الحياة الإنسانية بين الزوال والبقاء من خلال الآية 46 من سورة الكهف

       إن البحث في كتاب الله تعالى عن معان وأسرار لا يماثله بحث على الإطلاق لدواع متعددة، لأنه كلام الله تعالى، وأنه معجز في نظمه، وأنه محفوظ لا يصيبه التحريف ولا التبديل، وأن البحث فيه حياة للباحث نفسه لارتباطه به عقديا، ثم إن كتاب الله تعالى حمال لمعان خالدة تتصل بحياة الإنسان وبواقعه.

 الإنسان في هذه الحياة القصيرة يتعلق بأشياء تتصل به وذلك لطبيعته الفطرية، ومنها المال والبنون، فيأتي القرآن الكريم ليُقوّم السلوك الإنساني ويوجهه الوجهة الصحيحة، ببيان حقيقة المال والبنين، وبتوجيه العمل إلى النفع المأمول المؤجل.

قال الله تعالى: ” الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ” سورة الكهف، الآية 46.

     تأتي هذه الآية من سورة الكهف في سياق حديث الله تعالى عن حقيقة الدنيا ويوم البعث. صدرت الآية بالمال والبنين لاتصالهما بحياة الإنسان في هذا الوجود، وشدة تعلق النفس البشرية بهما، وبالنظر في معاني الآية الكريمة نجد معنيين كبيرين ضمن مجموعة مؤلفة من الألفاظ؛ المعنى الأول زوال ملذات الدنيا، والثاني بقاء العمل الصالح.

المعنى الأول: زوال ملذات الدنيا.

    قال سبحانه وتعالى: ” الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا” هذا الشطر من الآية الكريمة يتركب من الألفاظ التالية: المال، البنون، زينة، الحياة، الدنيا.

ــــ المال: يعتبر المال في الإسلام كل ما يملكه الإنسان من نقد أو دار أو متاع، والطبيعة النفسية البشرية تميل إليه وتتعلق به، فهو معنى يرتبط بتعلق قلبي زائل.

والمال وسيلة يتخذها الإنسان لأجل التملك ويصرفه للحصول على حاجياته اليومية الضرورية والكمالية. بينما المؤمن يجعلها وسيلة لغاية التقرب لله عز وحل من خلال التصدق والإنفاق في سبيل الله على المحتاجين والفقراء وكل وجوه الخير، اعتقادا منه أن المال مال الله تعالى، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ﴾ سورة النور، الآية 33. ولهذا ربى رسول الله صلى الله عيه وسلم الصحابة الكرام على هذا التوجيه القرآني، فنالوا الرفعة في الدنيا والآخرة. ومثال ذلك لما دعا النبي عليه الصلاة والسلام إلى الإنفاق في سبيل الله، أتى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بنصف ماله ظانا أنه سبق أبا بكر رضي الله عنه، ولما حضر الأخير وضع بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ماله، عن زيد أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب  يقول: ( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق فوافق ذلك مالا، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما، قال: فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله عليه السلام: ما أبقيتَ لأهلِكَ ؟ قلت مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال يا أبا بكرٍ ما أبقيتَ لأهلِكَ ؟ فقال: أبقيتُ لهمُ اللهَ ورسولَهُ، فقلت: والله لا أسبقه إلى شيء أبدا).[1]

ــــ البنون: جمع ابن وفي اللغة ذكر ابن فارس(ت395ه) رحمه الله تعالى، مادة ” ب ن و”، فقال: ” الباء والنون والواو كلمةٌ واحدة، وهو الشيء يتولَّد عن الشيء، كابنِ الإنسان وغيره. وأصل بنائه بنو، والنّسْبة إليه بَنَويٌّ، وكذلك النسبة إلى بِنْت وإلى بُنَيَّات الطّريق. فأصل الكلمة ما ذكرناه، ثم تفرِّع العرب. فتسمّي أشياءَ كثيرةً بابن كذا، وأشياء غيرها بُنيتَ كذا، فيقولون ابن ذُكاء الصُّبح، وذُكاءُ الشّمس، لأنّها تذكُو كما تذكو النّار، وللمسافر: ابن السّبيل. وابنُ ليل: صاحبُ السُّرى. وابنُ عَمَلٍ: صاحب العملِ الجادُّ فيه. ” [2]

وفي الاصطلاح يعرف الكفوي رحمه الله الابن أو البنت، فيقول:” الِابْن: أَصله ” بني” بِالْيَاءِ لما قيل أَن معناه أنه يُبْنى على مَا بني أَبوهُ، والبنوة: لا تدل على كَونه بِالوَاو، كالفتوة، والفتى، شبه الْأَب بالأس وَالِابْن بما يبْنى عليه، (ونادى نوح ابْنه) أَي ابْن امْرَأَته بلغَة طَيئ وَقد قرئَ ابْنهَا، ويستعار الابْن فِي كل شَيْء صَغِير، فَيَقُول الشَّيْخ للشاب الْأَجْنَبِيّ: (يَا ابْني)، ويسمي الْملك رَعيته بالأبناء، والأنبياء فِي بني إِسْرَائِيل كَانُوا يسمون أممهم أَبْنَاءَهُم، والحكماء وَالْعُلَمَاء يسمون المتعلمين مِنْهُم أَبْنَاءَهُم…” [3]

من خلال المعاني المشار إليها يتبين أن الابن هو:

ـــ الذي ظهر بفعل الولادة من والد ووالدة.

ـــ رعية للمسؤول.

ــ المتعلم بالنسبة لمعلمه.

ــ من يكثر خدمته والقيام بأمره من قِبل الأب أو الأم.

 ــ الصغير بالنسبة للكبير.

هذا المعنى الأخير فيه دلالة على الارتباط والتعلق، لأن الطبيعة الإنسانية تميل دوما إلى ما هو صغير، ويزيد التعلق والميلان للعلاقة التربوية التي تربط الابن بأبويه، غير أن هذا التعلق زائل بإضافته إلى لفظ الزينة في الآية الكريمة.

ــــ الزينة: مصدر زين ومعناها عند ابن فارس(ت395ه): “(زين) الزاء والياء والنون أصل صحيح يدل على حسن الشيء وتحسينه. فالزين نقيض الشين. يقال زينت الشيء تزيينا. وازينت الأرض وازينت وازدانت إذا حسنها عشبها.” [4]

ولفظ الزينة في القرآن الكريم جاء بثلاثة معان، ذكرها الأصفهاني رحمه الله فقال:” والزِّينَةُ بالقول المجمل ثلاث: زينة نفسيّة كالعلم، والاعتقادات الحسنة، وزينة بدنيّة، كالقوّة وطول القامة، وزينة خارجيّة كالمال والجاه.”[5]

ــ الدنيا: مصدر دنى، عرف ابن فارس(ت395ه) رحمه الله (دنى) قائلا: “الدال والنون والحرف المعتل أصل واحد يقاس بعضه على بعض، وهو المقاربة. ومن ذلك الدني، وهو القريب، من دنا يدنو. وسميت الدنيا لدنوها، والنسبة إليها دنياوي.” [6]

     ذكر الله عز وجل الدنيا في القرآن الكريم مئة وخمسة عشر مرة وبأوصاف منها؛ دار لهو وتفاخر ولعب ومتاع وغرور وزينة، وبين الله عز وجل حقيقتها للمسلمين، كما رد سبحانه وتعالى كبرياء سادة قريش الذين كانوا لا يطيقون مجالسة رسول الله ومعه فقراء المسلمين من أمثال صهيب وبلال وخباب وسلمان رضي الله عنهم، مدعين أنهم أصحاب الجاه والشرف والفخر، فأتت آيات قرآنية تذم سلوكهم، وفي نفس الوقت تربي المؤمنين على التحلي بالتواضع والتخلي عن الكبر، واعتبار أن كل ما في هذه الدنيا من زينة في المال أو البنون فهي زائلة ومنقضية. قال الرازي (ت 606هـ) رحمه الله: ” وكل ما كان من زينة الدنيا فهو سريع الانقضاء والانقراض ينتج إنتاجا بديهيا أن المال والبنين سريعة الانقضاء والانقراض.” [7]

تناول القرطبي(ت 671هـ)رحمه الله الآية مبينا وجه الزينة في المال والبنون فقال: ” وإنما كان الْمَال والبنون زينة الْحَيَاة الدنيا لِأَن فِي الْمَال جمالا وَنَفْعًا، وَفِي الْبَنِين قُوة وَدَفعا، فَصَارَا زِينَة الْحَيَاة الدنيا، لَكِنَّ مع قرينة الصفة للمال والبنين، لأن المعنى: المال والبنون زينة هذه الحياة المحتقرة فلا تتبعوها نفوسكم. وهو رد على عيينة بن حصن وأمثاله لما افتخروا بالغنى والشرف، فأخبر تعالى أن ما كان من زينة الحياة الدنيا فهو غرور يمر ولا يبقى، كالهشيم حين ذرته الريح.” [8]

المعنى الثاني: بقاء العمل الصالح.

    تضمن الشطر الأول من الآية المدروسة(المال والبنون زينة الحياة الدنيا) معنى الزوال في نظم محكم، ثم انتقل الكلام في الشطر الثاني من الآية( والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا) إلى معنى مقابل للمعنى الأول وهو البقاء، للفت انتباه السامع إلى ما هو أهم في الحياة وهو العمل الصالح الذي يبقى أثره.

يقول الطاهر بن عاشور رحمه الله:”خولف مقتضى الظاهر هنا، فقدم (الباقيات) للتنبيه على أن ما ذكر قبله إنما كان مفصولا لأنه ليس بباق، وهو المال والبنون، كقوله تعالى: “وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع “سورة الرعد، الآية26 ، فكان هذا التقديم قاضيا لحق الإيجاز لإغنائه عن كلام محذوف، تقديره: أن ذلك زائل أو ما هو بباق والباقيات من الصالحات خير منه، فكان قوله: ” فأصبح هشيما تذروه الرياح” سورة الكهف، الآية 45، مفيدا للزوال بطريقة التمثيل وهو من دلالة التضمن، وكان قوله: والباقيات مفيدا زوال غيرها بطريقة الالتزام، فحصل دلالتان غير مطابقتين وهما أوقع في صناعة البلاغة، وحصل بثانيتهما تأكيد لمفاد الأولى فجاء كلاما مؤكدا موجزا.” [9]

وفسر الطبري رحمه الله تعالى الباقيات الصالحات: الصلوات الخمس، الذكر من تهليل وتكبير وحمدلة وتسبيح وحوقلة لورود حديث نبوي في ذلك، طاعة الله، الكلام الطيب، العمل الصالح،[10] ورجح الطبري القول في الباقيات الصالحات فقال: “وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: هن جميع أعمال الخير، كالذي روي عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، لأن ذلك كله من الصالحات التي تبقى لصاحبها في الآخرة، وعليها يجازى ويثاب، وإن الله عز ذكره لم يخصص من قوله (والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا) بعضا دون بعض في كتاب، ولا بخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.”[11]

  ودليل بقاء العمل الصالح من السنة الشريف حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مات الإنسانُ انقطع عنه عملهُ إلا من ثلاثةٍ: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) [12]. والمؤمن الموفق من جعل المال والبنون خدمة لدعوة الله تعالى، ينفق ماله في سبيل الله بإخراج الزكاة والتصدق في سبيل الله تعالى في وجوه البر والإحسان، ويربي ولده على طاعة الله ورسوله، فيغرس فيه حب الصلاة وهو صغيرا، ويوجه سلوكه إلى ما فيه الخير لنفسه ولغيره من المجتمع. وبهذا العمل الصالح الباقي يتحقق فيه قول الله تعالى( خير عند ربك ثوابا وخير أملا)؛ المأمول الذي يرجوه المؤمن هو أن يجد في صحيفته يوم لقاء ربه ثواب ذلك العمل، المتمثل في الانقياد لله تعالى بالكلية، بجعل كل ما يملك من الجاه والشرف في خدمة دين الله تعالى.

     الآية الكريمة اشتملت على معنيين متضادين الزوال والبقاء، وتضمنت رسالة للإنسان في هذه الحياة، ليختار ما ينفعه من الأعمال الصالحة التي يبقى أثرها حاصلا للمقبل عليها يوم القيامة.

 

المصادر والمراجع

1)التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور(ت1393هـ)، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984م.

2)الجامع لأحكام القرآن، القرطبي(ت671ه)، ت أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية، القاهرة، الطبعة الثانية، 1384هـ/ 1964م.

3)سنن الترمذي، أبي عيسى الترميذي(ت279ه)، ت أحمد محمد شاكر، مطبعة مصطفى الباني الحلبي وأولاده، الطبعة الثانية، 1398ه/1978م.

4)صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج النيسابوري، دار طيبة، الرياض، الطبعة الأولى، 1437ه/2006م.

5)الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية: أبو البقاء الكفوي (ت 1094هـ)، تحقيق عدنان درويش ومحمد المصري، الطبعة الثانية، مؤسسة الرسالة بيروت، 1419هـ/ 1998م.

6)معجم مقاييس اللغة، ابن فارس( ت395ه)، ت عبد السلام محمد هارون، دار الفكر،1399هـ/ 1979م.

7)مفاتيح الغيب، فخر الدين الرازي (ت 606هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، 1420هـ.

8)المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهانى (ت 502هـ)، ت صفوان عدنان الداودي، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، 1412هـ.

 

[1] سنن الترمذي، أبي عيسى الترميذي(ت279ه)، ت أحمد محمد شاكر، مطبعة مصطفى الباني الحلبي وأولاده، الطبعة الثانية، 1398ه/1978م، كتاب المناقب، باب في مناقب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، الرقم: 3675، ج5، ص614/615، وهو حسن صحيح.

[2] معجم مقاييس اللغة، ابن فارس( ت395ه)، ت عبد السلام محمد هارون، دار الفكر،1399هـ / 1979م، كتاب الباء، باب الباء والنون وما يثلثهما في الثلاثي، مادة ” ب ن و”، ج1، ص303/304.         

[3] الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية: أبو البقاء الكفوي (ت 1094هـ)، تحقيق عدنان درويش ومحمد المصري، الطبعة الثانية، مؤسسة الرسالة بيروت، 1419هـ/ 1998م، ص 26.

[4] معجم مقاييس اللغة، ابن فارس(ت395ه)، كتاب الزاي، باب الزاي والياء وما يثلثهما ، مادة” ز ي ن “، ج3، ص41.

[5] المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهانى (ت 502هـ)، ت صفوان عدنان الداودي، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى،1412هـ، ص388.

[6] معحم مقاييس اللغة، ابن فارس، ج2، ص303.

[7] مفاتيح الغيب، فخر الدين الرازي (ت 606هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، 1420هـ، ج21، ص467.

[8] الجامع لأحكام القرآن، القرطبي(ت671ه)، ت أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية، القاهرة، الطبعة الثانية، 1384هـ/ 1964م، ج10، ص413/414.

[9] التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور(ت1393هـ)، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984م، ج15، ص333.

[10] جامع البيان في تأويل القرآن، ابن جرير الطبري، ج18، ص31.

[11] المصدر نفسه، ج18، ص35/36.

[12] صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج النيسابوري، دار طيبة، الرياض، الطبعة الأولى، 1437ه/2006م، في كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته رقم1631، ج2، ص770.

اظهر المزيد

عبد المجيد المعلم

باحث في الدراسات الإسلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: