العوامل المائة والعقل التنظيري

 استطاع العقل العربي الإسلامي أن يواكب أزمته الإبستمولوجية للخروج من شرنقتها إلى نور الإبداع والعطاء والتأسيس لنظريات جديدة، بمنهج الاستيعاب والتجاوز وفق مقتضيات الوحي ومتطلبات الواقع، واقع أزمة كل نظرية في تاريخها و راهنتيها– أقصد الحديث عن العقل التنظيري العربي الإسلامي اليقظ – فكلما ظهرت أزمة معرفية إبستملوجية إلا وتصدى لها بنظريات جديدة ورصينة تواجه الأزمة وتتخطاها إلى مرحلة جديدة كما الحال في النظرية المقاصدية في جانبها المعرفي والمنهجي أذكر على سبيل المثال لا الحصر الضروريات الخمس معرفة والقياس منهجا، كما جاء في نظرية الإمام الشاطبي في الموافقات… ونظرية النظم و العامل عند النحويين وهنا نروم الحديث عن إنجاز عظيم لهرم من أهرام اللغة نحوا وبلاغة المنظر الإمام الجرجاني* في نظرية العامل من خلال كتابه “العوامل المائة”.. لنطرح الإشكال حول الموضوع وهو ما محددات العامل وماهيته؟ وما الأزمة الإبستملوجية الدافعة إلى تأسيس نظرية العامل عند الجرجاني؟ وما العوامل والأصول المتفرقة فيها والأبواب المختلفة الناظمة لها؟

 تحديد مفهوم العامل:

 العامل هو التأثير الذي يطرأ على أواخر اللفظ اسما وفعلا تنشأ عنه علامة إعرابية، والإعراب هو التقاء العامل بالمعمول في تركيب انسجمت ألفاظه ليعطينا حكما دقيقا يحمل المعنى المقصود ويدل عليه، يقول الجرجاني:” لا يقوم في وهم ولا يصح في عقل أن يتفكر في معنى فعل من غير أن يريد إعماله في اسم، ولا أن يتفكر في معنى اسم من غير أن يريد إعمال فعل فيه، وجعله فاعلا له أو مفعولا” [1]

أما العوامل أو العامل باختصار فهي التي تسبب الأحكام الإعرابية، من رفع ونصب وجر وجزم في الكلمة داخل تركيب جملي أو هو على حد تعبير الجرجاني ما أوجب كون آخر الكلمة مرفوعا أو منصوبا أو مجرورا أو ساكنا نحو: جاء زيد، مررت بزيد، ثم رأيت زيدا.

وللعامل أهمية في التمييز بين الوظائف النحوية داخل تركيب الجملة وعلى التقديم والتأخير فيها وفي هذا الصدد يبين إبن يعيش النحوي مكانة العامل في ” الإبانة عن المعاني باختلاف أواخر الكلم… ألا ترى أنك لو قلت: ضرب زيد عمرو بالسكون من غير إعراب لم يعلم الفاعل من المفعول، ولو اقتصرت في البيان على حفظ المرتبة، فيعلم الفاعل بتقدمه، والمفعول بتأخره لضاق المذهب، ولم يوجد من الاتساع بالتقديم والتأخير ما يوجد بوجود الإعراب” [2]

التأطير التاريخي لنظرية العامل:

يقربنا الأستاذ بدران، محقق كتاب العوامل المائة النحوية في أصول علم العربية لعبد القاهر الجرجاني بشرح الأزهري، من الأزمة الإبستملوجية التي عرفتها المرحلة ” كانت أصوات في عصر عبد القاهر قد ارتفعت تزهد في النحو وتدعو إلى التهاون به .. استطاع في مقدرة بارعة أن يتخذ من تلك النقطة المعيبة التي أرادوا أن يجعلوا منها منطلقا لهدم النحو..أن يتخذ منها مرتكزا لانطلاقة نحو نظرية جديدة في عالم اللغة تعد إلى يومنا هذا من أحدث ما انتهى إليه اللغويون في هذا المجال، ومازال الفكر اللغوي المحدث في كل يوم يحرك أبعادها إيضاحا وتعميقا واستفادة في مجالها “. [3]

فما أصاب النحو العربي في عهد الجرجاني من أزمة إبستملوجية ومن تعقيدات وتأويلات جعلته يضع نظريته لتجاوز الأزمة خاصة وأن معرفة القرآن الكريم رهينة بالنحو ” لأن الألفاظ مغلقة على معانيها حتى يكون الإعراب هو الذي يفتحها وأن الأغراض كامنة فيها حتى يكون هو المستخرج لها، وأنه المعيار الذي لا يتبين نقصان كلام ولا رجحانه حتى يعرض عليه، والمقياس الذي لا يعرف صحيح من سقيم حتى يرجع إليه” [4] وقد جاء في مقدمة ابن خلدون” أن أحوج ما يكون إلى هذا الفن المفسرون ” والزمخشري يعد من خير من تأثر بنظرية الجرجاني في كتابه الكشاف ” وهو كله مبني على هذا الفن بل هو أصله”[5] وهذا التأثير والتأثر راجع لعدة اعتبارات من بينها أن الزمخشري يعد الجرجاني من أطره المرجعية في منهج التناول والتحليل، والتلمذة والبيئة الجغرافية.

هكذا يتضح لنا أن نظرية العامل للجرجاني استطاعت تجاوز الأزمة الإبستملوجية المرحلية في زمانه المتعدية إلى زماننا إن صح التعبير.

نظرية العامل:

احتلت نظرية العامل الصدارة عند النحويين فشغلت حيزا كبيرا في تصانيفهم، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى عوامل عدة من بينها باب الاجتهاد المفتوح على مصراعيه للاشتقاق والتوليد.

ويفسر ابن جني نظرية العامل عند النحاة قائلا ” ألا ترى أنك إذا قلت: قام بكر، ورأيت بكرا، ومررت ببكر، فإنك إنما خالفت بين الحركات والإعراب لاختلاف العامل”[6]ويبين صاحب كتاب النحو العربي:”السبب في نمو فلسفة العامل النحوية يعود أساسا إلى ذلك المجهود الذهني الذي بذله النحاة في التفريغ والتصور وتوليد الفكرة وتقليبها” كما أنه يعزيها أيضا إلى التفاعل مع علوم عصرهم وخاصة الدخيلة عليهم من قبيل ” المنطق وعلم الكلام وهذا السبب له آثار واضحة في حديث العامل والمعمول”.[7]

وقد اهتدى عبد القاهر الجرجاني في زمانه إلى وضع نظريات جديدة في علم اللغة وذلك راجع إلى ريادته في مجال فلسفة اللغة وفي رمزية اللغة ورد المعاني إلى النظم ومنهجه الاستقرائي في تقييم النصوص نقدا وبناء، ونقتصر هنا على نظرية العامل في كتابه الشهير ” العوامل المائة ” الذي يبين عمق منهجه النحوي وقدرته العقلية على الاجتهاد بلمسة ذوقية ومنهج شامل، ولعل الدارس للكتاب يجد الجرجاني قسم العوامل إلى قسمين: لفظية ومعنوية، واللفظية تنقسم إلى قسمين: سماعية وقياسية.

 أما العوامل اللفظية السماعية، فهي ما سمعت عن العرب، ولا يقاس عليها غيرها كحرف الجر، والحروف المشبهة بالفعل مثلا فإن الباء وأخواتها تجر الإسم فليس لك أن تتجاوزها وتقيس عليها غيرها.

وأما اللفظية القياسية وهي ما سمعت عن العرب ويقاس عليها غيرها.

و أما العوامل المعنوية فهي معنى من المعاني لا نطق فيه، وإنما يعرف بالعقل ليس للفظ حظ فيه وقد جاء تقسيم أنواع العوامل كالآتي:

أولا: العوامل اللفظية السماعية: وهي واحد وتسعون عاملا، وثلاثة عشر نوعا

ثانيا: العوامل اللفظية القیاسیة: وهي سبعة

ثالثا: العوامل المعنویة: وهي أمران

“فهذه مائـة عامـل، فـلا یـستغني الصغير ولا الكبير، ولا الوالي ولا القاضي، ولا الرفيع ولا الوضيع عن معرفتها واستعمالها ” [8]تتضح جلية في نظرية العامل في كتاب “العوامل المائة ” ومختصرة في كتاب “الجمـل فـي النحـو”

تقسيمات تشبه تشكيلة معمارية هندسية بنى عليها الجرجاني صرح نظرية العامل لتيسير الإشكال النحوي لمن حوله من الخاصة والعامة على السواء، وهذه ميزة للجرجاني في زمانه حيث نجد غالبية علماء عصره ومن بعدهم يكتبون ويصنفون للخاصة دون العامة من الأمة، ونعلم أن القرآن الكريم جاء موجها الخطاب إلى جميع طبقات الناس و دعوة للعالمين والحمد لله رب العالمين.

وفي الختام يمكن القول: إن المسلمين عبر مسارهم التاريخي لهم عقلية التنظير والإبداع والسبق في النظريات الإبستملوجية بامتياز حسب علمي المتواضع ولعل هذا يتجلى لنا خاصة في عصر التدوين. وكل هذا راجع بطبيعة الحال إلى الرؤية القرآنية للعالم المعرفي التنظيري”بوصفه نظاما مفهوميا جديدا أعاد صياغة المفاهيم السابقة وأضاف إليها مفاهيم جديدة، وربط في ما بينها بعلاقات معقدة، فأنتج رؤية للعالم مختلفة تمتاز بمعيار مفهومي عظيم من حيث تماسكه ورمزيته وتنظيمه.”[9]

هاته الرؤية القرآنية التي يحثنا فيها الله سبحانه وتعالى على النظر والتدبر وإعمال العقل، وهي دعوة إلى تحرير العقل من أغلال التقليد والتبعية، ويعلمنا القرآن الكريم أن نكون إيجابيين في تلقي جميع الثقافات والانفتاح عليها معرفة وتعارفا ولم لا الجرأة عليها واقتحام عالمها وتبني ما توصل إليه العقل الإنساني ونخله والخروج منه استيعابا وتطويعا وإبداعا وفق متطلبات وإشكالات بحوثنا وتبقى الهوية البوصلة حاضرة موجهة ومسددة.. وهذا المنهج اتبعه العديد من العلماء من بينهم العلامة الجرجاني في الكثير من مؤلفاته التي وضع فيها نظريات عديدة من ضمنها نظرية العامل بمنهجه التكاملي الجامع بين القراءات: العقل والوحي والكون..

ويبقى البحث دعوة للفت انتباه الباحث للتدقيق في مجال الفكر العربي الإسلامي وإعطاء إجابات نظرية عملية للإشكالات الإبستمولوجية المطروحة استنهاضا للإجتهاد والإبداع والمساهمة في العطاء المعرفي.


دلائل الاعجازعبد القاهر الجرجاني/الصفحة 303[1]

*أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمان الجرجاني، الامام النحوي اللغوي المشهور الفقيه الشافعي، المتكلم الأشعري، الفارسي الأصل من جرجان، موسوعي المعرفة اشتهر باللغة والنحو والبلاغة والأدب وأسرار البيان العربي..

شرح المفصل،موفق الدين يعيشج1 ص196/ 197[2]

العوامل المائة النحوية في أصول علم العربية عبد القاهر الجرجاني شرح الازهري / ط الثانية /ص 19[3]

عالم اللغة عبد القاهر الجرجاني البدراوي زهران / دار المعارف /ط4/ص 140[4]

 المقدمة، ابن خلدون، ص 708[5]

المنصف ابن جنيج1 ص4[6]

أصـول النحـوالعربـ يفـي ضـوء مـذهب ابـن مـضاء القرطبـي،بكـري عبـد الكـریم، الطبعة الأولى، ص204[7]

العوامل المائة ونظمها، الجرجاني، دار المنهاج ص 65 [8]

الله والانسان في القرآن علم دلالة الرؤية القرآنية للعالم، توشيهيكو إيزوتسو، ص12[9]

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: