التراث الأدبي العربي:

لقد حظي التراث الأدبي، العربي، باهتمام النقاد والمفكرين، من مجالات معرفية مختلفة، مما استلزم إعادة قراءته، والتفكير فيه، بشكل دائم وجديد؛ لأنه يشكل الوعي بالذات والهوية، والمستقبل. الأمر الذي جعل تحديد مفهومه، يختلف باختلاف التوجهات، والاهتمامات. فما هو التراث؟ وما هي أبرز خصائصه ومكوناته؟ وهل يمكن تجديده وجعله معاصرا لنا؟ وكيف يمكن قراءته وفق التصورات الحداثية؟

إن التراث العربي المقصود، هو الذي كان في المشرق والمغرب العربيين، في الفترة التي حمل فيها العرب والمسلمون مشعل الحضارة؛ أي فترة ما قبل عصر النهضة الأوربية.

يرى عبد السلام بنعبد العالي أن تجديد التراث من الداخل لا يتسنى إلا وفق ثلاثة أبعاد: “نقد التراث، ونقد الحداثة نفسها، والكشف عن نسبية شعارها، ثم التأصيل الثقافي للحداثة في فكرنا ووعينا”. والتحديث ـ حسب بنعبد العالي ـ لا يعني القطيعة مع الماضي، بل يعني الارتقاء بطريقة التعامل مع التراث، وجعله يتوافق مع أفق انتظار العصر الراهن؛ لأن الذهنية الحديثة، تخالف تماما الذهنية التي كانت تسود التراث، ثم إن مخاطب التراث يختلف عن المخاطب الحديث، كما أن قضاياه ليست هي القضايا الراهنة. ولذلك يجب “الانشغال بالتراث لتقويم اعوجاج وإعادة تأويل، بحيث لا يقصد التراث لذاته، وبحيث يكون المخاطبين هم المحدثين بيننا الذين يوظفون التراث ويؤولونه كما يحلو لهم. هنا يغدو التراث قضية من القضايا المعاصرة، ويصبح الانشغال به هما معاصرا لا تنقيبا في الماضي… ذلك لأن قضايا التراث ليست قضايانا. ولكن التراث قضية من قضايانا”. وهو نفس الطرح الذي ذهب إليه “محمد عابد الجابري“، إذ يرى أن كلمة “تراث” تحمل مضمونا وجدانيا وإيديولوجيا، لم يكن حاضرا، لا في تفكير أهله في زمنه، ولا حتى في الثقافة الغربية الحديثة، التي نستورد منها المصطلحات والمفاهيم. وبالتالي يرفض الجابري الانصراف بالكلية إلى التراث، كما يرفض الانسلال عنه كليا، ويرى أنه ” من الناحية المبدئية لا يمكن تبني التراث ككل لأنه ينتمي إلى الماضي ولأن العناصر المقومة للماضي لا توجد كلها في الحاضر، وليس من الضروري أن يكون حضورها في المستقبل هو نفس حضورها في الحاضر”. ومن ثمة لا بد من القراءة النقدية للتراث، التي تجعلنا “نتعامل معه بموضوعية ومعقولية، بمعقولية؛ أي بطريقة تجعله معاصرا لنا كل المعاصرة، وذلك عن طريق وصله بنا. بموضوعية؛ أي بجعله معاصرا لنفسه، بما يقتضي فصله عنا. وإن هذا الأمر لن يتحقق إلا بإجراء “حوار نقدي” و”حوار عقلاني” مع التراث.” لكن هذا النقد يقتضي التزود بالمستجدات المنهجية، والثقافية، حتى لا يعاد اجترار القديم. وأما “عبد الكبير الخطيبي“، فهو على النقيض مما ذهب إليه “الجابري”، فالتراث بالنسبة إليه “ليس هوية واحدة ميتافيزيقية، وإنما هو بالأحرى تعدد لا نهائي، وبداية لا تحيل إلى أصل مطلق، هذا من نوع التعدد الذي يخارج الوحدة ويماحكها، فالتراث حقا هو الهامش والمنسي والمكبوت في التراث”. إن العمل على تطوير التراث بما يتماشى مع المعاصرة لا يعني رفضه بالضرورة، وإنما يعني إعادة فحصه، لمعرفة ما قيل فيه، وما يستفاد منه.

وأما سعيد يقطين، فيشبه التراث ب “كتاب الصور الذي تجمع فيه العائلة صور أفرادها في مراحل مختلفة ومتباعدة. بعد مرور زمن طويل، لو أتيح لكل فرد أن يرى كتاب الصور هذا، لكان لكل منهم تصور خاص يشكله عن نفسه وعائلته بناء على ما انتهى إليه إدراكه وعلمه بالأمور في عوالم جزئية وأخرى كلية، خاصة وعامة. ويتباين هؤلاء الأفراد في زوايا النظر وأبعاده. وتختلف بذلك رؤاهم إلى ذلك العالم الأيقوني.” وبهذا يكون “سعيد يقطين” قد طرح تباين واختلاف طرق التفكير، والقراءات حول التراث، وسعى إلى قراءته بأدوات، وأسئلة جديدتين، وبوعي جديد، ولغايات جديدة، متسائلا: “لماذا نبحث ـ الآن ـ في نصوص قديمة؟”. وهو سؤال مشابه لسؤالين وضعهما “عبد الفتاح كيليطو”: “كيف ندرس الأدب الكلاسيكي؟… ما هي علاقتنا بالأدب الكلاسيكي؟ “. إن هذه الأسئلة وغيرها، رغم بساطتها فهي مهمة وعميقة، تحمل قلقا معرفيا، وتدفع الباحثين في التراث العربي، إلى إعادة النظر في أدواتهم المنهجية، ومنظوراتهم المعرفية، وغاياتهم المرجوة. إنها خلخلة للتصورات التقليدية للتراث، بل، وحتى بعض التصورات الجديدة. إن الاهتمام بقراءة التراث في الخطاب النقدي المعاصر، تعكس مدى أهمية هذا الإرث الإنساني، في ظل التحولات الثقافية التي يعرفها العالم. لذلك فقد ترددت جل الدراسات بين مفاهيم: التراث/ الحداثة، القديم/ الجديد، الأصالة/ المعاصرة.

ونظرا لأن مجالاته عديدة ومتنوعة، يصعب حصرها، فإن مفهومه ظل ملتبسا وعصيا على التحديد، فهو يعني كل ما خلفه العرب والمسلمون، قبل عصر النهضة، ويشمل الآثار العمرانية والعادات والتقاليد، والحكايات الشفهية، والنصوص المكتوبة. الأمر الذي حذا بالدارسين أثناء دراستهم، إلى تحديد التراث في بعد من أبعاده المتعددة، كما هو الشأن مع “عبد الفتاح كيليطو”، الذي، اهتم بالتراث في بعده السردي. رغم أن السرد هو الآخر لا حدود له؛ يشمل خطابات كثيرة، ومتنوعة. يصرح “رولان بارث”  قائلا: “يمكن أن يؤدى الحكي بواسطة اللغة المستعملة شفاهية كانت أو كتابية، وبواسطة الصورة، ثابتة أو متحركة، وبالحركة، وبواسطة الامتزاج المنظم لكل هذه المواد، إنه حاضر في الأسطورة والخرافة والأمثولة والحكاية والقصة، والملحمة والتاريخ والمأساة والدراما والملهاة، والإيماء واللوحة المرسومة..”. وهو ما نجده في بعض أعمال كيليطو، عندما يعثر على حكايات نائمة في كتب اعتبرها الدارسون بعيدة عن المجال السردي، كما هو الحال مع كتاب “أسرار البلاغة”، “للجرجاني”. إن السرد كما يقول كيليطو: “شر لا بد منه”. إلا أن للسرد العربي صيغه ومقوماته، “السرد الكلاسيكي والشعبي يحرص على احترام افتتاحية معينة تتكرر بصفة ملحوظة. وإن شيئا من التفكير يجعلنا نعتقد بأن السرد القديم يحترم كذلك خاتمة معينة تؤكد نهاية الحكاية وتثبت أهمية الإطار”.

إن القراءة النقدية للتراث قراءات، وجهت اهتماماتها لأنواع السرد العربي الكلاسيكي. يشير سعيد يقطين إلى بعض الاجتهادات المبذولة في هذا المجال، ” والتي كان لها آثار مهمة في معالجة بعض جوانب السرد. أقصد أعمال محمود طرشونة حول المقامات وأدب الشطار، ودراسات عبد الفتاح كيليطو عن المقامات… ولا يمكن لهذا النوع من الدراسات الجادة إلا أن يتطور في سبيل تعميق فهمنا وإدراكنا لتراثنا السردي”؛ إنها دراسات حاولت أن تعيد الاعتبار، للنصوص المنسية، والمهمشة، في تراثنا السردي، وتلفت النظر إليها، بوسائل وطرق جديدة. إنها قراءات تعيد إنتاج هذه النصوص، رغم الابتعاد الزمني الذي يفصلها عنا. فهل يعتبر السرد نصا صالحا للقراءة؟ أم أن للنص حده وأحكامه؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: