الله والعلم: ترجمة كتاب Dieu et la science من اللغة الفرنسية

تأليف: جون جيطون

ترجمة: محمد دحان

العنوان الأصلي: Dieu et la science

Jean Guitton

Grichka Bogdanov

Igor Bogdanov

قليل من العلم يبعد عن الله، لكن كثيرا منه يقرب إليه”

لويس باستور

مقدمة

تمخض هذا الكتاب عن سلسلة من المحادثات، وهو فضلا عن ذلك نتيجة لقاء برجل اقتضى التقليد الفلسفي أن يعتبره آخر المفكرين النصارى العظام: إنه جون جيطون.

سنجد هنا نوعا من “الفلسفة بصوت عال”كما كانت تمارس في الزمن الغابر، في ثقافات أخرى، عند الإغريق أو في العصر الوسيط. ومن الطبيعي أننا توصلنا إلى وضع تلك الأسئلة البسيطة والأساسية: ما هو أصل الكون؟ ما هو الوجود؟ هل لمفهوم العالم المادي أي معنى؟ لم هناك شيء ما بدلا من لا شيء؟

ومهما بحثنا، فلن نعدو ثلاثة سبل تهدي إلى الإجابة على هذه الأسئلة وعلى الردود المتوقعة التي ستثيرها: هذه السبل هي الدين والفلسفة ثم العلم. ولحد الآن، فإن الدين والفلسفة وحدهما حاولا، كل بطريقته الخاصة، أن يجد أجوبة للإنسان.

لكن في عالم يزداد انشغالا يوم عن يوم بالعلوم وبالأنساق الفكرية التي ولدتها، بالتكنولوجيا وما أدت إليه من طرق العيش، فقد الخطاب الفلسفي ما كان له من صدقية. الفيلسوف اليوم، مهدد بالعلوم الإنسانية، عاجز عن إنتاج نظم إيديولوجية يكون دورها على الأقل إرشاد السياسي. إنه فيما يبدو قاب قوسين أو أدنى من أن يفقد آخر خصوصياته: التفكير.

بقي أن نتحدث عن الدين. وهنا أيضا يبدو أن المعارف المستقاة من العلوم تتعارض شيئا فشيئا مع الطبيعة العميقة لليقينيات التي هي أساس المقدس: الله والعلم. كلمتان تنتميان فيما يبدو، إلى عالمين مختلفين أشد الاختلاف، بحيث لا يجرؤ أحد على التفكير والمجازفة من أجل التقريب بينهما. ومع ذلك فإن بعض العلامات المبشرة تخبرنا أن الوقت قد حان لفتح قنوات جديدة بين هذين العالمين عبر المعرفة العميقة، كما أنه قد حان أيضا للبحث فيما وراء المظاهر الإوالية للعلوم، عن بصمة تقترب من أن تكون ميتافيزيقية تدل على شيء مختلف، هو في نفس الوقت قريب وغريب، قوي وخفي، علمي وغير قابل للتفسير: بصمة تدل على الله. هذا مجال بحثنا في هذا الكتاب.

نظرا للتغيرات التي خضع لها كل من الفلسفة والدين بتأثير من الاندفاعة الهائلة للعلوم، بات من المستحيل محاولة مقاربة الحقيقة دون الرجوع إلى الآراء التي أنتجتها حديثا الفيزياء العصرية. وبالتدريج، انسقنا نحو عالم آخر، عالم غريب وخلاب، تبدّى لنا فيه أن معظم يقينياتنا حول الزمان والمكان والمادة لم تكن سوى أوهام لا يظهر لنا فيها عيب، هي من غير شك أيسر على الفهم من الحقيقة نفسها.

القارئ الذي سيصحبنا في هذا الكتاب لا يمكنه إلا أن يتساءل حول النتائج التي تدرك بالكاد لواحدة من أعظم كشوفات الفيزياء العصرية، وهي كون العالم “الموضوعي” لا يوجد كما يبدو خارج الوعي الذي يحدد خصائصه. وعلى هذا فإن الكون الذي يحيط بنا سيصبح شيئا فشيئا أقل مادية: سوف لن يقارن بآلة ضخمة ولكن بفكرة هائلة.

إذا حدث هذا وحدث أن تهاوت فرضية الكون ـ الآلة التي دبجها لابلاس ـ انشتاين، ستقتفي أثرها المجموعة الكبرى للنماذج المادية والواقعية التي ستهتز تدريجيا وتنمحي. لكن من ذا الذي سيستفيد من هذا الوضع؟

عندما نلاحظ عن قرب تاريخ الأفكار، فإننا نلمح تجانبا ـ وفي بعض الأحيان تصادما قويا ـ لتيارين متناقضين، لمعسكرين تصوريين متضادين: الروحانية والمادية.

حسب البروتوكول الروحاني كما تجلى لأول مرة مع القديس توماس الأكويني ـ ثم تم تهذيبه تدريجيا على يد ليبنيتز أو برغسون ـ فإن الوجود فكرة بحتة، وليس لها بالتالي وبالمعنى الصارم أي مرتكز مادي: لهذا لا يمكننا أن نتيقن إلا من حاجة واحدة هي وجود أفكارنا وأحاسيسنا.

وبالمقابل، فإن القراءة المادية للوجود تفرض بكل صرامة قرارا معاكسا: من ديموقريط إلى كارل ماركس، لا يعتبر العقل وهو مجال الفكر، إلا ظاهرة عارضة للمادة، والتي لا يوجد شيء خارجها. يكتمل هذان المذهبان حول طبيعة الوجود بنظريات المعرفة التي تناسب كلا منهما: المثالية والواقعية. هل بإمكاننا معرفة الوجود؟ مستحيل حسب المثالي الذي يرى أننا لا يمكننا التوصل إلا إلى الظواهر ذات التصورات المبعثرة حول الوجود. مقابل هذا، يضع الواقعي تصورا مناقضا: العلم بالنسبة إليه مدرك لكونه يعتمد على إواليات ودواليب وإن كانت معقدة بكل تأكيد، فإنها عقلانية وقابلة للحساب.

والحال أننا على وشك ثورة فكرية وقطيعة إبستمولوجية لم تعرفها الفلسفة منذ قرون عديدة. يبدو لنا عبر المسلك التصوري الذي فتحته النظرية الكمية، تصور جديد للعالم طفا على السطح، مختلف جذريا عن التصورات الأخرى، والذي يعتمد أساسا على التيارين السالفي الذكر، ثم يتجاوزهما بعد أن يصنع منهما تركيبا جديدا. نضع هذا التصور الوليد في مرتبة دون الروحانية، لكن بعد المادية بكثير.

ما الجديد في هذا الفكر؟ الجديد أنه يمحي الحدود بين الروح والمادة. وقد قررنا أن نطلق عليه اسم:

ما وراء الواقعية (Métaréalisme). هل هي مفاجأة أن تطفح وجهة نظر فلسفية جديدة مثل هذه؟

ليس الأمر كذلك إذا ألححنا على كون أن وجهة النظر هذه نفسها منطوية ضمن انزياح إبستمولوجي من حجم كبير استشعره عديد من المفكرين، وبالأخص مشيل فوكو. هذا المفكر، وصف التحولات في المعرفة ـ وبالتالي في أنماط التفكير ـ منذ عصر النهضة إلى يومنا هذا. وقد أبرز بوضوح “لحظتين” حاسمتين في التاريخ: فبعد أن كان الفكر يركز على القياس، منشغلا أساسا بربط العلاقات بين مختلف أصناف الأشياء أو الظواهر، أصبح له مع نهاية القرن السابع عشر بعد جديد يتمثل في حصره خصائص الظواهر فيما هو مقدارها وآلياتها وقابليتها للحساب: إنها سيادة العقل المنطقي.

ما موقعنا ونحن في نهاية القرن العشرين من كل هذا؟

إنها المعرفة العلمية في طريقها للبروز، وذلك في تناقض مع الفهم العام وبدون إسهام الفلاسفة. إنه تصور للعالم مختلف تماما، ورؤية للكون تصطدم بعنف بالعقل المألوف، نتائجها مذهلة وغير قابلة للاستيعاب.

هذا الفضاء الجديد للمعرفة الذي تنتظم داخله شيئا فشيئا فكرة ثورية ما وراء واقعية، ألا يتحدد بالفعل في مجال ما وراء المنطق الكلاسيكي؟ ألسنا بصدد التدرب على نموذج لتفكير قاعدي المنطق (métalogique)؟

إنه تحول في غاية الأهمية: فبينما يتحدد حقل التفكير المنطقي بالتحليل النسقي للظواهر المجهولة ـ لكن مع ذلك بالإمكان معرفتها في نهاية المطاف ـ فإن التفكير القاعدي المنطق يتجاوز من جهته الحد النهائي الذي يفصله عن المعرفة التي لا يدركها الإنسان: إنه يقع فيما وراء التعبيرات، فيما وراء أبواب الإدراك نفسها، وبدون أن يفقد شيئا من صرامته فإنه يقترب من الوحي ويسعى لتقريبه إلى الأفهام. هل نعطي أمثلة؟ اللابتية في الرياضيات (التي تبرهن على أنه من المستحيل إثبات كون افتراض ما صحيحا أم خطأ). والتكاملية في الفيزياء (التي تعتبر أن الجزيئات، أو بالأصح، الظواهر الأولية هي في نفس الوقت جسيمية ومتموجة).

الفصل الأول من فكر قاعدي المنطق هو الأكثر إقناعا، يرتكز إذا على مسلمة وجود حدود مادية للمعرفة: إنها شبكة من الحدود يتم الكشف عنها تدريجيا، وغالبا ما يتم حسابها. حدود تحيط بالوجود ولا يمكن خرقها مطلقا. لقد تم الكشف في شهر دجنبر 1900 عن حالة خاصة في مغزاها لهذا النوع من الحدود المادية، وذلك من قبل الفيزيائي الألماني ماكس بلانك. يتعلق الأمر ب “كم الحركة” الذي يعرف جيدا تحت اسم “ثابتة بلانك”، فهو متناهٍ في الصغر (قيمته هي 6.626×10-34 جول ـ ثانية) وهي أصغر كمية من الطاقة موجودة في عالمنا المادي.

ولنتوقف لحظة لتأمل هذا الأمر الذي هو في نفس الوقت مصدر للعجب والإذهال: أصغر “فعل إوالي قابل للإدراك”، وها نحن أولاء أمام جدار الأبعاد: ثابتة بلانك تشير إلى الحد الفاصل لانقسام الإشعاع، وبالتالي الحد الأقصى لكل انقسام.

وجود حد أدنى في مجال الفعل المادي يفضي بطبيعة الحال إلى نتيجة، وهي إدراج حدود مطلقة أخرى حول الكون المدرك. وهكذا سنصطدم، من بين ما سنصطدم به، بطول نهائي ـ يطلق عليه اسم “مدى بلانك” ـ الذي يمثل أصغر مسافة ممكنة في ما بين جسمين منفصلين ظاهريا. ونفس الأمر بالنسبة لزمن بلانك الذي يشير إلى أصغر وحدة زمنية ممكنة الوجود.

إن هذا يطرح علينا سؤالا محيرا: لماذا هذه الحدود؟ بأية أعجوبة ظهرت بهذا الشكل الدقيق جدا، والأكثر من هذا القابل للحساب؟ من أو ما الذي قرر وجودها وقيمتها؟ وأخيرا، ماذا وراء ذلك؟

إذا قبلنا الولوج إلى التفكير القاعدي المنطق، إذا لم نستسلم أبدا للمجهول، وإذا سلمنا أن هذا المجهول هو في قلب المنهج العلمي الحديث نفسه، سنستسيغ لم كانت الكشوفات الأكثر جدة في مجال الفيزياء الحديثة تلحق بحقل الحدس الميتافيزيقي. وفي سيرنا نحو هذا الفهم، سندرك جيدا، إلى أي مدىً كان أنشتاين ـ وهو آخر علماء الفيزياء الكلاسيكيين المقتنعين بإمكانية معرفة الكون والوجود ـ مخطئا.

اليوم، وعند الحدود المجهولة وغير الثابتة التي برهنت النظرية الكمية عليها، يجري الفيزيائيون كلهم وبدون استثناء، التجربة حول هذه اللاأدرية الجديدة التي تقول: ليس بالإمكان الإحاطة علما بالوجود؛ الوجود محجوب عن الأفهام وسيبقى كذلك.

القبول بهذه الخلاصة يعني الكشف عن وجود حل بديل للغرابة الفيزيائية: إنها الغرابة المنطقية. نتحدث عن منطق للمجهول؟ لا ينقص إلا هذا من أجل تشييد هذا النسق التصوري الجديد، الأقوى لكنه أكبر مصدر للحيرة في قرننا هذا: يتعلق الأمر بالنظرية الكمية. مع هذه النظرية لا يمكن أن نستمسك بتفسيرات للكون من قبيل الموضوعية والحتمية رغم تساوقها مع العقل. ما الذي علينا أن نسلم به في المقابل؟ علينا أن نسلم بكون الوجود “في حد ذاته” غير موجود، بأنه يخضع لطريقة رؤيتنا له وبأن العناصر الأولية التي تؤلفه يمكن أن تكون شيئا (موجة) وفي نفس الوقت شيئا آخر (جزيئا). ونسلم على أية حال بأن هذا الوجود، في العمق، غير واضح المعالم. لقد بدأ التصور المادي للعالم ينهار أمام أنظارنا رغم متانته التي اكتسبها بفضل عمل قرون عدة من الصياغة النظرية الفيزيائية ومن التجارب: علينا أن نتهيأ للدخول إلى عالم مجهول تماما.

تجل آخر لهذه الغرابة المنطقية هو وجود نظام في قلب الفوضى. ترى، ما هو القاسم المشترك بين دخان متصاعد ولمعة برق في السماء، وبين راية ترفرف بفعل الريح وبين ماء يسيل من صنبور؟ هذه الظواهر في حقيقة الأمر فوضوية، أي غير منتظمة، ومع ذلك فعندما ندقق النظر إليها على ضوء هذه المقاربة الجديدة التي هي نظرية الفوضى، سنكتشف أن هذه الحوادث الغير منتظمة والطارئة، تخفي نظاما بقدر ما هو مدهش فهو عميق. كيف يمكننا تفسير هذا النظام في قلب الفوضى؟ وبتعبير أدق: في كون يخضع لقصور حراري، مجرور قهرا نحو فوضى متصاعدة، لم وكيف يبرز النظام؟

هذا الكتاب لا ينحصر اهتمامه في المجمل، في الكشف عن خفايا الروح والمادة بنظرة كلاسيكية. ولا يكتفي أيضا بمنح القارئ مقاربة مؤثرة عن الإيمان والدين: إنه ينفتح على نظرة كونية جديدة، على طريقة مختلفة بعمق للتفكير في الوجود نفسه. وراء النظام المتلاشي للظواهر، فيما وراء المظاهر، تقترب الفيزياء الكمية بشكل مدهش من المفارقة.

خلاصة القول، فإن هذا اللقاء الأول الجلي بين الدين والعلم، هذا العمل المحدد المدون في العالم المدهش للفيزياء الطليعية، لربما يجسد أيضا حيوية ميتافيزيقا جديدة: ألا يوجد اليوم نوع من التقارب بين عمل الفيزيائي وعمل الفيلسوف؟ ألا يطرح كل منهما نفس الأسئلة الأساسية؟ كل سنة تحمل حصادا من التنقيحات النظرية تمس تلك الجبهات التي تحد وجودنا: اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر.

تعمل النظرية الكمية كما هو الشأن بالنسبة لعلم الكونيات في كل لحظة، على توسيع مجال المعرفة إلى غاية الوصول إلى اللغز الأكثر جوهرية والذي جابه العقل البشري: وجود خالق مفارق هو في نفس الوقت سبب وجود الكون العظيم ودليل على هذا الوجود.

في نهاية المطاف، ألا نجد نفس الشيء في النظرية العلمية والمعتقد الديني على حد سواء؟ ومن الآن فصاعدا، ألا يمكن اعتبار أن الله من مدركات العقل البشري التي يستدل عليها، وهو قريب من التجلي بقدرته التي تظهر في العمق النهائي للوجود الذي انبرى الفيزيائي لوصفه؟

(يتبع في العدد القادم)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: