السبحة بين البدعة والجواز

أَمرُ التّسبيح لا يختلف فيه اثنان، فقد أمر الله به في آيات عديدة وندب إليه، وحث عليه النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة وشجع عليه. لكن الاختلاف وقع في التسبيح بآلة السبحة. فمن العلماء من جوزها واعتبر التسبيح باليد أفضل. ومنهم من أكد على التسبيح باليد فقط وما سوى ذلك من السبحة والآلات المحدثة فبدعة، بدعوى أولا: أنها لم تكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أمر بها ولا عرفها حتى أصحابُه رضي الله عنهم، فهي محدثة من بعده.
وثانيا: أنها تخالف هديه صلى الله عليه وسلم لقول عبد الله بن عمرو: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح بيمينه. وقالوا: ولو لم يكن في السبحة إلا سيئة واحدة فهي أنها قضت على سنة العدّ بالأصابع أو كادت. وأن ما قيل عن السبحة من حديث فضعيف وباطل. كحديث:” نعم المذكّر السبحة”. فقد خرّجه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في السلسلة الضعيفة (1/110). وبعد تضعيف هذا الحديث يستدلون في تبديع السبحة بما روى ابن وضاح في “البدع والنهي عنها” عن الصلت بن بهرام قال: مرّ ابن مسعود بامرأة معها تسبيح تسبح به فقطعه وألقاه، ثم مرّ برجل يسبح بحصى فضربه برجله ثم قال: لقد سَبقتم، ركبتم بدعة ظلما، ولقد غلبتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علما، وسنده صحيح إلى الصلت، وهو ثقة من أتباع التابعين.
أما من جهة من يجَوّز السبحة فيرى أن الأحاديث النبوية التي وردت في كيفية التسبيح لم تحرم العقد بنوى التمر والحصى، وإنما فقط دلّت من باب الاختيار والتيسير على الأفضلية باليد. وإلا كيف نفسر ما كان يفعله بعض الصحابة والصحابيات رضوان الله عليهم من التسبيح بنوى التمر والحصى والعقد بالخيط. فقد أخرج أبو داود والترمذي وحسنه، والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححه عن سعد بن أبي وقاص:” أنه دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة وبين يديها نوى أو حصى تسبح فقال: أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا وأفضل؟ قولي: سبحان الله عدد ما خلق في السماء ، سبحان الله عدد ما خلق في الأرض ، سبحان الله عدد ما بين ذلك ، وسبحان الله عدد ما هو خالق، الله أكبر مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك، ولا قوة إلا بالله مثل ذلك”. وأخرج عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائد الزهد من طريق نعيم بن محرز بن أبي هريرة عن جده أبي هريرة أنه كان له خيط فيه ألفَا عُقدة فلا ينام حتى يسبح به .
وأما ما فعله التابعون بعدهم وما أحدثوه من وسائل لعدّ ذكر الله بالآلاف وهم الأعلم والأقرب عهدا بالنبوة لخير دليل على أن في الأمر الإباحة وليس التحريم والنهي. ولم ينقل عن أحد من السلف ولا من الخلف المنع من جواز عدّ الذكر بالسبحة، بل كان أكثرهم يعدونه بها ولا يرون ذلك مكروها، وقد رئي بعضهم يعدّ تسبيحا فقيل له: أتعد على الله؟ فقال: لا ولكن أعدُّ له. والمقصود أن أكثر الذكر المعدود الذي جاءت به السنة الشريفة لا ينحصر بالأنامل غالبا، ولو أمكن حصره لكان الاشتغال بذلك يُذهب بالخشوع وهو المراد والله أعلم. وذكر القاضي أبو العباس أحمد بن خلكان في “وفيات الأعيان”[ص:6] أنه رئي في يد أبي القاسم الجنيد بن محمد رحمه الله يوما سُبحة فقيل له: أنت مع شرفك تأخذ بيدك سبحة؟ قال: طريق وصلتُ به إلى ربي لا أفارقه.
وفي جزء هلال الحفار، ومعجم الصحابة للبغوي، وتاريخ ابن عساكر من طريق معتمر بن سليمان عن أبي بن كعب عن جده بقية، عن أبي صفية مولى النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يوضع له نطع، ويجاء بزنبيل فيه حصى فيسبح به إلى نصف النهار، ثم يرفع فإذا صلى الأولى أتى به، فيسبح به حتى يمسي.
وأخرجه الإمام أحمد في الزهد، ثنا عفان، ثنا عبد الواحد بن زياد عن يونس بن عبيد عن أمه قالت: رأيت أبا صفية – رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكان جارنا – قالت : فكان يسبح بالحصى .
وأخرج ابن سعد عن حكيم بن الديلي أن سعد بن أبي وقاص كان يسبح بالحصى .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن مولاة لسعد، أن سعدا كان يسبح بالحصى، أو النوى، وقال ابن سعد في الطبقات: أنا عبيد الله بن موسى، أنا إسرائيل عن جابر عن امرأة حدثته عن فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، أنها كانت تسبح بخيط معقود فيها .
وأخرج أحمد في الزهد، ثنا مسكين بن نكير، أنا ثابت بن عجلان عن القاسم بن عبد الرحمن قال: كان لأبي الدرداء نوى من نوى العجوة في كيس فكان إذا صلى الغداة أخرجهن واحدة واحدة يسبح بهن حتى ينفدن.
وأخرج ابن سعد عن أبي هريرة أنه كان يسبح بالنوى المجزع، وقال الديلي في مسند الفردوس: أنا عبدوس بن عبد الله، أنا أبو عبد الله الحسين بن فتحويه الثقفي، ثنا علي بن محمد بن نصرويه، ثنا محمد بن هارون بن عيسى بن المنصور الهاشمي، حدثني محمد بن علي بن حمزة العلوي، حدثني عبد الصمد بن موسى، حدثتني زينب بنت سليمان بن علي، حدثتني أم الحسن بنت جعفر بن الحسين، عن أبيها عن جدها عن علي مرفوعا:” نعم المذكر السبحة” .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري أنه كان يسبح بالحصى .وأخرج من طريق أبي نضرة عن رجل من الطفاوة، قال: نزلت على إبراهيم ومعه كيس فيه حصى أو نوى فيسبح به حتى ينفد.
فهكذا تطورت وسائل التسبيح من الحصى والنوى والمعقود من الخيط إلى السبحة التقليدية ثم السبحة الآلة. ويبقى الأمر مباحا ما لم يخالطه التباهي والرياء والسمعة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: