المقاصد الأصلية والمقاصد التابعة في الخطاب القرآني

توطئة

بعد حديثنا في المبحث الأول من “السياق المقامي” عن المناهج المعتمدة في فهم الخطاب القرآني، وعناية المفسرين بسبب النزول، كونها قرينة دالة يستعان بها – متى وجدت – في فهم الآيات، وعنايتهم أيضا بالترتيب في القرآن الكريم، والتفريق بين المكي والمدني لاستحضار الخطاب السابق في تفسير اللاحق لتعلق بعضها ببعض، ننتقل للمبحث الثاني وهو:

امتدادات السياق المقامي في القرآن الكريم

والذي سنتناول تحليله من خلال المطالب التالية:

المطلب الأول: حال الخطاب ( الشرعي)

المطلب الثاني: حال المتكلم ( الله جل جلاله)

المطلب الثالث: حال المخاطب

تمهيد:

لما كان المقصود بالخطاب دلالة السامع وإفهامه المراد منه،كان ذلك موقوفا على أمرين: بيان المتكلم، وتمكن السامع من الفهم، و كلما كان الخطاب مناسبا للسامع مراعيا لأحواله وإدراكه، منسجما مع المقام الذي قيل فيه، حاز شرف البلاغة.

يقول الإمام الشاطبي: ” إن علم المعاني والبيان الذي يعرف به إعجاز نظم القرآن فضلا عن معرفة مقاصد كلام العرب، إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال حال الخطاب، من جهة نفس الخطاب أو المخاطب( المتكلم )أو المخاطب ( المتلقي ) أو الجميع، إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالين، وبحسب مخاطبين، وبحسب غير ذلك… ولا يدل على معناها المراد إلا الأمور الخارجة، وعمدتها مقتضيات الأحوال “[1].

فمقتضيات الأحوال تتسع لتشمل:

  1. الخطاب نفسه، والمقصود هنا الخطاب الشرعي، وما يهدف إليه من مقاصد أصلية وأخرى تابعة، وما ينبني على هذه المقاصد من مراتب تتعلق بالأوامر والنواهي.
  2. المتكلم (المخاطب)، في الخطاب الشرعي خاصة، حيث المتكلم هو الله جل جلاله المعروف بصفاته وأسمائه.
  3. المخاطب ( السامع)، المتلقي الأول المتصف بعروبته وأميته وأعرافه، ثم المتلقي بعده وهو البشرية جمعاء.

لذلك سنخصص هذا الفصل للحديث عن كل منها على حدة بتفصيل أكبر.

المطلب الأول: حال الخطاب:

يتسم كل خطاب بصفات تختلف عن غيره من الخطابات بحسب أداء المتكلم ( في حالة المشافهة ) وقصده وعاداته وإرادته، والحقيقة التي يحملها المتكلم لذلك الخطاب، كل هذا يؤثر في تحديد دلالة النص. ويستدعي استجماع قدرات التفحص والتدبر عند السامع من أجل فهم الخطاب، فكلما توفر الخطاب على عناصر الوضوح و حسن الإلقاء والمشاهدة، وكلما توفر السامع على عناصر الفطنة والعلم بالمتكلم وعاداته، كلما كان أكثر حظا في فهم الخطاب والوقوف على القصد منه. لذلك قال صلى الله عليه وسلم: ( ليبلغ الشاهد منكم الغائب فإنه رب مبلغ يبلغه من هو أوعى منه)[2]، ولكون مجال دراستنا هو الخطاب الشرعي، فسنتناول قضية الخطاب الشرعي ومبدأ رعايته للمصالح، فبمعرفة هذه المصالح نعرف المساق الذي خرج عليه الخطاب.

11المقاصد الأصلية والمقاصد التابعة في الشريعة:

إن المتفهم للخطاب الشرعي عليه أن يدرك مقصود الشارع من خطابه من خلال إدراكه للمصلحة التي توخاها وأراد تحقيقها، وحينئذ يتبين له المساق الذي خرج عليه الخطاب، وبمعرفة ذلك المساق يفهم الحالات التي يشملها الخطاب والحالات التي هي خارجة عن مساقه، كما أنه بذلك الفهم يقف على معاني كثير من الصيغ الواردة في نصوص الشارع ويحملها على المعنى الذي يقتضيه المقصود[3].

فمعظم العلماء يجمعون على أن للعقل والحس دورا كبيرا في معرفة المساقات التي تخرج عليها خطابات الشارع، فبواسطة العقل والحس يمكن إدراك أوجه المصالح والمفاسد.

ويأتي القرآن ليدعم هذا الاختيار، فـ ” القرآن أتى بالتعريف بمصالح الدارين جلبا لها، والتعرف بمفاسدها دفعا لها”[4]

يقول عز من قائل:(وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ)[5].

وعلى هذا الأساس – أي جلب المصالح ودرء المفاسد – فقد لاحظ الشاطبي أن هناك مقاصد أصلية للشارع ومقاصد تابعة لها، وأيضا هناك مراتب مختلفة تتعلق بكل من الأوامر والنواهي، وهي كالآتـي:

أ- المقاصد الأصلية والمقاصد التابعة: قسم الشاطبي المقاصد الشرعية إلى مقاصد أصلية ومقاصد تابعة، وذلك باعتبار حال الخطاب في الواقع، وتنوعه بين الخطاب الذي يلائم غريزة الإنسان وجبليته، وبين الخطاب الذي يحـتاج فيه المكلف إلى وازع ومعين لتحقيقه والإذعان له.

فالمطلوب الشرعي نوعـان[6]:

1- ما لم يكن شاهد الطبع معينا عليه، بل ربما كان مقتضى الجبلة يمانعه وينازعه لأنـها مجرد تكليف، كالعبادات وسائر المعاملات المراعى فيها العدل الشرعي، وهذا الضرب، فإن الشارع قرره على مقـتضاه من التـأكيد في المـؤكدات والتخفيف في المخففات.

2- ما كان شاهد الطبع خادما له ومعينا على مقتضاه، بحيث يكون الطبع الإنساني باعثا عليه، فهذا الضرب يكـتفي الشارع في طلبه بمقتضى الجبلة الطبيعية والعادات الجارية، فلا يتأكــد الطلب تأكد غيـره، وذلك كشهوة الأكل والشرب والــوقاع….

فالأول كما ذكر الشاطبي يقتضيه محض العبودية، والثاني يقتضيه لطف المالك بالعبيد، إذ لو شاء الله لكلف بـها مع سلب الدواعي المـجبول عليها، لكنه امتن على عباده بما جعله وسيلـة إلى ما أراده من عمارة الدنيا.

على أن كلا من هذه المنهيات وأيضا الأوامر تختلف في ميزان الشرع من حيث الجزاء، وذلك بحسب ما تحققه من مصالح، وما تلحق به من مفاسد تضر الفاعل نفسه أو يتـعدى ضررها إلى غيره مع مراعاة درجة الضرر.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ” من المعلوم بالاضطرار تفاضل المأمورات، فبعضها أفضل من بعض، وبعض المنهيات شر من بعض”[7].

فالشاطبي في تقسيمه للمقاصد جعل الفيصل في ذلك كله هو حال الخطاب في الواقع، من حيث ما يحققه من مصالح لعمارة الأرض وتحقيق العبودية لله، ومرتبة هذه المصالح بين الضرورية والحاجية والتحسينية، مع الأخذ بعين الاعتبار لنوع التكليف ومشاقه على النفس أو ميله لها.

12المفسرون والمقاصد الأصلية والتابعة:

وقد تنبه المفسرون إلى هذا التنوع من المقاصد – وإن لم يعبروا عنها بنفس اللفظ- وما يتبعه من تنوع في لغة الخطاب، وذلك بحسب ما تميل إليه النفس البشرية وما تجمح عنه، وهذه بعض الأمثلــة:

المثال الأول:

قوله تعالى:( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا)[8].

تحدث أبو حيان عن تحريم الخمر والميسر فقال: ” أمر نبيه أن يخبر من سأله عنهما بأنهما قد اشتملا على إثم كبير…فكان هذا الإخبار مدعاة لتركهما، ودل ذلك على تحريمهما… وأخبر أيضا أن فيهما منافع للناس من: أخذ الأموال بالتجارة في الخمر، والقمار في الميسر، وغير ذلك لأنه ما من شيء حرام إلا فيه منفعة بوجه ما، خصوصا ماكان الطبع مائلا إليه أو كان الشخص ناشئـا عليه بالطبع”[9].

وصعوبة الامتحان من كون وجود المنفعة الآنية وكونها موافقة للطبع والهوى.

 يمكن القول إن أبا حيان نظر إلى الحكم الشرعي وما يتعلق به من جوانبه كلها،فالمنهي عنه هما الخمر والميسر، والمخاطب هم قوم في الجاهلية ألفوا الخمور والقمار ونشأوا عليها، ولاحظ درجة المفاسد المترتبة عليهما فجاءت لغة الخطاب على سبيل التحرج والتدرج إلى أن جاء التحريم وكانت نهاية علاقة المسلمين بالخمر والميسر، حيث انتصر فيها الإيمان والرشد على العادة والهوى.

المثال الثاني:

قوله تعالى:(قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَوَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۖ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[10]

يقول ابن عطية: “ومن حيث كانت المحرمات الأول لا يقع فيها عاقل قد نظر بعقله جاءت العبارة (لعلكم تعقلون)، والمحرمات الأخر شهوات وقد يقع فيها من العقلاء من لم يتذكر، وركوب الجادة الكاملة تتضمن من فعل الفضائل وتلك درجة التقـوى”

فعلة الخطاب تختلف حتى بالنسبة لنوع المحرمات والداعي لها، فالشخص قد يقع في المحرم لنقصان عقله، وآخر قد يقع فيه لغبلة شهوته وبعده عن الذكرى، فحث الأول على استعمال عقله وأمر الثاني بالتذكر والابتعاد عن الغفلة، والتقوى هي سبيل النجاة لكليهما.

المثال الثالث:

قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ )[11].

جاء في الكشاف: “….. فلما كان ذلك الوقت مظنة الذهول للبيع عن ذكر الله والمضي إلى المسجد، قيل لهم: بادروا تجارة الآخرة، واتركوا تجارة الدنيا، واسعوا إلى ذكر الله الذي لا شيء أنفع منه واربح.

وذروا البيع الذي نفعه يسير وربحه مقارب “[12]

ذكر البيع هنا من بين سائر المحرومات لأنه آنذاك هو الغالب في عرف أهل البلد والمشهور من معاملاتهم، وأيضا لتعلق النفوس ورغبتها في وافر البيع وغزير الربح، فجاء الخطاب واضحا، محددا ومؤكدا.

من خلال ما سبق من الأمثلة تتضح حصافة المفسرين وتنبههم لتغير لغة الخطاب القرآني تبعا لتغير المقاصد الشرعية بين مقاصد أصلية وأخرى تابعة. آخذا بعين الاعتبار مآل الأمر وهوى المخاطب.

على أن نتناول الفرع الثاني من حال الخطاب وهو: التمييز بين مراتب الأوامر والنواهي لفرصة قادمة بحول الله تعالى…


[1] – الموافقات ، الشاطبي ج 4 ص 146

[2] – ينظر مسند البزار ، أبو بكر أحمد العتكي بن البزار الحديث 3058 من ج 8 ص 463

[3] – ينظر نظرية السياق دراسة أصولية ، د. نجم الدين قادر ص 374

[4] – الموافقات ، الشاطبي ج 6 ص 384

[5] – سورة الأعراف الآية 157

[6] – ينظر الموافقات ، الشاطبي ج 3 ص 121 – 124 و ح 2 ص478 – 480

[7] – مجموع فتاوى ابن تيمية ، ابن تيمية ج 17 ص 61

[8] – سورة البقرة : الآية 219

[9] – البحر المحيط ، أبو حيان ج 2 ص 370

[10] – سورة الأنعام ، الآية 151

[11] – سورة الجمعة : الآية 9

[12] – الكشاف للزمخشري، ج4، ص 120.

اظهر المزيد

د. نبيلة الوزاني الثهامي

دكتورة في الدراسات الإسلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: