العشر التالية للهجرة مثلا وحتى وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم أخذت الأسماء التالية: فالسنة الأولى عرفت بسنة الإذن، أي الإذن بالهجرة، والسنة الثانية بسنة الأمر، أي الأمر بالقتال،… والسنة التاسعة بسنة البراءة، أي براءة الله ورسوله من المشركين، ومنعهم من الاقتراب من المسجد الحرام، والسنة العاشرة عرفت بسنة الوداع، وفيها حج الرسول صلى الله عليه وسلم حجة الوداع . وبقي هذا طيلة خلافة أبي بكر رضي الله عنه، ولما جاءت خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ارتأى حاجةَ المسلمين إلى تقويم خاص بهم، وبعد مشاورات مع وجوه الصحابة، اتفقت الكلمة على أن يُتخذ من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة مبدءا للتقويم، وكان ذلك في السنة السابعة عشرة للهجرة.
3 –  الحكمة من اختيار التاريخ بالهجرة النبوية:
اختار الخليفة عمر رضي الله عنه بعد المشاورة، الهجرة كبداية للتاريخ الإسلامي، بدل من ولادة الرسول صلى الله عليه وسلم، أو وفاته، للاعتبارات التالية:
أ – لأنها محققة بينهم، ولا خلاف حولها.
ب – لأنها الحدث الذي حوّل مجرى التاريخ البشري بميلاد الدولة الإسلامية.
ج – لأنها فرّقت بين الحق والباطل.
 4  شهر محرم والهجرة، أية علاقة؟
من المعلوم أن الهجرة النبوية بدأت في أواخر أيام شهر صفر، ووصل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في 12 من ربيع الأول، إلا أنه اتُّفق على أن يتخذ أول شهر محرم من السنة التي هاجر فيها الرسول صلى الله عليه وسلم مبدءا للتاريخ الإسلامي، رغم أن الهجرة تأخرت عنه بنحو 67 يوما، لأن شهر المحرم أول الأشهر الحرم الأربعة في السنة القمرية، وأنه أول الشهور في العد، ولأن المحرم هو أول شهر يأتي بعد موسم الحج.
تعريف الهجرة لغة واصطلاحا
1 – الهجرة لغة: اسمٌ من هجر يهجُر هَجْرا وهِجرانا . قال ابن فارس: “الهاء والجيم والراء أصلان، يدل أحدهما على قطيعة وقطع، والآخر على شد شيء وربطه. فالأول الهَجْر: ضد الوصل، وكذلك الهِجْران، وهاجر القوم من دار إلى دار: تركوا الأولى للثانية، كما فعل المهاجرون حين هاجروا من مكة إلى المدينة” . ولم يذكر للأصل الثاني مثالاً.
وضبط ابن منظور أيضاً التي بمعنى الخروج من أرض إلى أرض بضم الهاء: الهُجْرة . ويكون الهجر بالقلب واللسان والبدن : فمن الهجر بالبدن قوله تعالى: (وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ) . ومن الهجر باللسان، قول عائشة رضي الله عنها لما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت علي غضبى، أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين: لا ورب محمد، وإذا كنت غضبى قلت: لا ورب إبراهيم، قالت: أجل، والله يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك) . وفي هذا الحديث فضل عائشة رضي الله عنها حيث إنها أخبرت مقسمة أنها في حالة الغضب الذي يسلب العاقل اختياره لا تتغير عن المحبة المستقرة في قلبها للنبي صلى الله عليه وسلم، فلا يترك قلبها التعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم مودة ومحبة، ثم من فطنتها رضي الله عنها أنها لما لم يكن لها بد من هجر اسمه الشريف أبدلته بمن هو صلى الله عليه وسلم أولى الناس به وهو إبراهيم عليه السلام حتى لا تخرج عن دائرة التعلق في الجملة .
ومن الهجر بالقلب ما جاء في حديث: (من الناس من لا يذكر الله إلا مهاجراً)، قال ابن الأثير نقلاً عن الهِروي: “يريد هِجران القلب وترك الإخلاص في الذكر، فكأنّ قلبه مهاجر للسانه غير مواصل له” . وقد تجتمع هذه الوجوه كلها أو بعضها في بعض أنواع الهجر.
ويمكن القول: إنّ الهجرة في اللغة لم تقتصر على معنىً واحد، وإنما تشتمل على عدّة معانٍ؛ فالهجرة بمعنى:
1 – المفارقة والقطع، وهي عكس الوَصْل.
2 – وتعني مفارقة الشخص لغيره باللسان أو القلب أو البدن.
وقد كان أصل الهجرة عند العرب في خروج البدو من البادية مُتّجهين نحو المُدن بحثاً عن الرزق .
2 – الهجرة شرعاً:
عرّفها غير واحد بأنها ترك دار الكفر والخروج منها إلى دار الإسلام . وأعم منه ما قاله الحافظ ابن حجر: “الهجرة في الشرع ترك ما نهى الله عنه ، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (المهاجر من هجر ما نهى الله عنه) ، وهي تشمل الهجرة الباطنة والهجرة الظاهرة، فأما الهجرة الباطنة فهي ترك ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء، وما يزيّنه الشيطان، وأما الظاهرة فهي الفرار بالدين من الفتن ، والأولى أصل للثانية.
ولما كانت الثانية أعظم أمارات الأولى وأكمل نتائجها خص بعض العلماء التعريف بها كما تقدم. ثم لما كانت هجرته صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة أشرف الهجرات وأشهرها انصرف اللفظ عند الإطلاق إليها. وأما لفظ الهجرتين، فهو عند الإطلاق يراد به الهجرة إلى الحبشة والهجرة إلى المدينة .
فعندما يُقصَد بمصطلح الهجرة هجرة الرسول – عليه الصلاة والسلام- من مكة إلى المدينة، فعندئذٍ يُطلَق عليها الهجرة الخاصة، وهي انتقال الرسول -عليه الصلاة والسلام- والمؤمنين من دار الكفر وهي مكة إلى دار الإسلام وهي المدينة إلى أن تم فتح مكة، وبالتطرق إلى مفهوم الهجرة باعتبارها مادية ومعنوية، فيجدر ذكر أن من اتجه إلى تعريفها أسماها الهجرة العامة، وهي تعبّر عن ترك كل ما نهى الله – سبحانه وتعالى- عنه وهجره، وهي مشتملة على الهجرة الباطنة التي تعني هجر كلّ ما تدعو إليه النفس الأمّارة بالسوء، والهجرة الظاهرة هي هجر كلّ الفتن والتمسك بالدين، وتُعدّ الهجرة الباطنة أصلاً للهجرة الظاهرة، أمّا تعريف الهجرة في الاصطلاح الشرعي بأخذ الدلالة اللغوية بعين الاعتبار؛ فهي تعني الانتقال من أرضٍ إلى أخرى لتحقيق أهدافٍ معينة للمهاجرين، وقد عمد الاصطلاحيون إلى نقل التعريف اللغوي ليصبح اصطلاحياً، ولكن دون تعميم أو تقييد، وبذلك يتفق تعريف الهجرة مع المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي السكاني.
5- المهاجرون الأوائل إلى الله:
1 – هجرة إبراهيم عليه السلام
ما أعظمها من كلمات قالها نبي الله أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام: ﴿ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ ، كلمات من نور بيَّنت في إيجاز واف أن الهجرة الحقيقية إنما تكون إلى الله.
2 – هجرة لوط عليه السلام
نبي الله لوط عليه السلام أول من صدّق إبراهيم عليه السلام، حينما رأى النار عليه بردًا وسلامًا، قال ابن إسحاق: آمن لوط بإبراهيم وكان ابن أخته، وآمنت به سارة وكانت بنت عمه، واختلف المفسرون في من قال: ﴿ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي ﴾ أهو إبراهيم أم لوط، فقال النخعي وقتادة: إنه إبراهيم عليه السلام، وقال الكلبي: إبراهيم أول من هاجر من أرض الكفر، هاجر من أرض حران إلى أرض فلسطين، وقيل الذي قال: ﴿ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ هو لوط عليه السلام.
3- هجرة عثمان بن عفان رضي الله عنه وزوجته رقية رضي الله عنها.
عثمان بن عفان رضي الله عنه أول من هاجر بأهله بعد لوط عليه السلام، ذكر البيهقي عن قتادة قال: أول من هاجر إلى الله عز وجل بأهله عثمان بن عفان رضي الله عنه؛ قال قتادة: سمعت النضر بن أنس يقول: سمعت أبا حمزة يعني أنس بن مالك يقول: خرج عثمان بن عفان ومعه رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة، فأبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهم، فقدمت امرأة من قريش: رأيت ختنك ومعه امرأته، قال: (على أي حال رأيتهما)، قالت: رأيته وقد حمل امرأته على حمار وهو يسوقه، فقال صلى الله عليه وسلم: (صحبهما الله؛ إن عثمان لأول من هاجر بأهله بعد لوط).
المهاجر في القرآن:
المهاجر في القرآن: هو من هاجر إلى الله، وقد ذكرت الكلمة بصيغة المفرد والجمع، لتشير إلى: المفرد المذكر، وجمع المؤنث السالم، وجمع المذكر السالم، وصيغة الفعل الماضي (هاجر)، وصيغة الفعل الماضي (هاجروا). وبهذا ندرك دور المرأة الفعال في المجتمع المسلم، ومشاركتها في الهجرة.
6- أنواع الهجرة:
يمكن تقسيم الهجرة إلى نوعين اثنين:
1 – الهجرة المعنوية:
وهي الهجرة من الكون إلى المكون، ومن الكفر إلى الإسلام، ومن البدعة إلى السنة، ومن المعصية إلى الطاعة،ومن الفردانية إلى الصحبة والجماعة،… وهذا هو مقتضى الهجرة إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، لأن الهجرة إلى الله تعالى تكون بالإيمان به وتوحيده وإفراده بالعبادة خوفاً ورجاءً وحباً، وأن يجتنب الشرك صغيره وكبيره، وأن يجتنب المعاصي والكبائر، وأن يكثر من الاستغفار والتوبة، لتجديد الهجرة كلما وقع فيما يُضعف مسيرتها، ولذلك كان مفتاح النجاة هو التوحيد والاستغفار. والهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تكون باتباع سنته وتحكيمها والتحاكم إليها وتقديمها على جميع الأهواء والآراء والأذواق، ونبذ البدع والمحدثات التي ليس عليها أمر الإسلام.
2 – الهجرة الحسية:
أ‌- الهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة: وهذه أشرف الهجرات وأفضلها على الإطلاق.
ب‌- الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام: وهذه يختلف حكمها باختلاف الظروف والأوضاع.
ج‌ – هجرة أهل الذنوب والمعاصي، وهجرة أهل الأهواء والبدع: بمفارقتهم ومقاطعتهم ومباعدتهم زجراً لهم أو حِمية منهم أو لهما معاً.
د- الهجرة إلى الشام في آخر الزمان: عند ظهور الفتن، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها، تلفظهم أرضوهم، تقذرهم نفس الله، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير) .
الهجرة غير المنقطعة
صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في غير ما حديث أن الهجرة انقطعت بفتح مكة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: (لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا) . كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها) . وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الهجرة لا تنقطع ما كان الجهاد) ، وللعلماء في الجمع بين هذه الأحاديث المذكورة والتي لم نذكر، والتوفيق بينها مسالك:
المسلك الأول: أن الهجرة التي انقطعت هي الهجرة من مكة إلى المدينة، وأن الهجرة الباقية هي هجر السوء وتركه في أي موضع كان، وبهذا قال أبو جعفر الطحاوي ، واستدل بحديث فديك أنه قال: يا رسول الله إنهم يزعمون أنه من لم يهاجر هلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا فديك أقم الصلاة، وآت الزكاة، واهجر السوء، واسكن من أرض قومك حيث شئت تكن مهاجراً) .
المسلك الثاني: أن الهجرة المنقطعة هي الفرض، والباقية هي الندب، وبذلك قال الخطابي .
المسلك الثالث: أن الهجرة المنقطعة هي الهجرة من مكة إلى المدينة، أو الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان لنصرته والجهاد معه، وأما الهجرة الباقية فهي الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، وهذه يختلف حكمها باختلاف الظروف والأحوال، وقد قال بهذا الجمع، جمع من العلماء. قال البغوي رحمه الله: “الأولى أن يجمع بينهما من وجه آخر، وهو أن قوله: “لا هجرة بعد الفتح”، أراد به من مكة إلى المدينة، وقوله: “لا تنقطع الهجرة”، أراد بها هجرة من أسلم في دار الكفر، عليه أن يفارق تلك الديار، ويخرج من بينهم إلى دار الإسلام. قال النووي رحمه الله: “قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام باقية إلى يوم القيامة، وتأولوا هذا الحديث – أي حديث: (لا هجرة بعد الفتح) – تأولين:
أحدهما: لا هجرة بعد الفتح من مكة لأنها صارت دار إسلام، فلا تتصور منها الهجرة.
الثاني: وهو الأصح، أن معناه أن الهجرة الفاضلة المهمة المطلوبة التي يمتاز بها أهلها امتيازاً ظاهراً انقطعت بفتح مكة ومضت لأهلها الذين هاجروا قبل فتح مكة، لأن الإسلام قوي وعز بعد فتح مكة عزاً ظاهراً بخلاف ما قبله” .
وقال ابن العربي رحمه الله: “الهجرة هي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام وكانت فرضاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم واستمرت بعده لمن خاف على نفسه، والتي انقطعت أصلاً هي القصد إلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان” .
وقال ابن حجر رحمه الله: “..(لا هجرة بعد الفتح) أي: فتح مكة، أو المراد ما هو أعم من ذلك إشارة إلى أن حكم غير مكة في ذلك حكمها، فلا تجب الهجرة من بلد فتحه المسلمون، أما قبل فتح البلد فمن به من المسلمين أحد ثلاثة:
الأول: قادر على الهجرة منها لا يمكنه إظهار دينه ولا أداء واجباته، فالهجرة منه واجبة.
الثاني: قادر لكنه يمكنه إظهار دينه وأداء واجباته فمستحبة لتكثير المسلمين بها ومعونتهم وجهاد الكفار والأمن من غدرهم والراحة من رؤية المنكر بينهم.
الثالث: عاجز بعذر من أسر أو مرض أو غيره فتجوز له الإقامة، فإن حمل على نفسه وتكلف الخروج منها أجر” .
ونحن نحفل بالهجرة بدل الاقتصار على الاحتفال، ينبغي استقراء النصوص التي موضوعها الهجرة لنقف على معانيها وحقيقتها وأبعادها، ونجعلها عبرة نعتبر بها في يومنا وإن بعدت الشقة بيننا وبين الجيل القرآني الفريد من المهاجرين، باعتبار أن الهجرة ليست حركة تاريخية انتهت، ولكن الهجرة معناها عام ومستمر، وصالح لأن يطبق في كل مكان وزمان. إذ أن معاني القرآن غير متناهية. فهم رضي اه ب وإن كانوا قد فازوا بفضل الطليعة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( باب الفضل الطليعة) ، وبالسبق للهجرة، فنحن لهم تابعين بإحسان وصدق في هجرة الدنيا وما فيها من أمور صارفة لنا عن قطع ما بيننا وبين ماض مظلم مليء بالسيئات والآثام، وإن كان هذا الماضي قصيرا جدا لا يتعدى ثوان مرت، نكون قد أخطأنا فيها في حق الله ورسوله صلى اه م عليه وسلم، وحق عباده. وهجرة عالم اعتقدنا في أنفسنا أننا أحرارا نفعل ما نشاء، وكيف ما نشاء إلى عالم يحضننا بدفء تعاليمه وإرشاداته وأوامره ونواهيه في ظل الصحبة والجماعة. من عالم الغفلة إلى إقامة وطن جديد للنفس، وبذل الجهد في تحصينه ورفع شأنه. إقلاع من قاعدة الخطايا واقتحام لهوى النفس، وتحليق في فضاء الرحمات الإلهية وحط في حمى الله شرعه. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الهجرة خصلتان إحداهما أن تهجر السيئات والأخرى أن تهاجر إلى الله ورسوله، ولا تنقطع الهجرة ما تقبلت التوبة، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه وكفي الناس العمل) ، فالهجرة باقية ما بقي باب التوبة مفتوحا في وجه الفرد ما لم يغرغر، وفي وجه المجموع ما لم تظهر العلامات الكبرى لقيام الساعة، من طلوع الشمس من مغربها، حيث يختم الله على القلوب بما فيها من خير أو شر، فلا ينفع بعد ذلك ندم ولا عمل. فالهجرة استغفار وتوبة ودعوة لتوبة، ورحلة مع التائبين والتائبات لنصرة دين الله وإقامة شرعه في الأرض. يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه اهمل: (فالمؤمن اليوم مطالب بأن يبرهن عن هجرته إلى الله ورسوله، بقطع حبل الجاهلية ما استطاع منها في كل مرحلة من مراحل الجهاد، ومطالب بأن يبرهن عن نصرته بالتعبير العملي عن فضائل الأنصار المذكورة في الآية الكريمة) ، فالمؤمن اليوم مهاجر ونصير إن صدق في إيمانه.
7– الهجرة في التصور المنهاجي:
من المصطلحات المنهاجية التي يزخر بها التصور المنهاجي والتي هي بمثابة مفاتيح ضرورية لفهم معانيه واستيعاب مضامينه واكتشاف أسراره، مصطلح الهجرة. وقد أولاه الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله أهمية كبيرة في مشروعه المجتمعي في جميع جوانبه التربوية والتنظيمية والحركية الجهادية. أهمية كبيرة باعتباره أولا حركة نبوية تمّت في الزمان والمكان خلدها التاريخ لما أحدثته فيه من تغيير للواقع وبناء للأمة، وباعتباره ثانيا من الشروط الضرورية المطلوبة توفرها عند أي حديث عن تنظيم جماعي يرشح نفسه لإعادة البناء على مستوى التجديد، ولإحداث التغيير من جديد. ذلك أن معاني الهجرة تتجدد عبر التاريخ فيتجدد بتجددها الإيمان في القلوب والدين في الأمة. ففي عصرنا الحالي دار الإسلام واسعة وممتدة عبر أقطار متفرقة ومجزأة، وطبيعة وسائل العصر وطرق المواجهة مختلفة كثيرا عن التي كانت زمن النبوة، في هذه الحالة لم تعد الهجرة تتطلب نقلة أو حركة من مكان إلى مكان بعينه. بل تتطلب على مستوى التجديد فهما منهاجيا يناسب مستجدات العصر ومتغيراته، فهي تحافظ على معانيها الإيمانية، وفي نفس الوقت تؤدي دورها كاملا في تغيير الواقع وبناء الأمة. هذا الفهم المنهاجي لقضية الهجرة في عصرنا الحالي يمكن تلخيصه في النقاط التالية:
أولا: لا نظن أن الهجرة معنى قام بجماعة الصحابة ثم ذهب، كلا! فإن معاني القرآن الكريم خالدة، فعلينا أن نبحث عن مناط حكم الهجرة في واقعنا الفتنوي، فإذا حددنا من هو المهاجر، وما هي الهجرة والجهاد، اتضح لنا كيف ننزل تلك الأحكام على مجتمعاتنا وفئات الناس فيها. فما انقطعت الهجرة وما ينبغي لها. والأحاديث الواردة في موضوع الهجرة تدل على أنها ماضية إلى قيام الساعة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم وأبو داوود: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها).
ثانيا: أن الهجرة في حق الفرد المؤمن معنى وسلوك واختيار، فتتجلى الهجرة في قطع الفرد لما بينه وبين ماض بعيد عن الالتزام بالجهاد.
ثالثا: أن التجمع المطلوب والاستنفار الواجب على مستوى الهجرة في حق الأمة يتم بربط المؤمنين في التنظيم القطري وإحكام تحركه عبر المكان وفي كل مكان حتى تحرير جميع الأقطار وتحقيق دولة القرآن.
لهذا ما كانت الهجرة حدثا تاريخيا فريدا انقضى، بل هي هجرة الأفراد الإيمانية الخلقية الإرادية، تتبعها هجرة كل منهم نحو إخوته، وانضمامه إليهم، وانتظامه معهم. ويتكون صف الجهاد لإعادة الخلافة على منهاج النبوة. قال تعالى: (كما بدأنا أول خلق نعيده، وعدا علينا. إنا كنا فاعلين) .
خاتمة
نقل الحافظ ابن حجر عن القاضي عياض أن العلماء اتفقوا على أن الهجرة من مكة كانت واجبة على المسلمين قبل الفتح. وأن سكنى المدينة كانت واجبة عليهم لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم ومواساته بالنفس. وهكذا يجب على المؤمنين، من كان منهم صادقا لا تنكسر عزماته أمام التهديدات والمخاوف، أن ينضم إلى إخوته لينصرهم في جهادهم ويواسيهم بنفسه (…) ومتى تم تحرير قطر كان واجبا على المؤمنين خارجه أن يخفوا لنصرة إخوتهم وإمدادهم بالكفاءات والخبرات والتأييد المادي والمعنوي. وعلى كل قطر تحرر أن يخصص جهوده لدعم الحركات القطرية الأخرى ونصرها. هكذا نتصور الهجرة والنصرة تنظيميا .

اظهر المزيد

بن سالم باهشام

أستاذ العلوم الشرعية بخنيفرة المغرب. عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. عضو رابطة علماء المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: