التعليم زمن الاضطهاد والمحن

أصبح التعليم والتكوين في عصرنا وفق خيط ناظم يشمل المناهج والبرامج والكفاءات والأهداف والتقويم والتقييم عبر المؤشرات والمخرجات، مع اعتماد النسب والإحصائيات، وكذا مراعاة الزمان والمكان ومتطلباتهما…، ولا ننسى استحضار العنصر البشري “الإنسان ” في العملية التعليمية سواء كان معلما أم متعلما أم مشرفا. وبالرغم من هذا كله قد تحضر النتائج المحمودة وقد تغيب وتتخلف.

هذه المواصفات والمتطلبات لك -في الحالات العادية- أن تستحضرها وتناقشها، وتقدم الأهم وترجئ غيره، وتغير الأهداف، وتعدل المؤشرات، وتطور المقاييس والمعايير، وتبدع في الوسائل والآليات… أما حالات الاستثناء الموسومة بالاضطهاد والابتلاء والمحن فلها اعتبار آخر ووضع مغاير يعول فيه أساسا على الروح التي تصاحب العملية التعليمية ولا تنفك عنها، ويتطلب الأمر علو الهمة وقوة الإرادة وشحذ العزيمة كما يستدعي الإصرار وطول النفس واليقين في الأمر .

ونقف هنا على نماذج من تاريخ المسلمين، حيث عرف حالات استثنائية تميزت بالظلم والاضطهاد والمحن، وصلت أحيانا حد الحرق والقتل.

وأقوى الأمثلة وأولها في بداية الدعوة النبوية “التعلم والتعليم ببيت الأرقم بن الأرقم”، فكان الرسول المعلم صلى الله عليه وسلم ومن معه من التلاميذ كبار الصحابة والسابقين الأولين يلجؤون إلى دار الأرقم سرا وخفية بعد أن ازدادت حدة الاضطهاد وتفشى إيذاء المشركين، فكانوا يؤدون الصلاة ويتعلمون القرآن ويتدارسونه بينهم، ويتلقون الجديد من الوحي، وقد أسند للأرقم الإشراف على بعض حلق العلم والذكر والتلاوة التي كانت تدار بداره لسبقه في الإسلام، ولعدم انقطاعه عن مجالسة الرسول صلى الله عليه وسلم وأيضا لإتقانه التلاوة وفهمه لمعاني القرآن وألفاظه ومعرفته بالإسلام وشرائعه.

وقد خرجت هذه المدرسة المحدودة في الزمن والعدد كبار الصحابة الذين صاروا معلمين وأساتذة الدعوة، ولم تكن غاية المدرسة وقصدها حفظ سور وآيات وضبط معلومات ومعطيات فحسب، بل كان هدفها إسكان حب الله ورسوله القلوب، وغرس اليقين في مستقبل الدعوة، واستحواذ هم الدين على باقي الاهتمامات والانشغالات ثم جعل الارتباط بالآخرة وبما عند الله من أعلى وأغلى المطالب.

وقد أبدع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابتكروا طرقا ووسائل للتعليم والتكوين تماشيا مع واقع الظروف الاستثنائية ومتطلبات المعيشة، فكان ابن الخطاب يتناوب مع جار له في طلب العلم وتعلمه، قال عمر : (كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل يوما وأنزل يوما، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك)[1]، وهذا الحديث بين حرص الصحابة على تلقي العلم ومتابعة أمر الإسلام دون إغفال النظر في أمر المعاش والأهل. كما يسجل الحديث الحزم في السؤال عما فات يوم الغياب، ومبدأ التناوب هذا يجعل أستاذ اليوم طالب الغد وطالب اليوم أستاذ الأمس والغد.

ومن أجل معالم التعلم والتعليم زمن الطوارئ ما جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فداء لأسرى بدر فقد جاء في مسند الإمام أحمد عن ابن عباس: (كان ناس من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة)[2].

ومن الطرق التي اهتدى إليها بعض السلف في طلب العلم زمن الاضطهاد والمحن ما ذكرته كتب الطبقات عن بقي بن مخلد الأندلسي، فيما رواه الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة بقي بن مخلد[3]، وهو رجل رحل من الأندلس إلى بغداد طلبا للحديث ففجعه خبر محنة الإمام أحمد، لما وضع في إقامة جبرية تمنعه من مجالسة الناس وتعليمهم ، فابتكر حيلة تؤمن له ملاقاة الإمام والتلقي عنه، وقنع بسماع حديث واحد في اليوم ، لكن فضل الله كان أعظم ، فهذا مثال شاهد على علو الهمة وقوة الإرادة وحسن الاعتماد على الله ، فما يطلبه المرء بالله يتيسر وما يطلبه بنفسه أو بالخلق يتعسر .

وننتقل إلى مثال آخر ومكان مغاير لكن بنفس الظروف والملابسات: الظروف الاستثنائية والاضطهاد والمحن والابتلاءات، ويتعلق ببلاد الأندلس بعد سقوطها وطرد المسلمين منها وإجبار من بقي منهم على التنصير، والقصة يحكيها محمد بن عبد الرفيع الجعفري المرسي الأندلسي أحد علماء تونس، وقد عاش التعلم والتعليم زمن القهر والاضطهاد[4]، حيث كان يعلم ابنه بمنهجية فيها عدد من القيم السامية والعبر والعظات العالية ومنها:

  • قوة إيمان الوالد وشجاعته، فقد عرض نفسه للحرق والقتل وغامر من أجل تعليم الدين لأبنائه وكأنه يمتثل وصية سيدنا إبراهيم (يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون).[5]
  • حرص الوالد المعلم على أداء الرسالة العلمية الدينية مع أخذ الاحتياطات القصوى في السرية والتخفي حتى من أقرب الناس.
  • اختبار الوالد الولد في التكتم على أمر العلم باستمرار، بل كان يوعز لبعض أفراد العائلة لمحاولة الضغط على الولد وإقراره بما يتعلم.
  • اعتماد الوالد التدريب والتقريب وسؤاله عما يتعلمه الولد في مكتب النصارى، وتعليم الابن ما يقابل ذلك في لغته ودينه.
  • لم يكتف الوالد المعلم بتعليم الابن المعلومات والمعطيات عن الدين من أجل معرفتها وترديدها عند الحاجة بل رسخ فيه روح الإسلام وعلمه اليقين في دين الله وبث فيه ما يحصنه من مخالطة النصارى وكنائسهم .

ومثل هذا النموذج تجده أيضا في بلاد الاتحاد السوفياتي سابقا إبان الثورة حيث سنت قوانين وأصدرت قرارات تصب في حظر الأديان وتجريمها وخاصة الإسلام، وشددت العقوبات على من يقتني نسخة من المصحف الكريم فضلا عن تعلم مبادئ الإسلام ، فامتلأت السجون والمعتقلات بل واكتظت المقابر بضحايا تلك السياسات. وقد ذكر ذ .شعبان عبد الرحمن[6] بعض ذلك نقلا عمن عايش تلك المدارس طالبا وأستاذا، قال: (لكن المسلمين لم ييأسوا رغم القبضة الحديدية عليهم هكذا قال لي الشيخ عبد الله نوري – يرحمه الله – أحد قادة الصحوة الإسلامية في أوزبكستان ومؤسس الحزب الإسلامي فيها، فأخذوا يعلمون أطفالهم تعاليم الإسلام ويحفظونهم القرآن والسنة في مدارس سرية كانت تنعقد في بيوت سرية ويظل الطلاب فيها مع مدرسيهم عدة أشهر دون خروج حتى لا تقبض عليهم الشرطة بتهمة تعلم الإسلام. ويضيف الشيخ نوري الذي مات مسموما قبل سنوات قليلة علي يد الحكومة الأوزبكية الشيوعية، يضيف: وقد خرجت تلك المدارس التي كنت أحد طلابها يوما ثم أحد مدرسيها أجيالا من حفظة القرآن العارفين بمبادئ الإسلام وقد كان هؤلاء هم أساس الصحوة الإسلامية التي تشهدها جمهوريات آسيا الوسطي اليوم).[7]

شهادة رجل مبارك شهد العملية التعليمة، فتعلم القرآن وعلمه، ودرس مبادئ الدين الإسلامي وخرج أجيالا من العلماء والدعاة، كل ذلك في سرية وتخف تامين، يغيب المعلم والمتعلم بالشهور ذوات العدد خشية “تهمة تعلم الإسلام “، فكتب النجاح للعملية التعليمية بفعل الإيمان بالرسالة واليقين بتأييد الله تعالى وكذا الهمة العالية وطول النفس والاعتماد على الله عز وجل .

وفي عصرنا الحالي نسمع عن تجارب مماثلة في غزة الأبية حيث التعليم يحتل مرتبة مرموقة في الوطن العربي مع وجود الحصار الدائم من الإسرائيليين والمصريين والحرب المدمرة.

خاتمة:

إن الأمثلة والنماذج السابقة للعملية التعليمية متعددة ومختلفة في الزمان والمكان قاسمها المشترك أنها عاشت تحت الاضطهاد والابتلاء والمحن بل صاحب بعضها السجن والإقامة الجبرية ووصل التهديد لبعضها بالحرق والقتل، وكتب لها النجاح بفعل قوة الإيمان بالله ووعده ورسالة الإسلام فأكسبت المعلمين والمتعلمين على السواء قوة الإرادة وعلو الهمة ومضاء العزيمة، فصارت رسائل للعبر والعظات عبر الأجيال.

——————————–

 صحيح البخاري :كتاب العلم باب التناوب في العلم[1]

[2] مسند الإمام أحمد عن ابن عباس رقم 2216

[3]سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي ج 13 ص 292-293

[4] التحرير والتنوير لابن عاشور ج  11 ص  49 ، وانظر دعوة الحق رمضان عدد249 /1405 -1985

[5] سورة البقرة آية :131

[6]  مدير تحرير مجلة المجتمع والشعب سابقا

[7]   ملتقى شذرات  :فبراير 2016 .

اظهر المزيد

د. إبراهيم الهلالي

دكتوراه في القراءات. باحث في العلوم الشرعية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: