السبل الناجحة لتعلم اللغة العربية

تقديم:

اللغة ميزة أساسية خص بها الله تعالى الإنسان، وظيفتها التواصل وتبادل المصالح والأفكار والمعلومات، وأصلها من لغا/ يلغو، أي تكلم/ يتكلم، وقد عرفها ابن جني أشهر فقهاء اللغة العرب بقوله: “حد اللغة أصوات يعبر بها الناس عن أغراضهم” مختزلا ماهيتها في الوظيفة التواصلية عن طريق الأصوات.
وعرفها بياجي بأنها “مؤسسة جماعية ذات قواعد، تفرض نفسها على الأفراد، وتتناقل بطريقة جبرية من جيل إلى جيل آخر.
وعرفها آخر بأنها نظام من الرموز الصوتية، وتكمن قيمة كل رمز في الاتفاق عليه بين الأطراف التي تستعمله ( أي المتحدث والمخاطب)

دراسة اللغة:

أول من درس اللغة هم الهنود الحمر، في القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد، وكانت دراستهم بدافع ديني، لفهم كتابهم المقدس، الذي كتب باللغة السنسكريتية، وقد ألف (بونيمي) كتابا ضم جميع قواعد اللغة السنسكريتية بما فيها الاشتقاق والتركيب والصرف، ثم بعدهم اليونان الذين قسموا الكلمة إلى اسم وفعل وحرف، وكذلك ناقشوا مسألة، هل اللغة من صنع الإنسان، أم من صنع قوة فوقه، وكذلك علاقة الدال بالمدلول.
ثم الرومان الذين اهتموا بدراسة اللغة اللاتينية، وكانت كلمة (كرامير ) تعني اللاتينية، إلى أن تطورت وأصبحت تعني النحو.
ثم جاء العالم الإيطالي (دونتي) سنة 305م الذي ركز الاهتمام على اللغة الإيطالية وقارن بينها وبين باقي اللغات، ليكتشف أن اللغات الأوربية ترجع لأصل واحد.

العرب واللغة:

لم يكن للعرب قبل الإسلام اهتمام بدراسة اللغة، وأول من درسها، أبو الأسود الدؤلي، الذي كلفه علي بن أبي طالب رضي الله عنه بتشكيل القرآن الكريم، بعد تفشي ظاهرة اللحن من طرف العجم الداخلين في الإسلام،
ثم، مع سبويه، الذي تحدث عن النحو والصوتيات، ثم ابن جني الذي جمع اللغة العربية وتحدث عن خصائصها وأسرارها، وأفرد لعلم الصوت كتابا خاصا، سماه: سر صناعة الإعراب.
ولدراسة اللغة من طرف العرب عدة أسباب، منها:
* انتشار ظاهرة اللحن في القرآن الكريم

*رغبة المسلمين في فهم القرآن الكريم والتعرف على أسراره
*رغبة المسلمين غير العرب في تعلم اللغة العربية لفهم القرآن الكريم
*اتصال التجار العرب بغيرهم من المسلمين، وهذا الاحتكاك نتج عنه تبادل لغوي، حتم على العرب البحث في اللغة العربية، وفي مدى تأثرها وتأثيرها في اللغات الأخرى.
وكل سبب نتج عنه علم خاص:
* فالأول، نتج عنه علم النحو
*والثاني نتج عنه علم البلاغة
*والثالث نتج عنه علم التفسير
*والرابع نتج عنه علم المعجم أو علم الدلالة

أصل اللغة العربية:

المعروف أن العربية والعبرية من اللغات السامية (نسبة إلى سام بن نوح عليه السلام) وأنهما كانتا لغة واحدة، فافترقتا، وفي اللغة العبرية كثير من الكلمات العربية.
والعربية من عرب، يعرب إعرابا، أي أفصح، وبين، وأوضح، وهي عكس الإعجام الذي بمعنى الإخفاء واللبس.
وينقسم العرب إلى ثلاث: عرب بائدة، وعرب عاربة، وعرب مستعربة.
وأصل العرب من اليمن التي اطلقوا منها نحو شبه الجزيرة العربية.
وأصل اللغة العبرية، من عبر، ومعناها انتقل من مكان إلى مكان آخر، ومنها قبيلة عبير، وكانت تسكن شبه الجزيرة العربية، وكانت معروفة بالترحال بحثا عن وسائل العيش من ماء وكلأ، وهناك من ينسبها لعابر، وهو جد إبراهيم عليه السلام، ومنه جاء أبناؤه العبرانيون، الذين دخلوا فلسطين واختلطوا بالكنعانيين والفينيقيين، وأخذوا منهم الحروف الأبجدية، والعرب أخذوها من الأنباط، والأنباط أخذوها من الآراميين

أهمية اللغة العربية:

تكمن أهمية اللغة العربية في كونها:
*ضرورة دينية: حيث أن القرآن الكريم والحديث النبوي باللغة العربية، ولا يمكن فهمهما فهما صحيحا إلا بها، والأصوليون يقولون: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
* ضرورة علمية، فالعلم الشرعي لا يحصل إلا بتعلمها . يقول الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه أصول الفقه: ” اتفق علماء الأصول على ضرورة أن يكون ( أي المجتهد ) على علم باللغة العربية، لأن القرآن …عربي، ولأن السنة التي هي بيانه جاءت بلسان عربي.
ويقول الإمام مالك رضي الله عنه: “لا أوتى برجل غير عالم بلغة العرب يفسر القرآن إلا جعلته نكالا. ”
*ضرورة اجتماعية: للتواصل مع أفراد المجتمع والأمة العربية،شفاهة وكتابة.
* ضرورة معرفية: لمعرفة ما تزخر به المكتبة العربية من علوم ومعارف.
*ضرورة وطنية: لمعرفة تاريخ الوطن وجغرافيته وما يروج فيه أو يحاك ضده.
ضرورة قانونية: لمعرفة الحقوق والواجبات العامة والخاصة. *
*ضرورة إنسانية: لنقل المعارف المتعلقة بثقافتنا وحضارتنا وتراثنا وديننا إلى الإنسانية جمعاء.
*ضرورة عقلية: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “تعلموا العربية، فإنها تشبب العقل، وتزيد في المروءة ” أي أنها تنمي الذكاء وتفتح العقل، وتحسن الأخلاق.
*ضرورة وجدانية: فالعربية بأساليبها البيانية والبلاغية الجميلة، لغة شاعرية تعلم الإحساس بالجمال والذوق الرفيع، والتعبير عما في الوجدان من مشاعر وعواطف وخلجات روحية.

مميزات اللغة العربية:

تتميز اللغة العربية بمجموعة من الخصائص والمميزات، اذكر منها:
*هي لغة القرآن، الرسالة الخاتمة التي ارتضاها الله تعالى للناس جميعا إلى يوم الدين.
**كثرة المترادفات: وذلك لكثرة اللهجات التي ضمتها اللغة العربية فمثلا كلمة السيف لها أكثر من مئة مرادف.

*الاشتقاق: أي أن مجموعة كلمات تصدر من مصدر واحد، وهو نوعان: اشتقاق أصغر (الكلمات التي تنشق من جذر واحد) واشتقاق أكبر، يشتق من الجذر السداسي . مثلا: الجذر، “ج ب ر” بتقليباته الستة: ج ب ر، ج ر ب، ب ر ج، ب ج ر،ر ب ج، ر ج ب، كل الكلمات المشتقة منها تدخل في معنى واحد وهو: القوة والشدة . يقال: جبر العظم، أي قوي، والجراب لأنه يحفظ ما فيه وفيه شدة، البرج، لعلوه وشدته، رجب لتعظيمه،الرجل الأبجر، أي القوي، وكذلك الرباجي، أي الشديد.
* مناسة الألفاظ للمعاني: بمعنى أن اللفظ العربي لم يوضع عبثا، بل له علاقة صوتية بالمسمى، قال الخليل: ” كأنهم توهموا في صوت الجندب استطالة ومدا فقالوا: صر، وفي صوت البازي تقطيعا، فقالوا: صرصر. وقال سبويه في المصادر التي جاءت على وزن الفعلان، إنها تأتي للاضطراب والحركة .

* قابليتها للتجديد والتطويروالتوليد: يقول عنها شاعر النيل:

وسعت كتاب الله لفظا واية ….وما ضقت عن آي به وعظاتي

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة ……وتنسيق أسماء لمخترعات

السبل الناجعة لتعلم اللغة العربية:

* القرآن الكريم، تلاوة وفهما وتدبرا وحفظا:

لأنه يتضمن رصيدا لغويا مهما، بأسلوب رائع أعجز ملوك الفصاحة والبيان من العرب، وقد قال عنه المغيرة: والله لقد سمعت كلاما ما هو من الإنس ولا الجن، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه.

* الحديث النبوي الشريف: فرسول الله صلى الله عليه وسلم، تعلم الفصاحة في البادية وأوتي جوامع الكلم، والحديث النبوي خزان كبير للغة العربية، لفظا وأسلوبا.

*الشعر العربي، ديوان العرب، وفيه من البيان لسحرا .قال ابن عباس رضي الله عنه: الشعر ديوان العرب، فإن خفي علينا الحرف من القرآن الذي نزل بلغتهم، رجعت إاى الشعر فالتمست معرفة ذلك.

*العلوم الشرعية: فقها وأصولا وتوحيدا وسلوكا وكلاما وسيرة وعلوم قرآن وحديث …

*الأدب، رواية وقصة ومقالة وخواطر، بما تتضمنه من أساليب بلاغية جميلة ورصيد لغوي يغني ثقافة القارئ ويحسن لغته.

*قواعد اللغة، صوتيا وتركيبيا وصرفيا وبلاغيا .

وإذا أردنا تصنيف هذه السبل، أمكننا جمعها في ثلاث:

/ مجال الجمع: الرصيد والأسلوب

/مجال الضبط: تقعيدا وتصويبا

/ مجال التصريف: تواصلا خطابا ونصا، كتابة وشفاهة .

وفق الله الجميع لتعلم اللغة العربية وخدمتها وتطويرها.

اظهر المزيد

محمد فاضيلي

قاص وأديب مغربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: