التعصيب بين الإعمال والإهمال

في خضم الحديث عن قاعدة التعصيب بين العمل بها أو إلغائها أحببت أن أشارك بالإجابة عن أسئلة أرجو أن تكون مفيدة.

هل يوجد التعصيب في القرآن؟

تبث الإرث بالتعصيب في القرآن في آيتين مشهورتين في سورة النساء وهما:

أ‌-         “وَلأَبَوَيْهِ لَكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ

ذكرت الآية نصيب الوالدين في وجود الفرع الوارث وهو السدس لكل واحد منهما وعند انعدام الفرع الوارث نصت الآية على نصيب الأم دون الأب ففهم منه أن للأب الباقي تعصيبا وهو الثلثان.

ب- “.. يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَٰالَةِ إِنِ ٱمْرُؤٌاْ هَلَكَ لَيْسَ لَهُۥ وَلَدٌ وَلَهُۥٓ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُوٓاْ إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ ” وتبين أن الأخ يرث مال أخته الميتة كله إن لم تترك لا ابنا ولا أبا.

وقد تولى – سبحانه – الإِجابة مع أن المسئول هو النبي صلى الله عليه وسلم، للتنويه بشأن الحكم المسئول عنه، ولتأكيد أن المواريث من الأمور التي تكفل الله ببيانها وتوزيعها وحده، فلا يصح لأحد أن يخالف ما شرعه الحكيم الخبير في شأنها فهو – سبحانه – أعلم بمصالح عباده، وأرحم بهم من آبائهم ومن أبنائهم، ومن كل مخلوق. [1]

هل يوجد التعصيب في الحديث الشريف؟

عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر”[2].

وعن عبد الله ابن مسعود قال: لأقضين فيها بقضاء النبي صلى الله عليه وسلم أو قال النبي صلى الله عليه وسلم: “للابنة النصف ولابنة الابن السدس وما بقي فللأخت”. [3]

هل عمل الصحابة الكرام بالتعصيب؟

روى البخاري بإسناده عن الأسود قال: قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم النصف للابنة والنصف للأخت.

قال الشوكاني عن قضاء معاذ بن جبل رضي الله عنه: (فيه إشارة إلى أن معاذا لا يقضي بمثل هذا القضاء في حياته صلى الله عليه وسلم إلا لدليل يعرفه، ولو لم يكن لديه دليل لم يعجّل بالقضية).

و عن هزيل بن شرحبيل قال: جاء رجل إلى أبي موسى وسلمان بن ربيعة فسألهما عن الابنة وابنة الابن وأخت لأب وأم، فقال: للابنة النصف وللأخت من الأب والأم ما بقي، وقالا له: انطلق إلى عبد الله فاسأله فإنه سيتابعنا، فأتى عبد الله فذكر ذلك له وأخبره بما قالا، قال عبد الله: قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين، ولكن أقضي فيهما كما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم للابنة النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين وللأخت ما بقي، »وزاد أحمد: فأتـَوْا أبا موسى فأخبروه بقول ابن مسعود، فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحَبرْ بين أظهركم. ونقل ابن حجر عن ابن عبد البر: (لم يخالف في ذلك إلا أبو موسى الأشعري وسلمان بن ربيعة الباهلي وقد رجع أبو موسى عن ذلك ولعل سلمان أيضا رجع كأبي موسى).

هل اختلف الصحابة في العمل بالتعصيب؟

أثر عن ابن عباس أنه قال: «لابنته النصف وليس لأخته شيء ما بقي هو لعصبته»، فقال له الرجل: إن عمر قد قضى بغير ذلك، قد جعل للأخت النصف وللبنت النصف، فقال ابن عباس: «أنتم أعلم أم الله؟» يريد قوله تعالى: إِنِ ٱمْرُؤٌاْ هَلَكَ لَيْسَ لَهُۥ وَلَدٌ وَلَهُۥٓ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ “ قال ابن عباس: “فقلتم أنتم لها النصف وإن كان له ولد”.

و”لم يوافق ابن عباس أحد على مذهبه في هذا الباب إلا أهل الظاهر فإنهم احتجوا بقوله تعالى: (إن امرؤ..)[4]

ورد عليه العلماء إن معنى الولد هنا الذكر دون الأنثى، والولد من الألفاظ التي لها معنى مشترك، والحديث الصحيح خصّ هذه الآية دون غيرها من الآيات، ويجوز تخصيص عموم القرآن بالحديث، إذ الحديث مفسر للقرآن ومبين[5].

وأرى ان علينا اتباع سنة رسول الله وصحابته من بعده ولنا في سيدنا عمر القدوة الحسنة فقد أشكل عليه أمر الكلالة حكى عن نفسه “.. ما راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما راجعته في الكلالة وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه حتى طعن بإصبعه في صدري وقال: يا عمر ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء.

فما الذي أشكل على سيدنا عمر وهو العربي الفصيح الذي يرى بنور الله ووافق قوله التنزيل أكثر من مرة.

فالأمر إذن ليس بالواضح ولا السهل الهين بما أنه شغل سيدنا عمر حياته كلها وتمنى لو حضي بجواب شاف واضح من رسول الله فعن ابن عمر قال سمعت عمر بن الخطاب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “..ثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه: الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا”.

وجاء عنه في صحيح مسلم قوله: “أن عمر بن الخطاب خطب يوم جمعة فذكر نبي الله صلى الله عليه وسلم وذكر أبا بكر ثم قال إني لا أدع بعدي شيئا أهم عندي من الكلالة وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن”.

ختاما

ختاما وبناء على ما سبق فإن ما جاء صريحا في الكتاب والسنة وعمل به الصحابة رضي الله عنهم والتابعون في العصور الأولى لا مجال فيه للاختلاف أو الاجتهاد.. أما ما جاء غير صريح لغاية أرادها الله تعالى، مما جعل العمل به يحتمل وجوه عدة فيمكن إبداء الرأي فيه من داخل الشريعة لا من خارجها، وانسجاما معها لا تفلتا منها، وتحقيقا لمقاصد الشريعة الكبرى وأهمها إحقاق العدل ونفي الظلم الذي جعله الله عز وجل محرما بيننا في كل المجالات..

كما ان العديد من الحقوق والاعتبارات المرتبطة بعلاقة بعض الورثة بالهالك كالاعتناء به في حياته أو العطف عليه أو مساعدته في بناء ثروته فيمكن استيفاؤها بل يجب استيفاؤها في حياته وقبل موته لأنها إما أن تكون من الحقوق العينية أو من الديون التي لا يجوز اقتسام الإرث إلا بعد استيفائها. وقد قننت الشريعة أحكاما[6] تحافظ عليها يجب البحث عنها وإعمالها بدل إهمال قواعد ثابتة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – الوسيط للطنطاوي

[2] – متفق عليه صحيح مسلم كتاب الفرائض الحديث 1615

[3] – صحيح البخاري/ كتاب الفرائض/ ح6361

[4] – انظر شرح صحيح البخاري لابن بطال ج 8/ص355

[5] – انطر المغني لابن قدامة ج9/ص10

[6] – حق الكد والسعاية، العمرى،…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: