منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التطرف بين تحريف الآيات والدعوة لإبطالها

1
اشترك في النشرة البريدية

من البديهي أن يتحدث المثقف اللاديني عن تعطيل آيات الوحي ما دام لا يؤمن بها جملة، مستثمرا سوء الفهم لبعضها (آيات الجهاد مثلا) وضعف التفقه في مضامينها وأحكامها فضلا عن إدارك مقاصدها، ناهيك عن التوظيف غير الإنساني واللاأخلاقي من البعض لأبعادها ومخرجاتها؛ وإذا كان هذا حال اللاديني فإن المستغرب حقيقة أن يستمر الدياني في مجاراة هذا التهميش الصريح لأقسام معتبرة وعريضة من مباحث التشريع الإسلامي والتغاضي عن تدريسها أو المرور عليها مرور الكرام وكأن في الأمر إقرارا بما يراه أولئك أو حساسية تجاه ما يقوله أولئك، والحال أنه لا يوجد مسلم لا يؤمن بعدالة هذه الشريعة وصلاحية أحكامها بما تستقيم به أحوال الناس الدينية والدنيوية على مدار الزمان والمكان، فالمطلوب أن تدرس هذه الابواب المستشكلة -من هؤلاء- للناشئة وللطلاب وفق ما تقتضيه متطلبات النقل الديداكتيكي لكل مرحلة عمرية ومعالجة التمثلات الخاطئة التي يتم تلقفها من هنا أو هناك. فالحل لمعالجة الخلل في فهم آيات القرآن يتحصل بتعميق المعرفة والتعليم لا بإبطال الآيات على طريقة الاستئصاليين المتطرفين الذين أصابهم عماء البصيرة، فسياسات التجفيف والاستئصال انتهجها الصليبيون مرارا والبلشفيون والبوديون ببورما والأتاتوركيون بالأناضول وتنتهجها الصين حاليا وجربت ذلك نظم عربية عديدة، فلم تؤدي إلا إلى مزيد من التدين، وربما أنتج هذا التطرف اللاديني تطرفا دينيا أشد وأعتى لما يغذيه الشعور بالمظلومية لدى الكثيرين، وربما تسبب في صدامات ومآسي أليمة.
إن الحل لتجاوز أزمة التحريف أو “سوء الفهم” لآيات الجهاد يتحصل بإقرار تدريس باب الجهاد والسير للناشئة والطلاب حتى يتحصنوا بالفهم الصحيح والسليم، المبني على المقاصد الكلية للتشريع الإسلامي، موصولة بأصول النظرية الأخلاقية الإسلامية وقواعد السياسة الشرعية المنظمة لشؤون الدولة والمجتمع الداخلية والخارجية، وقد كان نظر علماء الإسلام عميقا حين عقدوا ضمن كتب الفقه قسما للجهاد والسير ولم يعدوا الجهاد بابا مستقلا عن باقي أحكام السير، أو يحصروه في أعمال الحرب والقتال، لأنهم نظروا لمبحث الجهاد في صلته العملية بسياسة الدولة الداخلية والخارجية، فنجد محمد بن الحسن الشيباني في كتابه النفيس في فقه الجهاد والسير اشتهر بالسير الكبير، ويعده كثير من الباحثين المعاصرين أول منظر للعلاقات الدولية وراصد للقواعد المنظمة لها، نجده في هذا الكتاب يتحدث عن الجهاد بوصفه من أعمال الدولة لا الجماعات أو الافراد، ويتناول بجانبه قضايا تتصل بأخلاقيات الحرب كتبادل الأسرى وإسعاف الجرحى وتحييد المدنيين من نساء وأطفال وشيوخ ورهبان ومستأمنين، وإلى جانب بحث قضايا الجهاد ومسائله وأحكامه وآدابه وأخلاقياته، ومسائل الصلح والموادعات والأمان والغنائم، تحضر موضوعات تتصل بالعلاقات الدولية كتبادل السفراء وتدبير العلاقات والسياسات الخارجية بين الدول، فقرار السلم والحرب قرار سيادي بيد الدولة وكل ما يتصل بأمن البلدان واستقرارها كإجراء العقوبات والحدود والقصاص والدماء والفصل في المنازعات أعمال بيد مؤسسة القضاء التي تعد من ضمن مؤسسات الدولة وسلطة من سلطاتها، ولم يترك التشريع الإسلامي ذلك خاضعا لأهواء الناس ونزواتهم. بالنظر لحركته وخطورته.
والواقع أن الفهم المقاصدي لمباحث الجهاد والسير ظل مستصحبا حاضرا في ثنايا الدراسات الشرعية دون أن ننكر وجود آراء فقهية شاذة مبثوثة ببعض المدونات الفقهية لا تتسق مع الأصول التي أثلتها مصادر التشريع الإسلامي المعتبرة في هذا الباب، ولعل مرجع ذلك لظروف تاريخية طبعها الصراع والتوتر مع الآخر، وهي بدون شك تحتاج لدراسات تحليلية نقدية حتى لا يغتر بها الغلاة المحرفون. أما ما سوى ذلك فلم تشكو المجتمعات الإسلامية يوما من سوء الفهم لمضامين الكتاب العزيز إلا بعد أن ظهرت سياسات الإقصاء وتجفيف منابع الدين والتدين ليعقبها ارتفاع موضات وصيحات الإصلاح الديني المستجيبة لإملاءات الاستعمار بتحجيم وظيفة الدين الاجتماعية والتشريعية والتربوية وحشره في الركن القصي في المساجد والمقابر والزوايا، وتقليص نطاق تدريسه أو اجتزاء مضامينه والتعامل معها بمقاربة انتقائية تفاضلية لا تخلو من تحكم وتعسف، فكانت النتيجة أن ضيعت المجتمعات الإسلامية النظرة الشمولية التكاملية للدين ما أفقدها المعرفة الصحيحة والسليمة لأحكامه ومقاصده وشروط الإجراء والتنزيل. فأحدثوا بذلك فراغا مهولا في مسالك التفقه وخللا مريعا في مدارك الإفهام، استغله الغلاة المنتحلون فحرفوا الأحكام وعمدوا إلى محو خصوصيتها وطمس حقيقتها، فأولوها وفق أهوائهم الباطلة، فسفكوا الدماء البريئة وأوقعوا الدمار والفساد، في ظل وضع دولي مشين تلتبس فيه الحقيقة بالزيف والواقع بالخيال والفضيلة بالرذيلة. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت
تعليق 1
  1. يوسف التوات يقول

    يقول النبي صلى الاه عليه وسلم يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه انتحال المبطلين وتحريف الغالين وتأويل الجاهلين فلا شك أن هذه الافة موجودة عبر التاريخ الاسلامي لكن فتح باب الحرية للعلماء الصادقين والعدول الذين لهم من الورع والتقوى ما ينبئ على تحمل مسؤولية الامة والتعبير عن قضيتها وإلا نبقى قصعة تتكالب عليها الامم فيا ليت الامة العربية والاسلامية عامة تنهض وتجدد معالم خضارتها وأصول تشريعاتها وتتصالح مع ذواتها وتعتز بانتمائها وتكون سبل ريادتها

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.