الشهادة والرواية حقيقتهما وأوجه الاتفاق والاختلاف بينهما

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، عالم الغيب والشهادة، الذي خص هذه الأمة بالسند والرواية، والصلاة والسلام على من بلغنا الرسالة على التمام، وبينها للناس أتم بيان، وعلى آله وصحابته والتابعين لهم بإحسان.

وبعد،

 الخبر في الإسلام له قيمة كبرى ودرجة عظمى، لما له من فوائد عديدة على الفرد والمجتمع، في حياتهم الدينية والدنيوية، ومن بين أشرف أنواع الخبر نجد الرواية والشهادة، فبالأولى حفظ الله لنا دين الإسلام صافيا نقيا كما أنزله الله على قلب رسوله صلى الله عليه وسلم، وبالثانية تحفظ على الناس دماؤهم وأموالهم وحقوقهم من الضياع، وصدق الإمام الغزالي إذ قال: ” فَأَمَّا الرِّوَايَةُ وَالشَّهَادَةُ فَأَمْرُهُمَا أَرْفَعُ وَخَطَرُهُمَا عَامٌّ”[1]

فما حقيقة كل من الشهادة والرواية؟ وهل هما شيء واحد أم مختلفان؟ وإذا كانا مختلفين فما هي أوجه افتراقهما واتفاقهما؟

هذا ما أجبت عنه في هذا المقال الذي جعلته تحت عنوان: ” الشهادة والرواية حقيقتهما وأوجه الاتفاق والاختلاف بينهما” تناولت مباحثه في مسألتين

المسألة الأولى: تعريف الشهادة والرواية

أ ـ معنى الشهادة والرواية في اللغة

الشهادة في اللغة:

ــ قال ابن فارس: الشين والهاء أصل يدل على حضور وعلم وإعلام لا يخرج شيء من فروعه عن الذي ذكرناه، من ذلك الشهادة يجمع الأصول التي ذكرناها من الحضور والعلم والإعلام.

فالشهادة: الإخبار بصحة الشيء مشاهدة وعيانا[2]

الرواية في اللغة:

ـــ روى البعير الماء يرويه حمله، فهو راوية… ثم أطلقت الرواية على كل دابة يستقى الماء عليها، ومنه يقال: رويت الحديث إذا حملته[3].

والراوية المزادة فيها الماء، والبعير والبغل والحمار يستقى عليه، وروى الحديث يروي وهو راوية للمبالغة[4].

ب ــ الشهادة والرواية اصطلاحا:

يحكي الإمام القرافي عن نفسه أنه أقام مدة ثمان سنوات يبحث عن تعريف للشهادة والرواية ويسأل العلماء فلم يظفر بشيء حتى طالع شرح البرهان للإمام المازري فوجد بغيته هناك، ونقل عنه تعريفه لهما فقال:

“الشهادة والرواية خبران، غير أن الخبر إن كان أمرا عاما لا يختص بمعين فهو الرواية، كقوله عليه الصلاة والسلام: “إنما الأعمال بالنيات[5]… لا يختص بشخص معين بل على جميع الخلق في جميع الأعصار والأمصار، بخلاف قول العدل عند الحاكم: لهذا عند هذا دينار، إلزام لمعين لا يتعداه إلى غيره، فهذا هو الشهادة المحضة، والأول هو الرواية المحضة”[6].

واستدرك الإمام ابن الشاط على القرافي بأنه  لا بد من إضافة قيد آخر في تعريف الشهادة وهو إمكان الترافع إلى الحكام والتخاصم وطلب فصل القضاء[7].

وتعقب الإمام ابن عرفة الإمام القرافي في تسليمه لتعريف الإمام المازري للشهادة والرواية فقال: 

“وتبع ــ أي القرافي ـ فيه المارزي من أن الشهادة هي الخبر المتعلق بجزئي، والرواية الخبر المتعلق بكل؛ يرد بأن الرواية تتعلق بالجزئي كثيرًا لحديثه صلى الله عليه وسلم: ((يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة))…[8].

لكن يمكن أن يجاب على استدارك ابن عرفة بأن هذا الحديث وإن كان خبرا عن شخص معين وهو ذو السويقتين، فهو تنبيه عام لجميع المسلمين في كل الأعصار والأمصار، فضابط العموم يشمله، ولا يخرج عن حد الرواية.

وقال ابن السبكي في تعريفهما:

“الْإِخْبَار عَن عَام لَا ترافع فِيهِ الرِّوَايَة، وخلافه الشَّهَادَة”[9]

من خلال ما سبق يمكننا أن نصوغ تعريفا واضحا لكل من الشهادة والرواية فنقول:

الشهادة: “هي الإخبار الجازم عن واقعة أو حق معين عند القاضي أو الحاكم من أجل رفع الخصومة”.

والرواية: ” هي الإخبار عن أمر يهم عامة المسلمين الراوي وغيره في كل الأعصار والأمصار من غير ترافع”

المسألة الثانية: أوجه الاتفاق والاختلاف بين الشهادة والرواية

أ ـــ أوجه الاتفاق بين الشهادة والرواية:

الشهادة والرواية يشملهما جنس الخبر فكل واحد إخبار عن قول الغير أو فعله[10]، وناقل الخبر لكي يكون خبره مقبولا غير مردود، ويعمل بما أخبر به لا بد وأن تتوفر فيه صفات حتى تطمئن النفس إلى خبره، فلذا اشترط في ناقل الخبر أن يكون:

ــ مسلما غير كافر

ـــ عاقلا غير مجنون.

ـــ شخصا بالغا رشيدا غير صغير، أو مميزا على الأقل في باب الرواية.

ـــ عدلا مأمونا مجتنبا للذنوب الكبائر، ومتقيا في الغالب للصغائر.

ــ ضابطا لما يخبر به أو عنه، متيقظا غير غافل ولا فاحش الوهم كثير الغلط.   

قال الإمام الغزالي في عد الصفات التي يجب توفرها في الشاهد والراوي: “اعْلَمْ أَنَّ التَّكْلِيفَ وَالْإِسْلَامَ وَالْعَدَالَةَ وَالضَّبْطَ يَشْتَرِكُ فِيهِ الرِّوَايَةُ وَالشَّهَادَةُ”[11].

ب ــــ أوجه الاختلاف بين الشهادة والرواية:

تعرض عدد من الأئمة لذكر الفوارق بين الشهادة والرواية، ويحكي الإمام القرافي أنه في مسيرته الطويلة التي سبق ذكرها في البحث عن حقيقة كل من الشهادة والرواية حين كان يسأل إماما من الأئمة كان يجيبه بذكر بعض الفوارق بين الشهادة والرواية عوض أن يذكر له ماهيتهما، وفصل الإمام السيوطي القول في الفوارق بين الشهادة والرواية حتى أوصلها إلى إحدى وعشرين فرقا[12]، وعند التأمل فيها وجدت أن هذه الفوارق جزئيات تندرج تحت ثلاث مسائل كبرى وهي:

أ ـــــ الاحتياط في باب الشهادة والتساهل في باب الرواية فلقد اختصت الشهادة بمزيد احتياط إجماعا، فيجوز ألا تقبل من بعض من تقبل روايته، أما أن تقبل ممن ردت روايته فلا[13]، لذا قال العلماء:

ـــ يشترط العدد في الشهادة دون الرواية.

ـــ يشترط الذكورية في أغلب أبواب الشهادة ولم يشترطوا ذلك في الرواية.

ـــ يشترط الحرية في الشهادة وقبلوا رواية العبد.

ـــ لا تصح الشهادة إلا بعد إقامة الدعوى، وطلب لها وفي مجلس الحاكم، والرواية تصح ابتداء.

ـــ جواز أخذ الأجرة على الرواية، ولا يجوز أخذها على الشهادة.

ـــ لا تقبل الشهادة على الشهادة إلا عند تعذر الأصل بموت أو غيبة أو مرض ونحوه، وتجوز الرواية على الرواية.

ـــ إذا شهد الشاهدان بموجب قتل ثم رجعا وقالا تعمدنا لزمهما القصاص، ولو أشكلت حادثة على حاكم فتوقف فروى شخص خبرا عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها وقتل الحاكم به رجلا ثم رجع الراوي وقال: كذبت وتعمدت نقل الرافعي عن القفال والإمام الشافعي أنه لا قصاص على الراوي.

ـــ إذا حُدّ شاهد في الزنى حَدَّ القدف لا تقبل شهادته مرة أخرى قبل توبته، وتقبل رواية المحدود في القذف قبل توبته على الأشهر.

ب ـــ تغليب جانب النفاذ والإمضاء في باب الشهادة، والنقض والترك في باب الرواية ولذا نجد العلماء قالوا:

ــــ من كذب في حديث واحد رد جميع حديثه السابق، بخلاف من تبين شهادته للزور في مرة لا ينقض ما شهد به قبل ذلك.

ـــ إذا روى الرواي شيئا ثم رجع عنه سقط ولا يعمل به، بخلاف الرجوع عن الشهادة بعد الحكم.

ـــ تقبل شهادة المبتدع ولو كان داعية، ولا تقبل رواية الداعية.

ج ــــ تغليب جانب التهمة في باب الشهادة، والبراءة منها في باب الرواية، وعلل العلماء ما ذهبوا إليه من التفريق بين البابين بأن الراوي يثبت حكما على نفسه وعلى غيره، فلم يتطرق إليه التهمة، بخلاف الشاهد فإنه يثبت حقا على غيره فاحتيط له[14]، ولذا قالوا:

ــــ لا تقبل شهادة من جرّت شهادته إلى نفسه نفعا، أو دفعت عنه ضررا، وتقبل رواية من روى ذلك.

ــ لا تقبل الشهادة لأصل وفرع ورقيق، بخلاف الرواية.

ــ لا تقبل شهادة الشاهد على من ثبت أن بينه وبين المشهود عليه عداوة بخلاف الرواية والله أعلم.  


[1]  المستصفى ص 127، لأبي حامد الغزالي تحقيق محمد عبد السلام ط 1 سنة 1413 نشر دار الكتب العلمية.

[2]  معجم مقاييس اللغة لابن فارس مادة شهد، تحقيق  عبد السلام هارون نشر دار الفكر سنة 1399. والمغرب في ترتيب المعرب لناصر الدين المطرزي مادة شهد، نشر دار الكتاب العربي بدون تاريخ.

[3]  المصباح المنير في غريب الشرح الكبير لأبي العباس الفيومي مادة روي، نشر دار الكتب العلمية بدون تاريخ.

[4]  القاموس المحيط لمحمد الفيروز أبادي مادة روي، ط 8 سنة 1426، نشر مؤسسة الرسالة بيروت.

[5]  جزء من حديث رواه البخاري في صحيحه كتاب بدء الوحي باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

[6]  أنواء البروق في أنواع الفروق للقرافي ص 5 طبعة عالم الكتب بيروت بدون تاريخ.

[7]  إدرار  الشروق على أنواء الفروق لابن الشاط ص 5 مطبوع بهامش كتاب الفر وق للقرافي.

[8]  المختصر الفقهي لابن عرفة 9\223 تحقيق حافظ عبد الرحمن ط 1 سنة 1435هـ  نشر مؤسسة خلف أحمد الخبتور، والحيث رواه البخاري كتاب الحج باب هدم الكعبة  ر ح: 1596، ومسلم  كتاب الفتن باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل ر ح 2909.

[9]  حاشية العطار على شرح الجلال المحلي لجمع الجوامع 2\190، نشر دار الكتب العلمية بدون تاريخ.

[10]  تقويم النظر في مسائل خلافية ذائعة، ونبذة مذهبية نافعة لأبي شجاع محمد بن الدهان 5\115، تحقيق صالح الخزيم ط 1 سنة 1422هـ نشر مكتبة الرشد الرياض.

[11]  المستصفى ص 128، لأبي حامد الغزالي تحقيق محمد عبد السلام ط 1 سنة 1413 نشر دار الكتب العلمية.

[12]  تدريب الراوي في شرح تقريب النووي 1\392ــ 394 لجلال الدين السيوطي تحقيق أبي قتيبة الفاريابي نشر دار طيبة بدون تاريخ.

[13]  تقويم النظر في مسائل خلافية ذائعة ونبذة مذهبية نافعة لأبي شجاع محمد بن الدهان 5\115، تحقيق صالح الخزيم نشر مكتبة الرشد سنة 1422.

[14]  البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي 6\370، ط 1 سنة 1414 نشر دار الكتبي.

اظهر المزيد

د. مراد اشهيلي

سيدي قاسم/ المغرب * حاصل على شهادة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية من جامعة ابن طفيل بالقنيطرة سنة 2017. * أستاذ التعليم العتيق منذ سنة 2009. * خطيب الجمعة منذ سنة 2010. * حضرت العديد من الدورات التكوينية والندوات العلمية الوطنية والدولية. الأعمال الصادرة: * إعراب نظم المرشد المعين على الضروري من علوم الدين لعبد الغفار بن يوسف المراكشي تقديم وتحقيق. * قاعدة: "لا يتم التبرع إلا بالقبض" دراسة فقهية مقارنة. الأعمال المقدمة للنشر: * حاشية الفقيه محمد المصطفى الرماصي على جواهر الدرر في حل ألفاظ المختصر للتتائي دراسة وتحقيقا. * الجمع والتوفيق بين الأدلة في المذهب المالكي مفهومه مسالكه آثاره. * مراعاة الخلاف عند المالكية دراسة في المفهوم والحجية. * الجهود النقدية للفقيه الرماصي ودورها في خدمة المذهب المالكي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: