الرحمة في التربية الإيمانية النبوية

يختلف خطاب التربية ونهجها وطرائقها بحسب المقصودين به حتى تؤتي أكلها النافع، وثمرها اليانع. وهذا أصل شرعي مكين في تربية الأنبياء لأقوامهم: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ[1]).

وكل النظريات التربوية والتجارب التعليمية تركز التركيز الأكبر على الأطفال باعتبارهم الجهة التي تحمل المشاريع التربوية والحضارية أصالة في الشعوب والأمم. وعلى قدر حسن تربيتهم وتوجيههم، يكونون خير حاملين لرسالة الرحمة التي يتشرفون بالانتماء إليها.

تتجلى معالم منهج الرحمة النبوية في تنشئة الأجيال من حيث الأساس الإيماني في المحافظة على الفطرة السليمة التي يولد عليها المولود ورعايتها أن تنحرف بفعل المؤثرات الواقعية، فيصفو قلب الطفل إزاء حقائق الإيمان بأركانه الستة المعروفة[2]، بمنهج تدرجي لطيف من خلال ما يلي:

أولا: إسماع فطرته كلمة الحق والإخلاص.

كلمة التوحيد وكلمة الإخلاص هي كلمة الفطرة، لذلك حرص الرسول صلى الله عليه وسلم أن تكون أول ما يرد السمع بعد الخروج من ظلمات الرحم إلى آفاق الحياة الدنيا، وآخر ما يخرج من الجوف بالحث على تلقين الميت من المؤمنين والمسلمين الكلمة الطيبة وشهادة الحق لتتردد الشهادة في كيان النفس الغاربة عن الدنيا وقت سفرها، عسى أن يُختم لها بالفطرة.. أي رحمة هذه!؟ وأي حنو هذا!؟ وأي رقة هذه!؟. إنه سلوك الأنبياء منذ سيدنا وأبينا إبراهيم عليه السلام: )وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ([3]، وعند البخاري رحمه الله تعالى: “باب الدعاء للصبيان بالبركة”.[4]

ولعل من الرحمة الربانية أن قصار السور تتضمن كبرى اليقينيات الإيمانية الفطرية حتى يسهل على النشء حفظها وتمثلها منذ الصبا، وسورتا الإخلاص والكافرون مثالان واضحان على ذلك. ومما لا شك فيه أن من أول اهتمام المصطفى في تبليغ نور النبوة ورحمتها كان بالأطفال، فلقد توجه صلى الله عليه وسلم أول ما توجه إلى سيدنا علي بن أبي طالب، ولما يكمل ربيعه العاشر بعد فدعاه للإيمان فآمن به ولازمه. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا حَضَرَتْ الصّلَاةُ خَرَجَ إلَى شِعَابِ مَكّةَ، وَخَرَجَ مَعَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مُسْتَخْفِيًا مِنْ أَبِيهِ أَبِي طَالِبٍ… وَذَكَرُوا أَنّهُ قَالَ لِعَلِيّ أَيْ بُنَيّ مَا هَذَا الدّينُ الّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ ؟ فَقَالَ يَا أَبَتِ آمَنْتُ بِاَللّهِ وَبِرَسُولِ اللّهِ وَصَدّقْته بِمَا جَاءَ بِهِ وَصَلّيْت مَعَهُ لِلّهِ وَاتّبَعْته. فَزَعَمُوا أَنّهُ قَالَ لَهُ أَمَا إنّهُ لَمْ يَدْعُك إلّا إلَى خَيْرٍ فَالْزَمْهُ .[5]

ومن عظيم رحمته حرصه صلى الله عليه وسلم على ألا تخرج نفس طفل ولو كان يهوديا إلا على كلمة الفطرة، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ غُلاَمًا يَهُودِيًّا كَانَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَعُودُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أَسْلِمْ، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ جَالِسٌ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَطِعِ أَبَا الْقَاسِمِ قَالَ: فَأَسْلَمَ، قَالَ: فَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ عِنْدِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ.[6]

وكذا كان دأب المستنين بسنة المصطفى من صلحاء هذه الأمة، قال ابن القيم: “فإذا كان وقت نطقهم فليلقنوا لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليكن أول ما يقرع مسامعهم معرفة الله سبحانه وتوحيده، وأنه سبحانه فوق عرشه ينظر إليهم ويسمع كلامهم، وهو معهم أينما كانوا..”[7]

ثانيا: بث حب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وآل بيته وأزواجه وذريته وترسيخ معنى التحاب في الله:

حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والحب في الله أحد أهم تجليات قيمة الرحمة. والناشئة في أمس الحاجة لبث هذه الخصلة في قلوبهم بكافة الوسائل حتى تغرس في نفوسهم بذرات اليقين في مراحل أولية من مراحل العمر، وقد نطقت بذلك صحاح الأخبار، من ذلك ما روي عن سيدنا أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنِ السَّاعَةِ، فَقَالَ مَتَى السَّاعَةُ قَالَ « وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا ؟» قَالَ لاَ شَيءَ إِلاَّ أَنِّى أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:” أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ ». قَالَ أَنَسٌ فَمَا فَرِحْنَا بِشَيءٍ فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم ” أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ “.قَالَ أَنَسٌ فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ.[8]

وكذا حب آل بيته وأزواجه الطاهرات، فلقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ذلك من أقرب القربات، أخرَج مسلمٌ في صحيحه من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قام خطيبًا في الناس فقال:” أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشَرٌ يوشِكُ أن يأتي رسولُ ربي فأُجيب، وأنا تارك فيكم ثَقَلين: أولهما: كتاب الله فيه الهدى والنُّور؛ فخُذوا بكتاب الله واستمسِكوا به“، فحثَّ على كتاب الله، ورغَّب فيه، ثم قال: “وأهل بيتي، أذكِّرُكم اللهَ في أهل بيتي، أُذكِّرُكم اللهَ في أهل بيتي، أُذكِّرُكم اللهَ في أهل بيتي“.[9]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه عز وجل “حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتواصين في، وحقت محبتي للمتناصحين في، وحقت محبتي للمتزاورين في، وحقت محبتي للمتباذلين في. المتحابون في على منابر من نور، يغبطهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء[10].

ثالثا: تعليم الناشئة دوام الذكر والدعاء:

قال عز من قائل يخاطب حبيبه ومصطفاه: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ[11]. وقال عز وجل في محكم كتابه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً[12]. وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ[13].

يفصّل المولى الرحيم في هذه الآيات مكانة ذكر الله عز وجل، فهو الأمر الأكبر والأعظم الذي من أجله شرعت العبادات، ويرفع إلى مقام التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن صفات المؤمنين الاطمئنان بذكر الله، فمن لا طمأنينة له بذكر الله لا يستكمل صفات الإيمان، هو غذاء القلب، وحصن المؤمن، وكذا الدعاء هو العبادة.

وتعليم النشء الإكثار من الذكر والدعاء باللسان أولا في المناسبات المعروفة، ثم على كل حال، ترويض للكيان القلبي ليخلص التوجه لله تعالى، ولقد كان الصحابة رضي الله عنهم يجتمعون بأبنائهم عند ختم القرآن رجاء بركته عَنْ ثَابِتٍ، أَنَّ أَنَسَ بن مَالِكٍ، كَانَ إِذَا خَتَمَ الْقُرْآنَ جَمَعَ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ، فَدَعَا لَهُمْ [14]، فعَنِ ابن عباس رضي الله عنهما. قَالَ لِرَجُلٍ: أَلَا أُطْرِفُكَ بِحَدِيثٍ تَفْرَحُ بِهِ؟ قَالَ: بَلَى يَا أَبَا عَبَّاسٍ يَرْحَمُكَ اللَّهُ قَالَ رضي الله عنهما: اقْرَأْ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ، فَاحْفَظْهَا، وَعَلِّمْهَا أَهْلَكَ، وَجَمِيعَ وَلَدِكَ وَصِبْيَانَ بَيْتِكَ، وَجِيرَانَكَ، فَإِنَّهَا الْمُنْجِيَةُ، وَهِيَ الْمُجَادِلَةُ. تُجَادِلُ وَتُخَاصِمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّهَا لِقَارِئِهَا، وَتَطْلُبُ إِلَى رَبِّهَا أَنْ يُنَجِّيَهُ مِنَ النَّارِ إِذَا كَانَتْ فِي جَوْفِهِ، وينجي الله تعالى بِهَا صَاحِبَهَا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ.


[1] ابراهيم:4

[2] الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى، ومفتاح ذلك الإيمان بالغيب.

[3] سورة البقرة: 131

[4] صحيح البخاري. كتاب الدعوات.

[5] – سيرة ابن هشام 1 / 246

[6] أخرجه البخاري في ” صحيحه، كتاب الجنائز، وصحيح ابن حبان – كتاب السير، باب الذمي والجزية – حديث 4962.

[7] ابن القيم. تحفة المودود بأحكام المولود. ص22

[8] صحيح البخاري، كتاب المناقب. باب مناقب عمر بن الخطاب أبي حفص القرشي العدوي رضي الله، حديث: ‏3506‏

[9] أخرَج مسلمٌ في صحيحه، كِتَاب فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ – ليأخذن بالراية غدا رجل يحبه الله ورسوله e .

[10] المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب البر والصلة. حديث: ‏7384‏ قال: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه

[11] العنكبوت: 45

[12] الأحزاب: 21

[13] الرعد: 28

[14] المعجم الكبير للطبراني. حديث: 673 . مجمع الزوائد ومنبع الفوائد : كتاب التفسير، باب الدعاء عند ختم القرآن

اظهر المزيد

د.عبد الصمد الرضى

رئيس شعبة التربية الإسلامية بالمركزالجهوي لمهن التربية والتكوين البيضاء- سطات. مدير المركز الدولي للبحث العلمي. مستشار ومؤلف في المجال التربوي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: