العمل السياسي وحتمية تدبير الاختلاف

إن الاختلاف بين الناس يعتبر من سنن الله الكونية التي لا تتبدل ولا تتغير، وقد اقتضت حكمة الله عز وجل أن تكون الظواهر الكونية مبنية على الاختلاف، كتعاقب الليل والنهار، والشمس والقمر، والصيف والشتاء…وكل ذلك آية من آيات الله في الأنفس والآفاق كما قال الله تعالى:”وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ ” (الروم:22 (
وقال سبحانه:” وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ ” (هود:118-119 ).
لقد قدم القرآن الكريم منهاجا شموليا في كيفية تدبير الاختلاف مع الآخر، فوضع بذلك الأسس والقواعد العامة لتدبير الاختلاف، وقد ضرب الله أمثلة في كيفية تدبير هذا الاختلاف بين أنبياء الله ورسله سواء بين موسى وهارون عليهما السلام. أو بين داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام..
كما أن السنة النبوية قدمت نماذج رائعة في إدارة المسائل الخلافية: قضية حل الاختلاف بين القبائل العربية في من يضع الحجر الأسود في مكانه – دستور/ صحيفة المدينة بعد الهجرة النبوية..

ويعتبر عهد النبوة والخلافة الراشدة أرقى العصور الخيرية التي عرفت ازدهارا للعمل السياسي وضيق دائرة الاختلاف، واتساع دائرة ائتلاف الأمة ووحدتها. فقد كان السبب في ذلك أن الولاء كان لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ووجود النبي صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم فهو رسول الله المعلم والقائد والمربي والحاكم والقدوة الحسنة والمؤيد بالوحي.. ومن أجل ذلك قل الاختلاف في عهد النبوة.
أما في عهد الخلافة الراشدة الذي اتسعت فيه رقعة الحضارة الاسلامية وتفرق الصحابة رضوان الله عليهم في الأمصار فقد شكل ذلك ظهور الاختلاف وتعدد وجهات النظر حول القضية الواحدة.
لكن في عصر الانحدار / الانكسار أصبح العمل السياسي من وجهة نظر البعض: بدعة ومأثمة يعاقب عليها صاحبها، خاصة في المرحلة التي سلط فيها السيف على الرقاب، وتم فيها الاعتداء على الحقوق والحريات وكان الولاء فيها للحمية الجاهلية المقيتة … كل هذه العوامل ساهمت في ظهور تيارات سياسية تنشد الاصلاح وتسعى إلى التغيير، وبذلك اتسعت دائرة الاختلاف بين مختلف الأطياف السياسية عبر الزمان والمكان مع السلطة الحاكمة، والجدير بالذكر هنا أنه ظهر من اعتزل العمل السياسي كالصوفية ومنهم من تفرغ للفقه وتدوين الحديث والتفسير.. وبذلك ظهرت المدارس الفقهية: كمدرسة أهل الرأي، ومدرسة أهل الحديث. فكانت من نتائج ذلك كله أن اتسعت دائرة الاختلاف سواء في الفقه أو السياسة الشرعية.
لقد أصبح من أي وقت مضى حتمية تدبير الاختلاف وترشيد العمل السياسي، فكل حزب سياسي أو حركة لا تسعى إلى التجديد في الوسائل والآليات ولا تمتلك مشروعا متكاملا فإن التاريخ سوف يتجاوزها وتصبح في خبر كان.
ولذلك فلابد من وجود آليات عملية ناجعة في تدبير الاختلاف بين الفرقاء والفضلاء السياسيين، سواء تعلق الأمر بالإسلاميين فيما بينهم، أو بين الإسلاميين مع غيرهم من أطياف المجتمع. إن الواقع لا يمكن أن يرتفع إلا باستيعاب كل فصيل للآخر، والسعي إلى بناء توافق وطني عبر مدخلين اثنين:
المدخل الأول: تربية الإنسان وتغيير سلوكه. قال تعالى:” إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ”(الرعد:11).
والمدخل الثاني :وجود مشروع مجتمعي تتفق عليه مختلف مكونات المجتمع.
وبناء على ما سبق يمكن أن نخلص إلى أن تدبير الاختلاف وترشيد العمل السياسي لابد له من آليات ووسائل يمكن إجمال بعضها فيما يلي:
1- ترسيخ ثقافة الحوار والتعاون على المشترك: سواء بين أبناء الحركة الاسلامية أنفسهم، أو بين الحركة الاسلامية وغيرها من الأحزاب السياسية المختلفة. وقد ركز القرآن الكريم على مبدأ الحوار والموعظة الحسنة والمجادلة بالحسنى في تدبير الاختلاف فقال عز وجل: “ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ” (النحل: 125)
وقال سبحانه :”ولَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ” (العنكبوت 46)
2- نبذ العنف أيا كان مصدره: لأن العنف يهدد الأمن والاستقرار ويؤدي إلى الاعتداء على مقاصد الشريعة الإسلامية : الدين والنفس والعقل والعرض والمال. قال صلى الله عليه وسلم:” إن الله رفيق يحب الرفق، وإن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف“. رواه مسلم
3- تفعيل آلية الشورى/ أو تعزيز ثقافة الديمقراطية التشاركية: قال تعالى:”وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ” (الشورى 38)
4- احترام شرعية صناديق الاقتراع: باعتبارها آلية من آليات الديمقراطية، ثم حماية الحقوق والحريات.
5- عدم اقصاء الآخر أيا كان فكره ومعتقده: والإيمان بأن خدمة الوطن وإعلاء المصلحة العليا مسؤولية الجميع.
6- تحرير العقل من الأوهام والخرافة: وكل ما يحجبه عن الحقيقة والادراك والتمييز .
7- لبناء مجتمع تسوده قيم العدل والحرية والكرامة الإنسانية لابد من ترشيد العمل السياسي وتدبير الاختلاف.
8- إن معضلة العمل السياسي هي الاستبداد بالرأي والتعصب (للفكر أو التنظيم أو اللغة أو اللون أو الجنس..) وتخوين الآخر واتهامه بالعمالة وتهديد الأمن العام/ القومي.
9- أن من أسباب الاختلاف: اتباع الهوى وضعف الإيمان والسعي وراء السلطة والمال.
10- أن دور العلماء والمفكرين والمثقفين هو: الوقوف مع الحق وتدبير الاختلاف بين مكونات المجتمع.
إن تدبير الاختلاف أمر لا يزال يحتاج إلى مزيد من الجهد والصبر مع كل المخلصين. والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: