الحفاظ على أسرار البيت، من مؤشرات الحافظية عند المرأة.

المحاور الأساسية

مقدمة

أ – تعريف السر لغة واصطلاحا

ب – تعريف أسرار البيت

ج – الإنسان والأسرار

د – السر في القرآن الكريم

ه – احترام الإسلام للأسرار.

و – العلاقة بين الحافظية وحفظ أسرار البيت.

ز – عاقبة إفشاء الأسرار البيتية.

الخاتمة

*****

مقدمة

جاءت تعاليم القرآن وتوجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم بمبادئ تربوية واجتماعية سليمة، بما يكفل المحافظة على كيان المجتمع عموما، والأسرة المسلمة التي هي الخلية الأولى للمجتمع خصوصا، ويزيد متانة روابطها وتماسك علاقة أفرادها، فجعل للزوج القوامة، وللزوجة الحافظية، لتبقى العلاقة الزوجية سامية وسالمة من الأمراض المعنوية، والمشكلات الأخلاقية، والأحداث المؤلمة المبكية. وأمر الزوجين بالستر، وحفظ أسرار الأسر، ونهى عن كل قول وفعل يجلب للأسرة ضرراً أو يمنع عنها نفعاً.

أ – تعريف السر لغة واصطلاحا

أولا: السر في اللغة

السر ما أَخْفَيْتَ، كما يقول ابن منظور في لسان العرب؛ وكثيره أسرار، والسريرة مثيل السر وكثيرها سرائر؛ وكل سر مخفيٌّ بالضرورة، فالسر في اللغة يؤخذ من مادة (س ر ر) التي تشير إلى إخفاء الشيء؛ وكأن اللغة العربية قد احتاطت لاحتمال ظهور الأسرار وطبيعتها، فعدّت السر من ألفاظ الأضداد التي يمكن أن تستخدم في المعنى وعكسه، فيمكن أن يطلق السر على الإعلان أيضاً، مثلما جاء في قول الله تعالى: (وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ)[1]، أي: أظهروا الندامة؛ قال الزمحشري في الكشاف: (وقيل : أسروا الندامة : أظهروها، من قولهم: أسر الشيء وأشره إذا أظهره)[2].

ثانيا: السر اصطلاحا

عندما يذكر السر اصطلاحاً فإنه:

1 – يعبِّر عن (الحديث المكتّم في النّفس). برأي الرّاغب الأصفهاني.

2 – و« ما يسرُّه المرء في نفسه من الأمور التي عزم عليها». وهو عند الكفوي.

3 – أما مجمع الفقه الإسلامي فقد اعتبر السر كل: « ما يفضي به الإنسان إلى آخر مستكتماً إياه من قبل أو من بعد، ويشمل ما حفت به قرائن دالة على طلب الكتمان إذا كان العُرف يقضي بكتمانه، كما يشمل خصوصيات الإنسان وعيوبه التي يكره أن يطلع عليها الناس».

4 – أما العالم شريف بن إدريس فيضع تعريفاً جامعاً للسر بقوله: إن السر هو كل « ما يقوم في الذهن مقيداً بالكتمان».

وهكذا، يزداد السر تمنعاً عن تعريف واحد جامع. فرغم بساطته اللغوية، يصعب وضعه في إطار محدَّد، خاصة حينما يتعلَّق الأمر بالمفاهيم، لارتباط الأسرار بشتى مجالات الحياة: الشخصية، والأسرية، والسياسية، والعسكرية، والقانونية، والاجتماعية.

ب – تعريف أسرار البيت

يمكن أن نعرِّف أسرار البيت بأنها: جميع الأحداث والأحوال وما يصاحبها من أقوال وأفعال داخل الأسرة التي لا يرغب أحد أفرادها أن يعرفها الآخرون، وهذه الأسرار الأسرية قد تكون إيجابية وتعتبر أسرارا حسنة، أو سلبية وتعتبر أسرارا سيئة.

ج – الإنسان والأسرار

كل إنسان إلا وله أسرار في حياته، وكل إنسان إلا ويعرف أن محيطه يكتم عنه كثيراً من الأسرار. فكل المعارف والمشاعر ومكوّنات وعي الإنسان تنقسم إلى قسمين:

1 – قسم متبادل مع محيطه.

2 – وقسم يحتفظ به لنفسه أو ضمن دائرة مغلقة.

إن السر درع يحمي به الإنسان نفسه أو مصالحه من الآخرين. ولأن «الحماية» من مستلزمات الحياة، ومن شروط البقاء، لا عجب في أن تنطوي هذه الحياة على سلسلة من الأسرار تمتد من أعماق نفس الطفل، وحتى قيادات الدول والمجتمعات.

وقد يكون الاحتفاظ ببعض الأسرار مرهقاً ومكلفاً، ولكنه يبقى أقلّ تكلفة من إفشائه. ولذا، يبدو السر أشبه بملكية خاصة، تحميها الأعراف الأخلاقية، ومنها ما هو محميّ شرعا وحتى قانوناً.

ورغم أنه يقال: إن الإنسان كائن اجتماعي وثقافي ولغوي، إلا أن كل هذه الصفات لا تنفي عنه صفة السرية الملازمة لكثير من تفاصيل حياته. إننا اجتماعيون لأننا لا نستطيع العيش منعزلين عن الآخرين، وسرّيون لأننا لا نستطيع أن نعيش مكشوفين تماماً في حال الاتصال بالآخرين. ونحن ثقافيون لامتيازنا بالوعي والعقل وحُب المعرفة، لكننا سرّيون لأننا نحب أن نعرف أكثر مما نريد أن يعرفه الآخرون عنا.

ونفخر بكوننا كائنات لغوية تجيد التواصل، دون أن نسمع افتخاراً مشابهاً بالأسرار التي تميّزنا عن بقية الكائنات التي تعيش وتموت دون أن تشعر بوخز السر، أو تتعرَّض سلباً لتأثيراته عند كتمانه أو إفشائه.كأن السرّ يقسمنا إلى نصفين، فما زالت الحياة منذ وعينا بها، مقسّمة إلى مُكتَشَفات ومجهولات. كذلك، فإن بعض حياتنا الشخصية معروف للآخرين: ولادتنا، نشأتنا، تعليمنا، حالتنا الاجتماعية وغيرها، وبعضها الآخر نطويه بالكتمان طوعاً وإصراراً، نكشفه عندما نريد، ونخفيه عمّن نريد.

وللسرّ جاذبية تشدّ غرائز الآخرين إلى اكتشافه. ويمكن لسعي هؤلاء إلى اكتشافه أن يكون تطفلاً وعيباً سلوكياً، كما يمكنه أن يكون بحثاً حميداً. ألم تبدأ كل الاكتشافات الكبرى في تاريخ الإنسانية بملاحظة وجود سرٍّ غامض في موضع ما؟

د – السر في القرآن الكريم

ورد (السر) في القرآن الكريم بصورة مباشرة بلفظ (السر) ومشتقاته، وورد بصورة غير مباشرة في الآيات الحاضة على الوفاء بالعهود والأمانات والشرف والمروءة، وفي الآيات المحذِّرة من اللغو، والخيانة، وهتك الأستار والأعراض، والإساءات والأذى.

1 – من الآيات التي ورد فيها اسم (السر) صراحة:

قوله تعالى: (قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا).[3].

 وقوله تعالى: (وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى).[4].

وقوله تعالى: (سِرًّا وَعَلَانِيَةً).[5].

وقوله تعالى: (ويَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ).[6].

وقوله تعالى: (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ).[7].

وقوله تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ).[8].

وقوله تعالى: (وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ).[9].

وقوله تعالى: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا).[10].

وقوله تعالى: (تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ).[11].

وقوله تعالى: (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ)،[12] وغيرها من الآيات.

2 – من الآيات العامة التي حضَّت على احترام الأسرار وعدم إفشائها:

قوله تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا).[13].

وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ).[14].

وقوله تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ)، [15]. وغيرها من الآيات.

ه – احترام الإسلام للأسرار.

السر في الشريعة الإسلامية جزء من الإنسان، يجب احترامه معنوياً بحمايته من كل أذى، كما وجب احترام كيانه مادياً بعدم الإضرار به من أي جانب. ولهذا منع الإسلام إفشاء أسرار الآخرين، وحض على كتمانها، لما في إفشائها من ضرر على حياة الأشخاص والمجتمعات؛ وبهذا عدّ الإسلام إفشاء السر من المحرمات إذا ارتبطت بضرر.

ز – العلاقة بين الحافظية وحفظ أسرار البيت

الحافظية مفهوم منهاجي تحدث عنه الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله في تصوره المنهاجي التجديدي، ويتميز الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله بانتقائه للمصطلحات القرآنية، ونبذه للمصطلحات الغربية الدخيلة، لهذا فإن أصل هذا المفهوم هو قوله تعالى من سورة النساء: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ الله)[16]، ففي هذه الآية الكريمة بيّن سبحانه أن من صفات المرأة المسلمة: أنها صالحة في نفسها، مصلحة لغيرها، عابدة لربها، حافظة لما أوجب الله عليها حفظه، وليس حفظ المرأة لهذه الأشياء مقصورا عليها في حال غيبة زوجها عنها فحسب، بل ذلك يشمل غيبته وحضوره، فذلك واجب أوجبه الله عليها، ومسؤولية كلفها الله بها؛ فعن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها…” [17]، وفي قوله تعالى: (حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ) مدح وثناء للمرأة الصالحة بأنها تراقب الله في حال خلوتها، واختفائها عن نظر المخلوقين إليها، فهي تخشى الله في الغيب والشهادة، لكن أغلب المفسرين كابن كثير رحمه الله في تفسيره وغيره، اكتفوا بشرح الآية ظاهريا حيث جاء في تفسيره: ( وقوله: فالصالحات، أي : من النساء، قانتات، قال ابن عباس رضي الله عنهما وغير واحد: يعني مطيعات لأزواجهن، حافظات للغيب. قال السدي وغيره: أي تحفظ زوجها في غيبته في نفسها وماله)[18]، أما تفسير الطبري رحمه الله فجاء فيه في شرح هذه الآية: (وأما قوله: “حافظات للغيب“، فإنه يعني: حافظات لأنفسهن عند غيبة أزواجهن عنهن، في فروجهن وأموالهم، وللواجب عليهن من حق الله في ذلك وغيره،)[19]، أما القرطبي رحمه الله تعالى فقال: (“حافظات للغيب“، الغيب: خلاف الشهادة، أي حافظات لمواجب الغيب، إذا كان الأزواج غير شاهدين لهن، حفظن ما يجب عليهن حفظه في حال الغيبة من الفروج والأموال والبيوت، “بما حفظ الله“، أي بحفظ الله إياهن وعصمتهن بالتوفيق لحفظ الغيب، فالمحفوظ من حفظه الله، أي لا يتيسر لهن الحفظ إلا بتوفيق الله. أو المعنى: بما حفظ الله لهن من إيجاب حقوقهن على الرجال، أي عليهن أن يحفظن حقوق الزوج في مقابلة ما حفظ الله لهن حقوقهن على أزواجهن حيث أمرهم بالعدل عليهن وإمساكهن بالمعروف وإعطائهن أجورهن، فقوله: “بما حفظ الله“، يجري مجرى ما يقال: هذا بذاك، أي في مقابلته، وجعل المهايمي الباء للاستعانة حيث قال: مستعينات بحفظه مخافة أن يغلبن عليهن نفوسهن وإن بلغن من الصلاح ما بلغن. وفي سياق الكلام ما يشير إلى محذوف يفهم ضمنا وذلك أن الثناء عليهن من قبل الله تعالى يستوجب من الرجل إكرام المرأة الصالحة والإحسان إليها والرفق بها لضعفها)[20]، أما الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، فقد تناول هذه الكلمة بكثير من العناية والتدقيق في المفهوم، يقول رحمه الله: (أول ما نتبين من وظيفة المرأة في الآية الكريمة أنها حافظة للغيب. كلمتان توحي إحداهما بمفهومها أن هناك ما يضيع إن لم تحفظه، وتوحي الثانية بأن هناك غيبا وحضورا… الحفظ استمرار واستقرار، هما قطب السكون في الحياة الزوجية وحياة المجتمع. النساء بفطرتهن يحفظن استمرار الجنس البشري بما هن محضن للأجنة، وحضن للتربية، ومطعمات، وكاسيات ومدبرات لضرورات معاش الأسرة. هن المحضن لأجسام الأنام، والراعيات لحياتهم، والوصلة الفطرية بين أطراف البشرية، والواسطة بين جيل وجيل.)[21]، كما أشار إلى ضرورة الانتباه إلى كلمة مهمة داخل الآية الكريمة، يقول رحمه الله: (قبل أن ننظر في مجالات غيابه وحضورها نقف عند كلمات قرآنية هي المفتاح والدليل إلى توزيع المهام وتكاملها وشمولها. قال تعالى: “حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّه”، ما حفظ الله. ما هنا سواء اعتبرناها موصولية أو مصدرية تؤدينا إلى قراءة: بما حفظ الله، أي بحفظ الله، بالذي حفظ الله. أي أن حافظية المرأة هي تحمّل ما كلفها به الشرع، وما حفظه الله من آياته العاصمة للشرع: “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” [22].

حافظيتها إذا لا تقصُر على حفظ حقوق الزوج، بل تشمل كل حقوق الله المكلفة بها الزوج. حافظية الصالحات القانتات في المجتمع المسلم لا تقتصر على شُغل بيوتهن وإرضاء أزواجهن، بل تنطلق أولا من إرضاء الله عز وجل وترجع إليه… وهكذا نقرأ الحافظية بمفتاح الفهم النبوي، فنجدها شاملة، مسؤولية لا تنحبس في جدران بيت الزوجية، وفي هموم المعاش اليومي. الدين الذي هو رأس المقاصد وغاية الغايات، يُرْضَع من ثدي الأمهات الصالحات القانتات الحافظات. وتعهُّدُهن لجسوم الأطفال، ونباتها وغذائها وصحتها كتعهدهن للعقل الناشئ، يأمرن بالحسن، ويزجرن عن القبيح، ويجبن عن الأسئلة، ويلقِّنَّ اللغة.)[23].

إذن فالحافظية معنى عميق عظيم، خص به الله سبحانه المرأة دون الرجل، لما تحمله من دلالات وصفات أهمها طلب رضا وتقوى الله، ومراقبته في نفسها وفي بيتها وزوجها وأولادها ومجتمعها، تدل عليها بحالها ومقالها.

وفي الحديث الشريف قال –صلى الله عليه وسلم-: ( خير النساء من تسرك إذا أبصرت، وتطيعك إذا أمرت، وتحفظ غيبتك في نفسها ومالك )[24]، ‌قال المناوي: (ومن فاز بهذه فقد وقع على أعظم متاع الدنيا، وعنها قال في التنزيل: “قانتات حافظات للغيب“، قال داود عليه السلام: “مثل المرأة الصالحة لبعلها كالملك المتوج بالتاج المخوص بالذهب، كلما رآها قرت بها عيناه، ومثل المرأة السوء لبعلها كالحمل الثقيل على الشيخ الكبير”. ومن حفظها لغيبته أن لا تفشو سره، فإن سر الزوج قلما سلم من حكاية ما يقع له لزوجته لأنها قعيدته وخليلته)[25].

و – عاقبة إفشاء الأسرار البيتية

 ولإفشاء الأسرار الأسرية عواقب وخيمة على البيت بأكمله، سواء كانت إيجابية أو سلبية، وفشو الأسرار السلبية لا يخفى على أحد خطورتها على الفرد والأسرة والمجتمع، ولكن قد نستبعد عواقب إفشاء الأسرار الإيجابية، والحقيقة أنها عندما تذاع عند الآخرين فإنها قد تولد في نفوس بعضهم ما لا تحمد عقباه من حسد أو حقد أو كره ومكر، ولأن هذه العواقب تحدث حقيقة في نفوس بعض البشر. فقد حذّر يعقوب عليه السلام ابنه يوسف عليه السلام من إخبار إخوته بالرؤية التي رآها وهي ضمن الأسرار الإيجابية، قال تعالى في سورة يوسف: ( قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ )[26]. فالحدث إيجابي، ورغم ذلك أوصى يعقوب يوسف عليهما السلام بعدم إفشائه حتى لإخوته لكيلا يحدث شيء من تلك العواقب السيئة. وقد قيل: “ما كل ما يُعلم يُقال، وما كل ما يقال، يقال في كل الأحوال ولكل الناس”.وقد تكون الأسرار الزوجية سلبية – إما خُلقية أو خَلقية – وعندما تذاع هذه الأسرار يقع المتحدث بها أولاً في الغيبة التي حرمها الله عز وجل وتوعّد عليها رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: (وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا )[27]، ويسيء ثانيا إلى الفرد والأسرة والمجتمع.

الخاتمة

بُعث الرسول صلى الله عليه وسلم ليتمم مكارم الأخلاق، وكان خلقه القرآن، وحفظ الأسرار بميزان الشرع يعد أدبا إسلاميا وأخلاقيا عاما، وإفشاء ما يجري بين الزوجين والذي اعتبره المولى تعالى “غيبًا” لا يليق بمكارم الأخلاق، ولا يتفق مع ذوق المسلم وحسه المرهف، ولا يفعله إلا أصحاب القلوب المريضة والعقول الفارغة، وبما أن الزواج علاقة لها خصوصيتها وأسرارها، وهي علاقة يؤتمن فيها الزوجان على أسرار بعضهما، فلا ينبغي أن يفشي أحدهما سر صاحبه، لأنها أشد خصوصية عن أي أسرار أخرى، سواء كانت تلك الأسرار؛ خاصة بالعلاقة الزوجية أو بمشكلات البيت، وإفشاء الأسرار بدون دافع قهري، من شأنه أن يجهض الولاء للأسرة عامة، وللحياة الزوجية خاصة، ويزرع الشكوك والظنون وانعدام الثقة، كما أن إخراج المشكلة خارج البيت، يعني استمرارها واشتعال أوارها، خصوصاً إذا وصلت إلى أهل أحد الزوجين، فلن يكون الحكم عادلاً في الغالب، لأنهم سيسمعون من جهة واحدة، وقد تأخذهم الحمية تجاه ابنهم أو ابنتهم. فلنتخلق بأخلاق القرآن، ولنحافظ على أسرار بيوتنا، سواء في حالة الرضا أو الغضب، وكما لا يحب أي أحد أن تكشف أسراره فكذلك سائر الناس، وكما تدين تدان.

ولله الحمد والمنة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

[1][سورة يونس، من الآية 54].

[2] [الكشاف، أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله (المتوفى : 538هـ)، (3/ 29، بترقيم الشاملة آليا.].

[3][سورة الفرقان، الآية 6].

[4][سورة طه، الآية7.].

[5][سورة إبراهيم، الآية31].

[6][سورة التغابن، الآية 4.].

[7][سورة الملك، الآية 13].

[8][سورة التوبة، الآية 78.].

[9][سورة يونس، الآية 54.].

[10][سورة التحريم، الآية 3.].

[11][سورة الممتحنة، الآية 1.].

[12][سورة الطارق، الآية 9.].

[13][سورة الإسراء، الآية 34.].

[14][سورة الأنفال، الآيات 27- 28.].

[15][سورة النساء، الآية 83.].

[16][سورة النساء، الآية 34.].

[17][رواه البخاري(ح893) واللفظ له، ومسلم(ح1829).].

[18][تفسير القرآن العظيم، عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي، مؤسسة الريان، بيروت، ط 2، 2006 ج 1، ص:551.].

[19][جامع البيان في تأويل القرآن، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى : 310هـ)، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1420 هـ – 2000 م، (8/ 295).].

[20][تفسير القاسمي محاسن التأويل 5 /131، والقرطبي 2/1835، وأيسر التفاسير لأبي بكر الجزائري 1/473.].

[21][تنوير المؤمنات، الإمام عبد السلام ياسين، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1996، ج2/88.].

[22][سورة الحجر، الآية: 9.].

[23][تنوير المؤمنات، الإمام عبد السلام ياسين، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1996، ج2/89 -92.].

[24][حديث صحيح، رواه الطبراني عن عبد الله بن سلام انظر حديث رقم: 3299 في صحيح الجامع السيوطي / الألباني.].

[25][فيض القدير للمناوي 2/154.].

[26][سورة يوسف، الآية 5.].

[27][سورة الحجرات، الآية 12.].

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: