الدّعوة غاية الخلق (الحلقة 9): “يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا..”

كبرى العقبات التي تعترض الانسان الكادح إلى ربّه ليلاقيَه: الكِبْرُ والاستعلاء..

وقد يستعلى المرء بمال رُزِقَه أو ذكاء أوتِيَه أو حسن خِلقة لم يرسمه.. مع علمه -أو جهله- بأنّ لا يد له في أية واحدة من هذه العطاءات.. من هذا التفضّل المحض..

لكن هناك استعلاء وترف من نوع آخر.. استعلاء بالتدّين.. بل بمظاهره..

وهذا ترف.. والتّرف توسّع في النعمة..

 

والإسلام نعمة.. لكنه أمانة قبل ذلك..

 

وكما يصدّ المترفون المستكبرون عن سبيل الله، ويحاربون دينَ الله، فإن المترف بدينه قد يصدّ النّاس وينفّرهم.. وإنّ منّا لمنفّرين.. كما جاء في الحديث..

 

في بعض لقاءاتي مع الدّعاة وغير الدّعاة أظهر لهم صورة لامرأتين: واحدة (واسمها “غيثة” وهي من المغرب) تصلي وتدعو الله بالليل والثانية تسجد لبقرة (واسمها “ماهاتا” وهي من الهند).. ثم أسألهم “من الناجية؟” أو “من ستكون في موقف حرج أمام الله تعالى؟” يوم البعث..

يكون الجواب بديهيا عند الغالبية: المشكل في عابدة البقرة..

 

ثمّ يأتي الجواب مفاجئا مثل السهم الذي يأتي ليشير بأن المشكل في من تقوم الليل.. ليس في عابدة البقر..

 

هنا أبدأ –كما “توهّم” المحاسبيّ رحمه الله ورحمني الله- في سرد حوار خيالي بين المرأتين بعد الاستيقاظ من نومة الموت في مرحلة ما من يوم البعث حيث يتسائل النّاس بينهم..

  • غيثة: ماذا ستقولين لربّنا وقد خلقك ثمّ عبدت بقرة هو من خلقها.. عوض أن تشكريه على أن أخرجك إلى النور من العدم..
  • ماهاتا: الآن علمت أن هناك ربّا لم نره عندما كنّا في الأرض.. كلّ ما أذكر أنني منذ صغري كنت –كما كلّ أطفال بلدتنا الصغيرة النّائية – ننتظر بفارغ الصبر والشوق يوم العيد لنذهب إلى المعبد في المدينة لنرى تمثال البقرة “الأم” المذهّب والمحاط بالألوان وروائح المسك والبخور.. منظر يغرينا كما تغرينا قبله ثيابنا الجديدة التي ننتظر طلوع الصّباح لوضعها.. وكما تغرينا النقود الكثيرة التي كنا نجنيها خلال ذلك اليوم..
  • غيثة: لكن هذا “شرك”.. “كفر”.. “الإسلام” هو دين الله الذي سيقبله..
  • ماهاتا: لا أدري عمّ تتحدثين.. لا أعرف هذه العبارات الثلاث.. لم أعرف أبدا شيئا غير ما وجدت آبائي يفعلون.. ولحبّي لهم وثقتي بهم وبحكماء قبيلتنا صنعت مثل ما كانوا يصنعون..
  • غيثة: هذا ليس عذرا.. كان عليك أن تبحثي.. الانترنت موجود..
  • ماهاتا: عمّ أبحث.. ليس في قريتنا مدرسة ولا حتى كهرباء.. ونحن فقراء.. كان همّنا إحضار الماء من بعيد والعمل وتحضير الأكل يوميا لخمسة عشرة فردا في أسرتنا.. إنك لم تري ظروفنا..ثم إنّه لم يأت أحد لإخبارنا.. وأنت ماذا ستقولين لله ؟؟
  • غيثة: سأقول له أنني تقربت إليه بالفرض والنفل..
  • ماهاتا: وكيف عرفته وكيف عرفت ما افترضه عليك؟
  • غيثة: ولدت في فاس.. هناك مساجد في حيّنا.. نسمع الأذان للصلاة خمس مرات في اليوم.. وفي منزلنا مصاحف وكتب حديث لأن أبي (قالتها بفخر) تخرّج من اكبر جامعة دينية هناك.. هو من علّمنا أن الإسلام شهادة وصلاة وحج وصوم وبذل زكاة المال والوقت والعلم.. للمحتاجين..
  • ماهاتا: إذا.. لا فرق بيننا.. أنت كذلك وجدت آباءك على دين فدنت به.. لم تبذلى أي جهد لتناليه.. لم تختاري أن تولدي في فاس قرب معابدكم.. ولم تختاري أسرتك المتديّنة.. بل مع كل هذه الأفضال، لم تستكملي دينك حتى..
  • غيثة: كيف لم أستكمله و”أنا” كنت أقوم الليل وكنت أحفظ القرآن و..
  • ماهاتا: قلت إن في دينك زكاة للمحتاجين..
  • غيثة: نعم هي فرض بل ركن.. زكاة المال والوقت والعلم..
  • ماهاتا: ماذا لو سألكِ الله عنّي؟
  • غيثة: ولِمَ يسألني عنك؟
  • ماهاتا: إن الله عادل حتما.. ماذا لو سألك لماذا لم تبذلي من علمك بوجوده وتخبري “ماهاتا” المحتاجة.. فقد أعطاك ما لم يعطني.. وحتما “اذخر” لي شيئا ما..

 

ربّما تذكّرت “غيثة” أنّها لفرط تديّنها الجغرافي-الوراثي-الاعتيادي-الفردي-المنكفئ-المكتفي-الأناني.. لم تُعِرٍ اهتماما لأصل دينها العالميّ المتعدّي إلى خلق الله أجمعين..

 

نسيت “غيثة” أن الإسلام رسالة –قبل أن يكون مناسكا- وأنها –ولأنها- تلقت الرسالة فعليها -عدلا- إيصالها لمن لم تصله.. لا وضعها في درج “خاص” بعد التلذذ بقراءتها..

 

وكما كل المسلمين الذين يردّدون “الحمد لله على نعمة الإسلام” –في لحظة انتشاء بحجّ أو عمرة أو صدقة أو عند رؤية عابدين للبقر-.. نسيت غيثتنا أن الإسلام أمانة قبل أن تكون نعمة..

أمانة كبرى.. أبت السموات والارض والجبال حملها وأشفقن منها..

وحملها الانسان..

إنّه كان ظلوما.. جهولا..

 

تذكّرت “غيثة” اكتفاءها الذاتي بأعمالها.. وأعجابها بها..

 

وربّما تذكّرت -وتذكرنا معها- قوله تعالى..

 

(يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا، قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم، بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)..

اظهر المزيد

مصطفى شقرون

مدقق دولي ومستشار مالي واستراتيجي 27 سنة تجربة مهنية بشركات عالمية ومحلية كبرى كمدير مالي ومدير عام سافر عبر 47 بلدا في إطار العمل والسياحة الدعوية شاعر وملحن وكاتب معد ومخرج لوثائقيات في مقارنة المعتقدات "بساطة الحق" (The truth is simple)" ومعد لبرامج تلفزية أخرى اهمها "كتب قيمة" و"فقه الريادة" و "علوم أساطير"

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: